عبدالأمير المجر - (متروكين)...

كلما تحركت وحدتنا باتجاه أحد القواطع الملتهبة، تركنا جندياً أو أثنين يحرسون الأثقال المتبقية، وحين يأتي ذكرهم في مكاننا الجديد نسميهم (المتروكين).
حين امتدت سني الحرب طويلاً، افترشت قواطعها العديدة الكثير من أشيائنا الصغيرة المتروكة في ملاجئنا، التي عادةً ما نؤثثها بقطع من خشب أو اشلاء صناديق لأعتدة، بعد أن تمنح ودائعها لفوهات النار، وورق الصحف والبطانيات المتهرئة.. ولأن السنين تقادمت، وضاعت بين أيامها الكثيرُ من ملامح وجوهنا التي خشَّبتها ليالي الشتاء وسموم القيظ، لذا نسينا ملامحنا القديمة، مثلما نسينا الكثير من متروكاتنا الصغيرة، حبيسة اقفاص الذاكرة، التي اكتظت بصور المعارك والحكايات المبتورة في لياليها الغائصة في ظلمات الترقب والخوف.. لكنه انتهى... انتهى الخوف مع انتهاء الحرب، وتقافزنا مثل أطفال جذلين بعد أن خرجنا من مخاضاتها، مأخوذين بدهشة النجاة من حرائقها المرعبة..
حين تركنا حدود الوطن، باتجاه المدن، كان الناسُ يقفون بانتظارنا عند مداخلها، بعضُهم يتلفتون، يفتشون عن وجوه لم يَروها بيننا وعندما سألونا عنها، رحنا نتلفت الى بعضنا، وقد أخذتنا سَوْرَةٌ، أنستنا للحظات دهشة اللقاء، وبهجة النجاة، وألقت بنا من جديد وسط ملاجئنا الصغيرة وليل أيامنا الملتهبة. ورحنا نفتشُ بين جدرانها الرطبة، الواطئة عن أسماء الحبيبات والاصدقاء، نُصغي لضحكاتٍ تلاشت وسط دويَّ الرصاص، فتَّشنا عن أوراقٍ ذابلة بين طيات الحاجيات الكثيرة، المهملة، لرسائل اخطأت عناوينها أماكنُ الجنود الذين لم يقرؤوها!
ولما أعاد الناسُ علينا السؤال، صحونا تندهنا أصوات حشرجاتٍ قديمة، ثم أطرقنا مثل تَلاميذ صغار، أربكهم سؤال معلمهم عن درس لم يقرؤوه، واكتسحتنا لحظاتُ خوف، نزّت من أعماقِنا، وباستحياء وحَيرة، رحنا نعصر على صدورنا حقائبنا الصغيرة، المتربة، المضمخة بروائح البارود، ثم نظرنا اليهم بوجوهٍ منكسرة، وتذكرنا عادة الجنودِ القديمة، حين يتحركون الى أماكنَ اخرى.. وقُلنا.. ظلّوا متروكين!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى