رشا الفوال تجعل من الوجع عرضًا مضحكًا
أحمد رجب شلتوت
تُقدم الدكتورة رشا الفوال في ديوانها "عرض مضحك"، رحلة شعرية عميقة باللهجة العامية، تتراوح بين لوحات الحزن الوجودي، وهزات الشوق الإنساني، وتأملات الذات في مرايا الزمن. يمثل العنوان مُفارقة ساخرة تُخفي تحت السطح عالماً من المشاعر المتضاربة والأسئلة الوجودية التي قد تغير من مفهوم "الضحك" نفسه، وتجعله تطبيقا لمقولة المتنبي " ضحك كالبكاء"، فالضحك هنا وسيلة لتفريغ الألم، والعرض ليس مشهدًا خارجيًا بل خشبة مسرح تقيمها داخل الروح.
تقول في قصيدة "مش معضلة":
"الضحك مش دايمًا دليل إنك تمام / والحضن مش رمز التماهي ف الغرام"
هكذا يتحوّل الضحك إلى قناع، إنه ضحك مرّ، يسخر من الخسارة ليحوّلها إلى قصيدة
والشاعرة تمارس ما يمكن تسميته بـشعر المفارقة الوجودية، حيث تختلط الكوميديا بالمأساة، والوجع بالوعي، لتولد من التناقض متعة الاكتشاف.
والشاعرة لا تستخدم العامية كمجرّد وسيلة تواصل يومي، بل كأداة قادرة على التعبير عن أدق خلجات النفس، وفي قصائد مثل "الحكاية فيها لذة" و"ما بين الزهد والرغبة"، تصبح العامية جسراً بين الخاص والعام، بين المحلي والكوني. وفي مجمل قصائدها تُدخل الشاعرة، العامية إلى أفقٍ جديد، باعتبارها لغة للوعي، حيث تتكلم الذات الأنثوية بضمير العالم وليس بضميرها وحده. واللافت في شعر رشا الفوال تحرّره من النمط الغنائي التقليدي الذي ارتبط بالعامية، فهي تستخدمها بوعي مجازي يحمل لغة الحياة اليومية بطاقة فكرية وشعورية، فتتحول اللغة البسيطة إلى مجاز عن الإنسان في مواجهة القدر. نقرأ مثلًا في قصيدة "الحكاية فيها لذة":
"القمر ماله الليلادي/ رغم إنه ماجاش ساحرنا/ والقدر جاررنا فامتداد الفعل صعب نشّوف نهايته/ من عبايته كل خيط ملضوم بخفة".
كذلك تحضر الذات الأنثوية بجرأة ووعي، ككائن يراقب ذاته والعالم، في قصيدة "بلا أتباع" تقول: "أنا اللى كنت ساعتها منعاك من الوداع/ شايفاك نبي بلا أتباع/ قلبك صبي / ما انتبهتش غير لروحك ساجدة شوق".
كذلك يظهر الحنين كشخصية رئيسية في النص، ليس فقط حنيناً للغائب، بل حنيناً للذات الماضية، للبراءة الضائعة، وللحظات مرت ولن تعود. في قصيدة "من يوم ماداقه"، تصف الشاعرة التحول الوجودي الذي يحدث بعد تجربة فارقة: "مابقيتش حمل الرفرفة/ مابقيتش قادرة ع الشغف".
كذلك تتنقل القصائد بين حوارات مع الغائب، ومناجاة للذات، واستجواب للوجود. العلاقة العاطفية هنا ليست مجرد قصة حب، بل مساحة للاكتشاف الذاتي والمواجهة مع الهشاشة الإنسانية، هكذا تقدّم رشا الفوال في قصائد ديوانها "عرض مضحك" نموذجًا فريدًا للكتابة الأنثوية؛ فلم تقدم خطابا عاطفيا فحسب، بل قامت بتفكيك صورة المرأة في المخيلة الجمعية، وأعادت تركيبها، فهي تبحث عن صوتٍ يملك منطقه الخاص، يتحدث عن التجربة الأنثوية من داخلها، وليس من زاوية النظر إليها، وفي معظم القصائد، تظهر الأنثى بوصفها عاشقة، ومفكّرة، تتحرك بين الجسد والروح بلا حرج، وتحوّل التجربة الحسية إلى مساحة وعيٍ صوفي، كما في قصيدة «ضي الشوارع» حيث تقول: " وانت راجع من هناك/ هات معاك رعشة إيديه / هات عنيه / هات ملامحي م الحكاية / هات كلامك من البداية/ رجع الدنيا لصحابها".
الأنثى هنا تستدعي التجربة لتتأمل اكتمالها. إنها أنثى تستطيع تحويل هشاشتها إلى قوة جمالية؛ فهي تحب وتخاف وتضحك وتكتب، لكن بوعي من يرى العالم من خلال ثقب في جدار الروح، بهذا المعنى، فإن «عرض مضحك» هو شعر امرأة تعرف وتكشف وأيضا تتعافى.
كذلك تظهر ميزة أخرى في قصائد الديوان، وهي الترنيمة الإيقاعية التي تولد من التكرار، وليس من الوزن التقليدي، ففي أكثر من قصيدة يتحوّل التكرار إلى ما يشبه الإنشاد الصوفي، فيبدو الإيقاع وكأنه صادر عن القلب وليس الوزن. ولا تكتفي القصائد بالبوح بل تصنع مشهدًا، فكل نص هو حوار داخلي بين صوتين، المتكلم والمخاطَب، الذات والظل، يبدو القارئ وكأنه يشاهد عرضًا على خشبة مسرح، تتبدل فيه المواقع، وتذوب المسافة بين الشاعرة وشخصياتها، وهكذا يتحقق العنوان، فالشعر يصبح عرضًا، يقدم المأساة بالضحك.
وعلى الرغم من الطابع الشخصي للقصائد، إلا أن الوعي الجمعي يتسلل في الخلفية، فالذات الشاعرة ليست منعزلة بل محاطة بعالم مأزوم، فيه الحب والخسارة انعكاس لزمن متصدع، في قصيدة "من تاني نبدأ عد" تقول:
"وهانعمل إيه دلوقت/ ف العالم المأزوم؟ والعلة لما تلوم/العافية والجبروت/ تاخدك بعلو الصوت؟".
إنها أسئلة وجودية تُطرح بلسانٍ يوميّ، فيمزج النص بين صدق التجربة وقلق العصر.
أما الخوف في الديوان فليس رعبًا من الآخر، بل إدراكٌ للهشاشة الإنسانية، إنه شعور يتسلل عبر الإيقاع كهمسٍ داخلي، والحزن، فهو المعادل الجمالي لهذا الخوف، الوجه الآخر من الفهم، وهو ليس ضعفًا، بل طريق إلى النقاء والشفاء تقول في قصيدة "يا ما قال الحزن شافي م المباهج لو رخيصة"، وفي قصيدة أخرى نقرأ:
"كل حزن وله طريق / والطريقة من رؤاها أرض خصبة للمخالب / الله غالب"
تنتمي رشا الفوال تنتمي بوعيها الإيقاعي إلى سلالة شعراء العامية الكبار، لكنها تسلك طريقها الخاص في القصيدة العامية باعتبارها قصيدة تفكير وتأمل، وهي في بناء قصيدتها تستعير من الصوفية الإيقاع، ومن الفلسفة العمق، ومن السينما المشهد، لتخلق نصًا متعدّد الطبقات ينهض على الوعي وليس على الإيقاع وحده، لتثبت أن العامية، حين تتحرر من الغنائية السهلة، يمكن أن تكون لغة للفكر والوعي، وموسيقى للحياة ذاتها.
[HEADING=3]Zamora Legacy[/HEADING]
أحمد رجب شلتوت
تُقدم الدكتورة رشا الفوال في ديوانها "عرض مضحك"، رحلة شعرية عميقة باللهجة العامية، تتراوح بين لوحات الحزن الوجودي، وهزات الشوق الإنساني، وتأملات الذات في مرايا الزمن. يمثل العنوان مُفارقة ساخرة تُخفي تحت السطح عالماً من المشاعر المتضاربة والأسئلة الوجودية التي قد تغير من مفهوم "الضحك" نفسه، وتجعله تطبيقا لمقولة المتنبي " ضحك كالبكاء"، فالضحك هنا وسيلة لتفريغ الألم، والعرض ليس مشهدًا خارجيًا بل خشبة مسرح تقيمها داخل الروح.
تقول في قصيدة "مش معضلة":
"الضحك مش دايمًا دليل إنك تمام / والحضن مش رمز التماهي ف الغرام"
هكذا يتحوّل الضحك إلى قناع، إنه ضحك مرّ، يسخر من الخسارة ليحوّلها إلى قصيدة
والشاعرة تمارس ما يمكن تسميته بـشعر المفارقة الوجودية، حيث تختلط الكوميديا بالمأساة، والوجع بالوعي، لتولد من التناقض متعة الاكتشاف.
والشاعرة لا تستخدم العامية كمجرّد وسيلة تواصل يومي، بل كأداة قادرة على التعبير عن أدق خلجات النفس، وفي قصائد مثل "الحكاية فيها لذة" و"ما بين الزهد والرغبة"، تصبح العامية جسراً بين الخاص والعام، بين المحلي والكوني. وفي مجمل قصائدها تُدخل الشاعرة، العامية إلى أفقٍ جديد، باعتبارها لغة للوعي، حيث تتكلم الذات الأنثوية بضمير العالم وليس بضميرها وحده. واللافت في شعر رشا الفوال تحرّره من النمط الغنائي التقليدي الذي ارتبط بالعامية، فهي تستخدمها بوعي مجازي يحمل لغة الحياة اليومية بطاقة فكرية وشعورية، فتتحول اللغة البسيطة إلى مجاز عن الإنسان في مواجهة القدر. نقرأ مثلًا في قصيدة "الحكاية فيها لذة":
"القمر ماله الليلادي/ رغم إنه ماجاش ساحرنا/ والقدر جاررنا فامتداد الفعل صعب نشّوف نهايته/ من عبايته كل خيط ملضوم بخفة".
كذلك تحضر الذات الأنثوية بجرأة ووعي، ككائن يراقب ذاته والعالم، في قصيدة "بلا أتباع" تقول: "أنا اللى كنت ساعتها منعاك من الوداع/ شايفاك نبي بلا أتباع/ قلبك صبي / ما انتبهتش غير لروحك ساجدة شوق".
كذلك يظهر الحنين كشخصية رئيسية في النص، ليس فقط حنيناً للغائب، بل حنيناً للذات الماضية، للبراءة الضائعة، وللحظات مرت ولن تعود. في قصيدة "من يوم ماداقه"، تصف الشاعرة التحول الوجودي الذي يحدث بعد تجربة فارقة: "مابقيتش حمل الرفرفة/ مابقيتش قادرة ع الشغف".
كذلك تتنقل القصائد بين حوارات مع الغائب، ومناجاة للذات، واستجواب للوجود. العلاقة العاطفية هنا ليست مجرد قصة حب، بل مساحة للاكتشاف الذاتي والمواجهة مع الهشاشة الإنسانية، هكذا تقدّم رشا الفوال في قصائد ديوانها "عرض مضحك" نموذجًا فريدًا للكتابة الأنثوية؛ فلم تقدم خطابا عاطفيا فحسب، بل قامت بتفكيك صورة المرأة في المخيلة الجمعية، وأعادت تركيبها، فهي تبحث عن صوتٍ يملك منطقه الخاص، يتحدث عن التجربة الأنثوية من داخلها، وليس من زاوية النظر إليها، وفي معظم القصائد، تظهر الأنثى بوصفها عاشقة، ومفكّرة، تتحرك بين الجسد والروح بلا حرج، وتحوّل التجربة الحسية إلى مساحة وعيٍ صوفي، كما في قصيدة «ضي الشوارع» حيث تقول: " وانت راجع من هناك/ هات معاك رعشة إيديه / هات عنيه / هات ملامحي م الحكاية / هات كلامك من البداية/ رجع الدنيا لصحابها".
الأنثى هنا تستدعي التجربة لتتأمل اكتمالها. إنها أنثى تستطيع تحويل هشاشتها إلى قوة جمالية؛ فهي تحب وتخاف وتضحك وتكتب، لكن بوعي من يرى العالم من خلال ثقب في جدار الروح، بهذا المعنى، فإن «عرض مضحك» هو شعر امرأة تعرف وتكشف وأيضا تتعافى.
كذلك تظهر ميزة أخرى في قصائد الديوان، وهي الترنيمة الإيقاعية التي تولد من التكرار، وليس من الوزن التقليدي، ففي أكثر من قصيدة يتحوّل التكرار إلى ما يشبه الإنشاد الصوفي، فيبدو الإيقاع وكأنه صادر عن القلب وليس الوزن. ولا تكتفي القصائد بالبوح بل تصنع مشهدًا، فكل نص هو حوار داخلي بين صوتين، المتكلم والمخاطَب، الذات والظل، يبدو القارئ وكأنه يشاهد عرضًا على خشبة مسرح، تتبدل فيه المواقع، وتذوب المسافة بين الشاعرة وشخصياتها، وهكذا يتحقق العنوان، فالشعر يصبح عرضًا، يقدم المأساة بالضحك.
وعلى الرغم من الطابع الشخصي للقصائد، إلا أن الوعي الجمعي يتسلل في الخلفية، فالذات الشاعرة ليست منعزلة بل محاطة بعالم مأزوم، فيه الحب والخسارة انعكاس لزمن متصدع، في قصيدة "من تاني نبدأ عد" تقول:
"وهانعمل إيه دلوقت/ ف العالم المأزوم؟ والعلة لما تلوم/العافية والجبروت/ تاخدك بعلو الصوت؟".
إنها أسئلة وجودية تُطرح بلسانٍ يوميّ، فيمزج النص بين صدق التجربة وقلق العصر.
أما الخوف في الديوان فليس رعبًا من الآخر، بل إدراكٌ للهشاشة الإنسانية، إنه شعور يتسلل عبر الإيقاع كهمسٍ داخلي، والحزن، فهو المعادل الجمالي لهذا الخوف، الوجه الآخر من الفهم، وهو ليس ضعفًا، بل طريق إلى النقاء والشفاء تقول في قصيدة "يا ما قال الحزن شافي م المباهج لو رخيصة"، وفي قصيدة أخرى نقرأ:
"كل حزن وله طريق / والطريقة من رؤاها أرض خصبة للمخالب / الله غالب"
تنتمي رشا الفوال تنتمي بوعيها الإيقاعي إلى سلالة شعراء العامية الكبار، لكنها تسلك طريقها الخاص في القصيدة العامية باعتبارها قصيدة تفكير وتأمل، وهي في بناء قصيدتها تستعير من الصوفية الإيقاع، ومن الفلسفة العمق، ومن السينما المشهد، لتخلق نصًا متعدّد الطبقات ينهض على الوعي وليس على الإيقاع وحده، لتثبت أن العامية، حين تتحرر من الغنائية السهلة، يمكن أن تكون لغة للفكر والوعي، وموسيقى للحياة ذاتها.
[HEADING=3]Zamora Legacy[/HEADING]