صلاح البيلى - العقاد عاشقا.. 4 رسائل بين الصقر واليمامة.. الجبار الذى أذله الحب.. «فى ذكرى ميلاده» نكشف خبايا خطاباته إلى مى زيادة..

أحبته وبكت بالدموع يوم جفاها ولكن كبرياءه أبى أن يقبل القسمة فى الحب
كتب فيها قصيدة غزلية تحمل اعترافا صارخا: (أنت معبودتى يا مى)
رسالة مؤرخة سنة 1945م لشقيقه أحمد فى أسوان مع حوالة بثمانية جنيهات وحقن لعلاج والدته راجيا تقبيل يدها
فى 28 يونيو تمر 130 سنة على ميلاد عباس العقاد - هرقل الثقافة العربية- والكاتب الجبار كما وصفه سعد زغلول، العصامى وصاحب القلم الجريء والقاضى العادل فى أحكامه، ومنصف العظماء على مر التاريخ، معروفين ومجهولين. إنه المثقف الموسوعى والجامعة وحده ومقاوم الظلم والاستبداد، المحلل النفسى، محطم الأصنام ومن ذاب عن ثقافتنا العربية فى وجه المستشرقين.
فوق كل ذلك كان شاعرا فحلا وقاصا وسياسيا ولمن لا يعرف، كان رقيق المشاعر، ذاق الحب ولوعته، والهجر والغيرة وسالت دموعه الحقيقية قبل أن تسيل أحاسيسه على الورق شعرا، هذا الهرم الذى كان صنوا لجرانيت أسوان بلده، قال واصفا حاله إثر طعنة غدر عاطفية: (وبكيت كالطفل الذليل أنا الذى – ما لا فى صعب الحياة مقودي)!.
وفى السطور التالية نقف عند مشاهد واقعية وبخط يده تنبئ عن عمق إنسانيته وشفافية عاطفته وأصالتها.
وننشر هنا خمسة خطابات تكشف جانبا من علاقته بمعشوقة أدباء عصرها (مى زيادة) وأيضا ننشر خطابا وجهه إلى أخيه (أحمد) فى أسوان، حيث أرسل نقودا لأمه وطردا به الحقن التى كانت تعالج بها ولكن كيف وصلت إلينا هذه الخطابات (الوثائق) وبخط يد العقاد ومى. فتلك قصة يستحسن أن أبدأ بها فى اقتضاب:
.......................
بدأت القصة معى يوم كنت أسافر إلى مدينة أسوان سنويا فى فصل الشتاء قبل ربع قرن من الآن، وتحديدا فى شتاء سنة 1994 زرت بيت أسرة العقاد وكان من طابقين وشارعه مبلط بالبازلت الأسود، كما زرت متحفه ومكتبته بقصر الثقافة، وتمثاله واعتبرته لا يقل أهمية عن السد العالى وزيارته وأمضيت أياما مع أولاد شقيقه (أحمد) وهم على الترتيب (صفية وعبدالعزيز ونجاة).
وامتدت خيوط الثقة والمحبة بيننا فأمدونى بكنز أدبى ووثائق لم يسبق نشرها وكانت عبارة عن أربعة خطابات متبادلة بين العقاد ومى زيادة والخطاب الخامس من العقاد لشقيقه، كما أطلعونى على مسدس العقاد الخاص،, حيث كان مهددا بالقتل من الفاشيين بعد كتابه عن هتلر، كما كان موضع اتهام جماعة (الإخوان المسلمين) لصداقته مع رئيس الوزراء الذى اغتالوه محمود فهمى النقراشى – وكلاهما بدأ حياته مدرسا – وكم دافع عنه العقاد وهاجم الغلو والتطرف السياسى المتشح بعباءة الدين، كما حكوا لى كثيرا من القصص الخاصة جدا عن هذا العملاق الذى ملأ الدنيا وشغل الناس ووضع لنا كنزا من الجواهر فى كتبه التى بلغت «102 كتابين» ما بين شعر وقصة وتراجم وسير وعبقريات وتاريخ ونقد ولغة ودفاع عن الاسلام والمرأة.
والمعروف أن عباس محمود إبراهيم مصطفى العقاد ولد بأسوان 28 يونيو لأب يقوم على أمانة المحفوظات (الدفتر خانة) وبدأ يتردد على الكتاب سنة 1896وعمره سبع سنوات، وبدأ دراسته الابتدائية سنة 1899 وأنهها سنة 1903، وكان أن زار مدرسته آنذاك مفتى مصر الشيخ محمد عبده فأثنى على خطه وموهبته ووضع عنه العقاد لاحقا واحدا من أهم كتبه هو (الشيخ محمد عبده عبقرى الإصلاح) ثم قضى عدة أشهر بالمدرسة الثانوية الصناعية ببولاق، ثم عين مدرسا بالمدرسة الخيرية الإسلامية بأسوان سنة 1904 وقد زارها الزعيم مصطفى كامل ومدام جوليت آدم. وفى سنة 1905 عمل موظفا بالقسم المالى بقنا ثم نقل للزقازيق بنفس العام وكان يتردد على القاهرة كل أسبوعين ليشترى حاجته من الكتب ويتعرف على الحياة الأدبية فيها، حيث نشأ فى بيت أبيه وكانت الندوات الثقافية تعقد فيه على الدوام ويؤمها نخبة القضاة والأدباء والمتعلمين فى أسوان، وقد حكى العقاد مرة أن جذور أسرة أبيه ترجع لمدينة دمياط واسم العقاد، كان صفة لمن يعمل فى نسج الحرير، وهذا ربما يفسر لون بشرته البيضاء على عكس أهل أسوان والجنوب، والشيء الآخر أن جذور أسرته تمتد إلى الأشراف المنتسبين لرسول الله من ابنته فاطمة وزوجها على ابن أبى طالب.
والتحق العقاد بمدرسة الفنون والصنايع بالقاهرة سنة 1906، ثم تركها وعمل بمصلحة البرق ثم تركها وعمل بالصحافة، وأجرى حوارا مع سعد باشا زغلول وهو وزير للمعارف سنة 1908 كان حديث الناس وقتها وأعجب به سعد كما أعجب به العقاد وصار وفديا بعد ذلك ووضع كتابا عن سعد باشا ومآثره.
اختير العقاد عضوا بمجمع اللغة العربية سنة 1940، وصار عضوا بالمجمع الأعلى لرعاية الفنون والآداب سنة 1956، ومنحه الرئيس عبدالناصر جائزة الدولة التقديرية سنة 1960، ورحل عن الدنيا فى الخميس 12 مارس سنة 1964 فى شقته بمنطقة مصر الجديدة، ودفن فى مسقط رأسه بأسوان.
قصته مع مى
أما مى زيادة واسمها الحقيقى (مارى إلياس زيادة) فولدت بالناصرة فى فلسطين لأم فلسطينية وأب لبنانى سنة 1886ودخلت مدرسة الراهبات اليوسيفيات بالناصرة سنة 1892وفى عامها الرابع عشر دخلت مدرسة للراهبات فى بيروت، حيث نزحت أسرتها إلى هناك ثم عادت للناصرة سنة 1908 ثم نزحت أسرتها للقاهرة بنفس العام والتحق والدها بصحيفة (المحروسة) قبل أن تؤول إليه، وكانت مى تجيد الفرنسية والانجليزية وفى القاهرة التحقت بدروس فى العربية والثقاقة الإسلامية بالجامعة الأهلية فى أثناء الحرب العالمية الأولى ونشرت كتابها الأول بالفرنسية (أزاهير حلم) سنة 1911 وكانت تنشر المقالات بتوقيع (إزيس كوبيا) ثم غيرت اسمها من (مارى زيادة) إلى (مي) وعرفت بصالونها الأدبى يوم الثلاثاء من كل أسبوع فى بيت أسرتها رقم 28 شارع المغربى (شارع عدلى حاليا) وذلك من زمن الحرب الأولى حتى سنة 1926.
وهو الصالون الذى أمه كل أدباء عصرها (شوقى وحافظ وطه حسين والعقاد ولطفى السيد وإسماعيل صبرى والشيخ مصطفى عبدالرازق وخليل مطران وأنطون الجميل وداود بركات والمازنى وشبلى شميل والتابعى وعبدالعزيز فهمى وداود فرحات ويعقوب صروف الذى كانت تناديه – أستاذى توت المستبد - وغيرهم) وكان الأديب مصطفى صادق الرافعى مقيما فى طنطا ويعمل موظفا فى المحكمة هناك ويحضر أسبوعيا صالونها وكان يحبها ووضع فيها شعرا، كذلك الشاعر ولى الدين يكن، ومن بعد المحيط من نيويورك كان الشاعر والرسام جبران خليل جبران يراسلها وتراسله وبينهما محبة، وإذا أحصينا من أحبوا مى، ومن كتبوا عنها سنجدهم جميعا تقريبا، وقد وضع فى ذلك مؤلفات تصل للثلاثين كتابا، وقد وصفها العقاد فى حديث له بأنها: (كاتبة معتدلة غير خيالية) وأحب لها كتابها (باحثة البادية ملك حفنى ناصف) وأشاد ببراعتها فى إدارة حوار مع ثلاثين كاتبا ووزيرا فى صالونها وكان يشعر كل واحد منهم أنها لا تحب سواه!.
وفى حين توالت مقالاتها فى (الأهرام والهلال والمقتطف والمقطم والزهور) كانت تلقى محاضراتها فى قاعة (إيوارت) بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، وأصدرت كتابها ( ظلمات وأشعة ) وكتب مقدمته العقاد، ثم (بين المد والجزر) و(دمعة وابتسامة) وتوالت كتبها وشهرتها وسفرياتها لأوروبا خاصة ايطاليا ومحاورة بابا الفاتيكان، ونجح ابن عم لها فى استدراجها لبيروت بعد رحيل والديها سنة 1938 وأدخلها مستشفى العصفورية النفسية، ولم تخرج منها إلا بعد أن خاض أمين الريحانى معركة لإنقاذها ولقت ربها فقيرة وحيدة فى أكتوبر سنة 1941 تاركة وراءها مئات الرسائل ومخطوطات لم تنشر بعد!.
كان العقاد يؤم صالون مى سنة 1915 وما بعدها كأصغر رواده هو وكان عمره -27 سنة- تقريبا وعمرها 21 سنة، كان وسيما معتدلا برأيه وكرامته، وهى جميلة الجميلات لا تضع مساحيق التجميل وتصلى بالكنسية أسبوعيا وتمارس اليوجا ومفكرة وتتحدث أكثر من لغة, وجمع بينهما الشعر والأدب والفكر وحب الشباب الذى صار غراما فهياما وكانا يلتقيان سرا بحديقة إحدى كنائس حى الظاهر، كانا نجمان فى سماء القاهرة، وقد اعترف العقاد بأنه أحبها كما أحب (سارة).
وانتهت القصتان بالدموع لأن كرامة العقاد تأبى أن تذبح على مذبح الحب أو يشاركه آخر فى هواه.. إنها صفحة من أعذب الصفحات فى حياة العقاد, هذا العملاق الذى كان وديعا فى حبه كطفل، عرف حلاوة العشق وذاب صبابة وتعذب بفراقه وتجرع كئوس الخيانة المرة وهو الحامل لكرامته فوق رأسه ولا يسمح ولا يقبل من محبوبته إلا الإخلاص التام والكامل!.
الرسالة الأولى
الخطاب الأول الذى ننفرد بنشره مؤرخ فى 7 يوليو سنة 1923 أى مر عليه قرن إلا أربعة أعوام وأرسلته مى إلى العقاد على مقر عمله فى (جريدة البلاغ) بمصر وكان العقاد يشارك صاحبها عبدالقادر باشا حمزة تحريرها وكانت أقوى الصحف الناطقة بلسان حزب الوفد آنذاك وهى فترة انتشار العقاد وبزوغ نجمه، وكتبت مى على المظروف الخارجى (حضرة الأستاذ عباس محمود العقاد المفضال ) مع تشديد باء عباس وقاف العقاد وطابع البوستة تصدرته صورة الملك فؤاد وثمنة خمسة مليمات، أما رسالتها فجاءت مختصرة، وخطها جميل وواضح والمؤكد أنها كتبت بقلم الحبر حيث كان ذلك الزمان.
والرسالة جاءت تعليقا على قصيدة نظمها حافظ ابراهيم فى مدح العقاد، كما يتضح منها أن العقاد كان من بين المرشحين لمجلس الشيوخ والمعروف أنه كان عضوا بالمجلس أكثر من مرة، ويوم حاول الملك فؤاد أن يعتدى على دستور 1923، هاجمه وهدد بتحطيم رأس من يعتدى على الدستور ونال حظه من السجن تسعة أشهر وخرج بعدها إلى ضريح سعد باشا وكان انتقل وألقى قصيدته التى مطلعها: ( عداتى وصحبى لا اختلاف عليهما – سيعهدنى كل كما كان يعهد).
نعود للرسالة التى تقول مى فى متنها: (لكن فكرة القصيدة أو (نيتها) أعلى من القصيدة والقصيدة دونك، وأما أهل أسوان فهم نظموا بترشيحك قصيدة جميلة المطلع. فإذا جاء ختامها بانتخابك, كمطلعها كانوا ضامنين لأنفسهم شهادة لا تقل أهمية عن شهادة تنطق بها الهياكل للذين سلفوهم وإن كانت من نوع آخر.. مى ).
وواضح من الرسالة مدى إعجاب مى بالعقاد الأديب والسياسى ولم تتطرق لمشاعر أخرى مما سنلاحظه فى الرسائل الأخرى وكأن الرسالة كتبت لظروف آنية وتعليقا على حدث شاركا فيه وألقيت فيه قصيدة فى مدح العقاد المرشح البرلمانى آنذاك.
الرسالة الثانية
وكانت الرسالة الثانية من مى للعقاد والتى ننفرد بنشرها مؤرخة مساء 29 يونيه سنة 1925 وكتبتها وهى على متن السفينة فى ميناء الاسكندرية, وكانت مبحرة لإيطاليا وبدأتها هكذا دون مقدمات (سيدى الأستاذ الفاضل، أما عنوانى فى روما فهو هذا.. ) وعلقت عليه: (وهو طويل بعض الطول يشبه العنوانات التركية التى كان يشكو منها (بيير لوتي). ومع ذلك فأرجو أن يكون محسنا فيكون واسطة للحصول على مقالاتك الأسبوعية الأدبية).
ودخلت فى موضوع سفرها مباشرة فقالت: (إذا كانت رحلتنا من القاهرة مصر فى ساعات الحر الشديد فقد استقبلتنا الاسكندرية بنسيم لطيف، وباخرتنا هذه راسية الليلة على مقربة من (فرضة البحر) حيث (يلتقى بر وبحر وليس يلتقيان) والمنار يزجى بالضياء ولكن هؤلاء المسافرين يكثرون من الضجيج فلا يتيسر التفكر والكتابة.
وانتقل من صالون إلى صالون لأجد مكانا هادئا. وفى كل مكان يدخنون ويضحكون ويثرثرون وليس من ينظر إلى البحر وإلى ما يخط فيه نور القمر من دروب فضية! وليس من ينظر إلى روعة هذه الأمواج المظلمة التى نقتحمها! وليس من يميل إلى السكوت والسكون ليقترب من روح الطبيعة ويتلقى بلاغها، فقد احتل عشرة رجال تقريبا صالونا من الصالونات ونشروا أوراق اللعب واحتل آخرون صالون الموسيقى وجلست فتاة إلى البيانو توقع (موالا) إفرنجيا..
وهكذا، فلم يبق لى إلا أن أرجع إلى قاعة الطعام بعد أن غادرها الجميع وتكرم على أحد الجرسونات بقلمه –وكتبت ماركة القلم– ومراوح الكهرباء تئز وتدوى حولى فتختلط بجلبة الصحون والملاعق وأصوات المتحدثين فيستبد عنادى عند هذه الصحيفة وأزيد رغبة فى الكتابة ولكن لابد من الامتثال فكل ما يحيط بى يحملنى على ترك القلم. على إنى سأنفرد فى زاوية من المركب وأطل على البحر وأقول لنفسى شعرا. شكرا على الأبيات التى اتحفتنى بها، إن لها عندى مكانا خاصا دون سائر شعرك وأهديك خالص التهنئة بمناسبة العيد المقبل مشفوعة بعواطف الإكرام.. مى).
والمؤكد فى هذه الرسالة أن مى صاحبة أسلوب تصويرى قصصى رائع إذا تصف كل ما يدور من حولها كما تصف خوالج نفسها بدقة وعنادها الذى تقابل به الضوضاء واللهو, وتأسف كيف لا يلتفتون لليل والقمر والموج وغيرها من الصور التى رأتها دليلا على رومانسيتها وعاطفتها الراقية، كما سجلت مشهد عازفة البيانو ولم تنس ذكر أنها استعارت القلم من الجرسون وبالنهاية شكرت العقاد على ما كتبه من شعر فيها وعدته دون سائر شعره وهنأته بقدوم العيد.. إنها رسالة جامعة تعبر عن نفس ذواقة للطبيعة وروح منطلقة تعلو على المتع الصغيرة من طعام وتدخين ولعب بأوراق اللعب أو قتل الوقت فيما لا يفيد والرسالة أشبه بقصة قصيرة رائعة وتصلح كمادة خام لفيلم تسجيلى أو درامى قصير.
الرسالة الثالثة
وفى 19 أغسطس سنة 1925 أرسل العقاد خطابا إلى مى من مصيف رأس البر حيث كان يقضى عطلة الصيف, وكانت رأس البر ملتقى الكبراء والذوات والنخبة وتنافس الاسكندرية فى شهرتها, وحمل المظروف طابع بريد بصورة الملك فؤاد ثمنه خمسة مليمات وختم الصادر من رأس البر وبخط العقاد كتب: ( مصر – شارع المغربى – حضرة الكاتبة الفضلى الآنسة مارى إلياس زيادة بالمنزل رقم 28 شارع المغربى ) – وهو شارع عدلى حاليا قبل أن يتغير اسمه – وواضح أن العقاد كتبه ليلا حيث بدأه بعد تأريخه بقوله: ( سيدتى.. كنت الليلة فى رحلة بحرية جميلة وكانت نجمة البحر ( ميريم ) تلمع على الأفق كبيرة متلألأة فكنت أرفع بصرى ألى السماء فأراك فى سميتك وأقول لها أو أقول لك:
( يا نجمة اليم ونور الأوان – أشرقت, فليشرق علينا الآمان )
(أنت الهدى يا ( مى ) فى لحظة – البحر فيها والدجى حاكمان!)
(لو لم تكونى ملكا حارسا – يحوطنا فى كيد هذا الزمان )
( ما سار فينا - يوم فارقتنا – شيطانه الباغى طليق العنان )
( فاليوم إذ أقبلت لا خوف من – كيد الشياطين وأنت الضمان )
ولا يفوت العقاد أن يذكر بالهامش بعد توقيع رسالته أن ( ميريم ) معناها نجمة البحر كما أخبرته مى من قبل, ونستطيع من هذه السطور أن نلم بحساسية العقاد وكيف كان هذا الرجل الذى يستمتع بالبحر والنجوم والهواء الطلق وليس سجين أربعة جدران أو كهف تحت الأرض بزعم أنه مثقف, ليس هذا فحسب, بل بمجرد أن انطلقت رحلته البحرية وشاهد نجمة البحر تذكر مى وكتب فيها شعرا, أليس هذا بمحب كبير؟!
الرسالة الرابعة
إنها ليست خطابا تقليديا بل أقول إنها رسالة اعتراف من العقاد الكبير بحبه لمى عبر قصيدة طويلة من ستة عشر بيتا من بحر الكامل مؤرخة فى الثلاثاء 29 سبتمبر سنة 1925 وفى هذه المرة وقع العقاد القصيدة باسمه الأول (عباس) وهى قصيدة بحق جميلة وليس فى الخطاب سواها بخط واضح جميل وقافية الباء المكسورة ذات الوقع الموسيقى الرنان, يقول العقاد إلى العزيزة مي:
(أدعوك باسم على ما فيه من صغر
وافى المسماة من فضل ومن طيب
فيه اختصار فلم يخلق لحاشية
تزيده بل لا يجاز وتحبيب
يا مى يا مى ذاك اسم أو نمه
تغنى حلاوته عن كل تلقيب
كجوهر فى يد اللآل قد نفست
به أنامله عن كل تركيب
وفى يديك الرضا إن كنت آذنة
لى باسمك العذب, أو لومى وتثريبي!
وإن لى رغبة يا مى ضارعة
فلا تضنى بها يا خير مرغوب
الله فى الكون خافيه وظاهره
لم يخله الحس من وصف وتقريب
وفى الهياكل آيات تمثله
وهو الممثل فى شتى الأساليب
وأنت معبودتى يا مى ما ظفرت
عينى بتمثال حسن منك مرقوب
تمضى الأسابيع بالساعات أحسبها
ولا ثلاثاء إلا بعد تغبيب
إذا ارتوى القلب من ذكرى يعل بها
فالعين فى عالم كالقفر مجدوب
فليت لى منك طيفا إن لى حلما
رحب الجوانب موشى الأعاجيب
طيفا على صفحة القرطاس مرتسما
للخط منه نصيب غير مكذوب
إذا أطل على الأحلام حل بها
كصورة القدس حلت فى المحاريب
لئن سخوت به لن تندمى أبدا
على اعتقادك فى برى وتجريبي
إنى كعهدك طماع فلى أمل
مغرى بأجمل وهاب وموهوب
الله, الله, حقا ولو لم يكتب العقاد غير هذه الغزلية الرائعة لعد من كبار شعراء الغزل على مر العصور، ناهيك عن أنها خاطبها هكذا (وأنت معبودتى يا مي) وجعل طيفها بمنزلة المقدس وقبل هذه الصورة تمثل ببيتين أشبه ما يكون فيهما بسلطان العاشقين عمر ابن الفارض أو محيى الدين ابن عربى صاحب الفتوحات المكية وترجمان الأشواق إذ يقول عن الذات الإلهية (وفى الهياكل آيات تمثله – وهو الممثل فى شتى الأساليب)الله على هذه الصورة الفنية الرائعة التى لو سمعها ضيق الأفق وعديم الوجدان وفقير النفس لعدها إلحادا أو خروجا عن الشرع مع أنها جوهر الدين وذروة التوحيد!.. أما قوله (وأنت معبودتى يا مي) فحدث ولا حرج، خاصة أن القائل من؟!.. إنه العقاد المحارب الصلب المعتز بكرامته والعاشق الذى يذوب صبابة فى محبوبة فى لحظة صدق انسانية عالية جدا، ثم يجلس كالمراهق يعد الساعات وهى تمضى والأيام حتى يأتى يوم الثلاثاء موعد صالونها فيلقاها، إنه العقاد الذى قال يوما فى صالون مي: لو جمع ما ذكر فيه لكون مكتبة كبيرة تشبه ما جاء فى (الأغانى للأصفهاني) أو (العقد الفريد).
والعقاد قال ذلك الشعر ومى حولها كوكبة من الشعراء لن يجود بهم الزمان ثانية من أمير الشعراء أحمد شوقى وإسماعيل صبرى ومطران وممن أحبوها بصدق وغيرة مصطفى صادق الرافعى وكانت بينه وبين العقاد غيرة وتحاسد وكتب ضده كتابه (على السفود) وولى الدين يكن وغيرهما من الأرواح الهائمة فى هذه اللبنانية الفلسطينية المصرية المسيحية وبالطبع فى هذا العصر الثرى بناسه، لم يفكر أحد أبدا فى كون مى مسلمة أو مسيحية، لأن مثل هذا السؤال البغيض والعنصرى، لم يكن مطروحا، كان الإنسان من حيث هو إنسان هو الأغلى. المهم أن العقاد انصرف بقلبه رويدا رويدا عن مى بسبب كثرة عشاقها ولأنها ليست له وحده وزارته يوما وهى باكية بمكتبه فى جريدة (البلاغ) وعاتبته وبكت بدموع حارة وحزن العقاد ولكنه لم يغفل كبرياءه وتسلى عنها بحب جديد وكانت (سارة) ومع ذلك وقف وهو قد تخطى الخمسين من عمره يرثيها بدار الاتحاد النسائى بالقاهرة ويقول: (تلكموا الطلعة مازلت أراها – غضة تنشر ألوان حلاها) (بين آراء أضاءت فى سناها – وفروع تهاوى فى دجاها).
ولتأكيد هذه المأساة التى أحاطت بمى من كثرة عشاقها وذكائها الحاد، أنها كتبت للعقاد من روما سنة 1925 تقول له: (.. وقد ظننت أن اختلاطى بالزملاء يثير حمية الغضب عندك والآن عرفت شعورك وعرفت لماذا لا تميل إلى جبران خليل جبران.. لا تحسب أنى أتهمك بالغيرة من جبران فإنه فى نيويورك لم يرنى ولكن طبيعة الأنثى يلذها أن يتغاير فيها الرجال وتشعر بالازدهاء حين تراهم يتنافسون عليها.. أليس كذلك؟ معذرة.. فقد أردت أن أحتفى بهذه الغيرة لا أن أضايقك ولكن لأزداد شعورا بأن لى مكان فى نفسك، أهنيء بها نفسى وأمتع بها وجدانى..). إنها أصابت كبد الحقيقة كما أصابتها بدموعها يوم زارت العقاد لآخر مرة فى (البلاغ) ولكن كان القدر قد كتب كلمة النهاية فى قصة الحب تلك بهذه الدموع التى قابلها العقاد بصمت!
وكان أحب (سارة) أو (أليس داغر) ثم اكتشف خيانتها، فأبعدها عن طريقه وكتم حبه وتعذب به. وكان حبه الثالث من سمراء الشاشة (مديحة يسرى) وهو فوق الخمسين وهى فى العشرين ولما تعالت عليه طردها هاربة من فوق سلالم بيته طلب من تلميذه الرسام صلاح طاهر أن يرسم له تورتة يعف عليها الذباب.. إنه رجل لا يقبل القسمة فى الحياة ولا فى الحب ولا يعرف مسك العصا من منتصفها بل يذهب فى الشوط لنهايته مهما تكن العواقب!.
وقد سألت شيخ الصحفيين حافظ محمود قبل رحيله عن حقيقة حب العقاد ومى فقال لي: (مى كانت عواطفها الظاهرة غير الخفية وكانت قادرة على التظاهر بحب الجميع بينما كان قلبها متعلق بجبران ولكن الموت سبقها إليه فخطفه منها وبكته ولكن كان بينها وبين العقاد إعجاب متبادل وهذا الإعجاب تسبب فى غيرة وإثارة حفيظة مصطفى صادق الرافعى لأنه كان يموت صبابة فى مى ووضع كتابه (على السفود) حنقا على العقاد وغيرة منه ولا هو فاز بها ولا العقاد نال منها غير الإعجاب!.
الرسالة الخامسة
إنها ليست رسالة غرام بل رسالة عائلية من العقاد فى القاهرة لشقيقه فى أسوان (أحمد) ومؤرخة فى 14 ابريل سنة 1945 ودلالاتها أنها تكشف لنا عن جوهر هذا الكاتب الكبير البار بأمه لدرجة حرصه على إرسال الحقن إليها فى طرد وإرسال مبلغ من المال إليها رغم أنه لم يكن غنيا فى يوم من الأيام وكان كل كسبه من كتاباته فى الصحف ومن عوائد كتبه وكان أعلى أجر حصل عليه من مصطفى أمين فى (يوميات الأخبار) قبل موته، خمسين جنيها فى المقال وكان عنده عم أحمد حمزة الطباخ ومن يساعده من السفرجية اثنان أحيانا وكان يذهب لمكتبة (الأنجلو) ليشترى الجديد فى الكتب العربية والأجنبية ومع ذلك كله لم ينس أمه وهذه رمزية الرسالة المختصرة وقد كتب على المظروف الخارجى: ( أسوان – حضرة المحترم أحمد أفندى محمود العقاد سكرتير المحكمة الوطنية الكلية بمنزله بأسوان). أما متن الخطاب القصير فجاء على هذا النحو: ( حضرة الأخ المحترم.. أحييكم وأرجو لكم جميعا تمام الصحة والعافية وقد أرسلت فى بريد اليوم طردا مشتملا على الحقن المطلوبة للسيدة الوالدة أرجو أن يظهر نفعها المحقق فى وقت قريب. ومع هذا حوالة بمبلغ ثمانية جنيهات سلموها للسيدة الوالدة مع تقبيل يديها.
أما نحن ففى صحة جيدة والحمد لله وتحياتى لكم وإلى أفراد الأسرة جميعا. عباس).. وقد حكى لى أولاد شقيقه أحمد أن علاقته بأمه كانت فوق الوصف احتراما لها وتقديرا ومحبة وقد اعتزل فى بيته بأسوان أكثر من شهر حزنا على وفاتها ولم ير أحد دموعه التى لا شك كانت سخية.. إنه العقاد الإنسان الذى أبدع لنا ما يبهرنا لليوم من عبقريات وتراجم ومقالات وأغنى حياتنا لليوم.. وهو ذاته الشريف فى معاركه والصب المستهام فى حبه!.
*الاهرام الجمعة 28 يونيو 2019 م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى