عبد علي حسن - الرواية العراقية المعاصرة مأزق (ما بعد الكولونيالية)

منذ ظهور الدراسات الثقافية في النصف الثاني من القرن العشرين، شكّل الخطاب ما بعد الكولونيالي أحد أبرز المداخل النقدية التي حاولت تفكيك علاقة الهيمنة بين المستعمِر والمستعمَر، وتحليل الآثار العميقة التي تركها الاستعمار في البنى الثقافية والاجتماعية والسياسية للمجتمعات التي خضعت له ، غير أنّ هذا الخطاب حين انتقل إلى فضاءات ما بعد الاستعمار في العالم العربي، ومنها العراق، واجه إشكاليات في التطبيق، سواء من جهة تحديد السياق التاريخي للاستعمار ومحدودية امتداده، أو من جهة الخلط بين هيمنة الكولونيالية الخارجية واستبداد السلطة الداخلية بعد الاستقلال السياسي.
ويُعدّ العراق نموذجًا لافتًا في هذا الجدل ، فبعد خروجه من فترات الاحتلال العثماني ثم البريطاني، لم يدخل مرحلة ما بعد الكولونيالية بمعناها الدقيق كما حلّلها إدوارد سعيد أو هومي بابا أو سبيفاك، بل انتقل إلى صيغ جديدة من السلطة المركزية التي احتكرت الدولة والخطاب والموارد، دون أن تكون بالضرورة امتدادًا للمستعمِر ، ومن هنا يمكن القول إنّ الرواية العراقية المعاصرة تقف أمام مأزق مزدوج ، فهي من جهة تحاول تفكيك ذاكرة الاستعمار وما خلّفه من تصدّعات في الهوية الوطنية، ومن جهة أخرى تواجه قمعًا سلطويًا داخليًا يُعيد إنتاج الاستبداد بأدواته الخاصة، ما يجعل تصنيفها ضمن خانة "ما بعد الكولونيالية" أمرًا إشكاليًا ، اذ ان الفرق بين الاستعمار الخارجي والاستبداد الداخلي جوهري في الطبيعة والغاية ، فالكولونيالية تسعى إلى إلغاء هوية الآخر وتغريب الذات، وتفرض منظومة لغوية واقتصادية وثقافية تُخضع المستعمَر لمركزية المستعمِر، في حين أن الأنظمة الديكتاتورية الوطنية — مهما بلغت شدة قمعها — تنتمي إلى بنية داخلية تُحركها دوافع السلطة والسيطرة السياسية لا دوافع التفوق الحضاري أو العرقي أو الثقافي كما في الخطاب الكولونيالي ، لذلك فممارسات القمع أو الرقابة أو العنف الرمزي التي تمارسها الأنظمة ليست استمرارًا للكولونيالية، بل هي تجليات داخلية لخطاب السلطة، ولا يجوز اختزالها ضمن مقولات ما بعد الكولونيالية لمجرد تشابه الوسائل والأساليب ، وفي هذا السياق تواجه الرواية العراقية مأزق التوصيف، إذ إنّ بعض النقاد حاولوا إسقاط أدوات النقد ما بعد الكولونيالي على التجارب العراقية المعاصرة مثل الدكتور سمير الخليل في كتابه ( روايات مابعد الكولنيالية " اليانكية"/ دار ومكتبة اهوار للنشر والتوزيع ط١ بغداد 2023) الذي ذهب فيه إلى أن نص رواية (طشاري) للروائية العراقية انعام كجه جي يندرج ضمن ما أسماه ب ( روايات مابعد الكولنيالية اليانكية) و رامي ابو شهاب في مقاله ( مابعد الكولونيالية / فرنكشتاين في بغداد / لاحمد سعداوي .. مجلة الجامعة العربية الأمريكية للبحوث / فلسطين ، مجلد ٨ العدد ٢/٢٠٢٢ ، إذ (يفترض الكاتب إن رواية فرنكشتاين في بغداد تعبر عن اثر الاحتلال الامريكي عبر التناص مع رواية ماري شيلي والافلام السينمائية كما يشير الناقد امجد نجم الزيدي في دراسته ( الرواية العراقية مابعد 2003 وسؤال مابعد الكولونيالية) المنشورة في العدد الثالث من مجلة الأقلام/ 2025 .. متغافلين عن خصوصية السياق التاريخي والسياسي ، فحين يكتب الروائي العراقي عن الحرب أو القمع أو الدمار أو الطائفية، فإنّه لا يتحدث بالضرورة عن صراع بين "مركز وهامش" و"غرب وشرق"، بل عن أزمة داخلية في بنية الدولة الوطنية التي فقدت توازنها بعد عقود من الاستبداد والحروب ، إنّ ما تفعله الرواية العراقية الحديثة هو تفكيك الداخل لا الخارج؛ فهي تعرّي آليات القهر السياسي والاجتماعي، وتعيد مساءلة مفهوم الوطن والهوية والانتماء، ولكن دون أن يكون هناك مركز استعماري خارجي يُوجّه هذه البنية ، وهذا ما نلحظه في روايات مثل فرانكشتاين في بغداد لأحمد سعداوي ويا مريم لسنان أنطون وطشاري لأنعام كججي وسواهما من الروايات العراقية التي تمثلت مظاهر العنف وانتهاك الوجود الإنساني الشخصية العراقية منذ 2006 حيث تُطرح الأسئلة الوجودية والأخلاقية ضمن سياقات محلية نابعة من الخراب الداخلي والصدمة الاجتماعية، لا من علاقة استعمارية مباشرة ، إنّ (الآخر) في هذه الروايات ليس المستعمِر الأوروبي، بل هو ( الذات الأخرى) داخل الوطن نفسه: الحاكم، الطائفة، الميليشيا، أو حتى الذاكرة المثقلة بالعنف ، لذا فهي روايات ما بعد استبدادية أكثر منها ما بعد كولونيالية، لأنها تعيد مساءلة الذات الوطنية لا الهيمنة الإمبريالية ،
ومن جهة أخرى، يمكن القول إنّ الرواية العراقية المعاصرة مارست نوعًا من المقاومة الثقافية المزدوجة؛ فهي من ناحية رفضت هيمنة المركز الكولونيالي الغربي الذي يسعى إلى تأطير الأدب العربي ضمن سردية "الشرق الضحية"، ومن ناحية ثانية واجهت المركز الداخلي المتمثل بالسلطة الشمولية التي سعت إلى احتكار المعنى والذاكرة ، إنّ هذه الازدواجية هي التي منحت الرواية العراقية المعاصرة طابعها المأزوم، إذ وجدت نفسها بين خطابين مهيمنين: الهيمنة الثقافية الغربية من الخارج، والهيمنة السياسية الداخلية من الداخل ، ومع ذلك لا يمكن اعتبار المواجهة مع السلطة المحلية استمرارًا للمواجهة مع الكولونيالية، لأنّ المنطلقات مختلفة جذريًا ، فما حدث في التجربة العراقية – كما في تجارب عربية أخرى – بعد التحولات في البنية الاجتماسياسية الكبرى ، لا يمكن إدراجه في إطار “ما بعد الكولونيالية الداخلية” كما وصفه الناقد امجد الزيدي في دراسته الٱنفة الذكر حيث يشير إلى ( لذلك يمكنني ، إن جاز لي ذلك ، أن اقترح مقاربة جديدة للرواية العراقية مابعد ٢٠٠٣ بوصفها نصوصاً يمكن أن تندرج ضمن مايمكن تسميته ب " مابعد كولنيالية داخلية " أن صحة التسمية ) لأنّ طبيعة الصراع تغيّرت من مواجهة الخارج إلى صراع داخل منظومة الذات الوطنية نفسها ، فبعد أن كانت السرديات الثورية أو القومية أو الدينية تمثل خطابات مضادة للهيمنة السياسية السابقة، تحوّلت عند وصولها إلى الحكم إلى سرديات كبرى جديدة تحتكر المعنى والرمز والتأويل، وتفرض رؤيتها للهوية والتاريخ والمستقبل، مستعملة الأدوات ذاتها التي كانت تقاومها من قبل ، وهذا التحوّل لا يمتّ بصلة إلى مفهوم "ما بعد الكولونيالية" الذي يفترض علاقة استمرارية بين المستعمِر والمستعمَر، بل يعبّر عن ديناميكيات الهيمنة المحلية التي تمارسها السلطة بوصفها مركزًا جديدًا ينتج خطابه المهيمن وفق منطق السيطرة الداخلية ، فكل سلطة، مهما كان منشؤها، تسعى إلى إعادة كتابة الذاكرة الجماعية بما يخدم مشروعها الأيديولوجي، محوّلة السرديات الهامشية السابقة إلى خطاب رسمي أحادي الصوت، يختزل التعدد في رؤية واحدة ويعيد إنتاج منطق الإقصاء نفسه، ولكن تحت شعارات مغايرة ، من هنا فإنّ توصيف هذا التحوّل لا يندرج ضمن “ما بعد الكولونيالية”، بل ضمن ما يمكن تسميته بـ «مابعد التغيير أي المرحلة التي تتحول فيها الخطابات التحررية إلى أدوات للهيمنة الرمزية والسياسية ، والرواية العراقية المعاصرة، إذ تتأمل هذا التحوّل، تكشف كيف تتناسل السرديات الكبرى داخل البنية الوطنية، وكيف تتوارى تحتها الأصوات الفردية والهامشية التي كانت في الأصل منطلق الحلم بالتغيير. إنها لا تواجه “الآخر المستعمِر”، بل تواجه الذات التي استنسخت نموذج القهر داخليًا، وبذلك تضع الرواية العراقية القارئ أمام مفارقة مريرة: أن المقاومة حين تنتصر قد تتحول إلى سلطة، وأنّ الخطاب التحرري حين يعلو قد يستنسخ أدوات التسلط التي كان يقاومها.
إن اشارة عدد من النقاد إلى هذا الخلط، معتبرين أن توصيف الأنظمة الشمولية العربية بأنها "ما بعد كولونيالية داخلية" هو انزياح مفهومي أكثر منه توصيف علمي دقيق. فـ"الداخل" في التجربة ما بعد الكولونيالية لا يعني السلطة الوطنية المستبدة، بل يشير إلى بقايا الخطاب الاستعماري في الثقافة واللغة والتمثيل ، أما الديكتاتورية، فهي نتاج صراع داخلي على السلطة لا يقوم على ثنائية مستعمِر/مستعمَر، بل على ثنائية حاكم/محكوم. وبالتالي، فإنّ الحديث عن "ما بعد كولونيالية داخلية" في الحالة العراقية يفقد دقته المنهجية، لأنه يختزل الاستبداد السياسي في خطاب ثقافي لا يمت له بأسباب النشأة والوظيفة .
إنّ المأزق الحقيقي الذي تواجهه الرواية العراقية المعاصرة هو كيف تعبّر عن ما بعد الاستبداد لا عن ما بعد الاستعمار، أي كيف تصوغ خطابًا نقديًا جديدًا يُفكك العنف الرمزي والسياسي الداخلي من دون أن تستعير أدوات نظرية صيغت أصلاً لتحليل علاقة المستعمَر بالمستعمِر. فالرواية العراقية لا تتعامل مع "المركز الإمبريالي" بوصفه عدوًا راهنًا، بل مع ذاتها الجريحة التي فقدت معنى الجماعة، ومع الذاكرة الجمعية المنقسمة التي باتت عاجزة عن إنتاج سردية وطنية موحدة ، لذلك نجد أن الروائي العراقي اليوم يكتب عن تفكك المعنى وضياع الهوية وتهشيم المكان، لا بوصفها نتائج مباشرة للاستعمار، بل كنتائج لتجارب العنف الداخلي والحروب الأهلية والانكسارات السياسية.
ومن هنا تبرز ضرورة إعادة قراءة الرواية العراقية ضمن مفهوم نقدي بديل، قد نسمّيه — تجاوزًا — بـ"ما بعد الاستبداد"، وهو حقل لم يتبلور بعد في الدرس النقدي العربي، لكنه يعبر عن حاجة واقعية لتأطير الأدب الذي يتناول نتائج الأنظمة السلطوية وتداعياتها النفسية والاجتماعية والثقافية ، إنّ هذا المفهوم يمكن أن يشكل امتدادًا تحليليًا جديدًا يُحرر الرواية من أسر القراءة ما بعد الكولونيالية، ويفتح أمامها أفقًا أوسع لفهم تحولات السلطة داخل المجتمعات الوطنية المستقلة.
وبناءً على ذلك، فإنّ الرواية العراقية المعاصرة — وهي تواجه خرائب الحروب وصدمات الاحتلالات المتعاقبة — لا تكتب من موقع "الهوية المقهورة من الخارج"، بل من موقع الذات الممزقة من الداخل ، وهي بذلك تؤسس لخطاب مغاير للخطاب ما بعد الكولونيالي، خطاب يسائل مفاهيم الوطن والسلطة والذاكرة بلغة محلية تُعيد الاعتبار للتجربة العراقية الخاصة ، إنها رواية تنتمي إلى ما بعد القمع، لا ما بعد الاستعمار، وإلى ما بعد الهزيمة، لا ما بعد الكولونيالية، لأنها تحفر في تربة الذات الوطنية لا في أثر المستعمر الأوروبي .
إنّ مأزق "ما بعد الكولونيالية" في قراءة الرواية العراقية المعاصرة يكمن في الخلط بين شكل القمع ومصدره، وبين وسيلة السلطة ومشروعها، إذ ليست كل سلطة قمعية استمرارًا للكولونيالية، كما أن ليس كل صراع داخلي يُعبّر عن علاقة مركز/هامش. إنّ الأدق في توصيف التجربة العراقية هو اعتبارها ساحة ما بعد استبدادية، تحاول الرواية فيها ترميم الوعي الجمعي وإعادة إنتاج سردية وطنية مفتوحة على التعدد والاختلاف .
وهكذا، يمكن القول إنّ الرواية العراقية المعاصرة تجاوزت مرحلة مقاومة الآخر الاستعماري إلى مرحلة مواجهة الذات الوطنية المأزومة، وبذلك خرجت من أفق "ما بعد الكولونيالية" الضيق إلى فضاء نقدي أرحب يعبّر عن التحولات الداخلية في بنية المجتمع والدولة والوعي ، فهي رواية تُجابه سلطة الداخل لا هيمنة الخارج، وتستعيد صوت الإنسان العراقي بوصفه كائناً مهدوراً يبحث عن معنى جديد للانتماء بعد أن تحولت الأيديولوجيا إلى أداة للقمع لا للتحرر ، لذلك وتأسيساً على ماذهبنا إليه فإنه لاعلاقة للرواية العراقية المنتجة بعد 2003 بالخطاب المابعد كولنيالي خارجيا ام داخلياً ، لأنها وببساطة تتمثل حالة الاصطراع والعنف المذهبي والديني الداخلي وتنتقده باتجاه تفعيل احترام التعددية السائدة في بنية المجتمع العراقي .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى