خالد صالح عطية - من نزع السياسة عن التحرر إلى تقييد التمثيل المحلي 'تمكين والانتخابات البلدية كمرآة للبنية لا للأشخاص'

في اللحظة التي يُسحق فيها المجتمع الفلسطيني تحت استعمار استيطاني إحلالي، وتتعاظم فيها الشرعية الرمزية لفلسطين بعد الطوفان، تختار السلطة أن تتحرك في اتجاه مختلف تمامًا عن مسار إعادة التأسيس: لا نحو بناء حامل سياسي جامع، بل نحو إعادة هندسة الحقل الاجتماعي–السياسي بأدوات إدارية وقانونية تبدو تقنيّة في ظاهرها، لكنها تمسّ جوهر معنى التحرر والتمثيل. في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما جرى حول “تمكين” وملف الأسرى والشهداء، وما رافقه من تعديلات على قانون انتخابات الهيئات المحلية، بوصفه مجرد سوء تقدير أو جدل حول صلاحيات مؤسسة بعينها، بل بوصفه تعبيرًا مكثفًا عن بنية كاملة تُعيد إنتاج نفسها في لحظة يُفترض أن تكون لحظة تأسيس جديدة.

في حالة “تمكين”، جرى نقل واحد من أكثر الملفات رمزية في الوعي الوطني – ملف الأسرى والشهداء – من حقل السياسة والتحرر إلى حقل “الحماية الاجتماعية” والبرامج الموحّدة. القرار بقانون الذي نُقل بموجبه هذا الملف من الأطر السابقة إلى مؤسسة ذات طابع تنفيذي–تقني، قُدِّم تحت عناوين تنظيمية: توحيد أنظمة الحماية، العدالة في التوزيع، الشفافية، معايير الاستحقاق، إدارة المخاطر. لكن جوهر الحركة كان شيئًا آخر: إعادة توصيف الأسرى والشهداء من أصحاب قضية وطنية إلى “فئات مستفيدة” داخل نظام رفاه اجتماعي، تُقاس حقوقها بمعايير الحاجة والدخل والملف الإداري، لا بموقعها داخل المشروع التحرري ورواية الشعب عن نفسه.

هذا التحوّل لا يُقرأ فقط كاستجابة لضغوط مالية وسياسية خارجية تسعى منذ سنوات إلى نزع الطابع السياسي عن دعم الأسرى والشهداء، بل يُقرأ أيضًا كتعبير عن منطق داخلي راسخ في بنية السلطة: منطق يرى أن كل مشكلة سياسية يمكن تحويلها إلى مسألة “حوكمة”، وكل ملف وطني يمكن إدارته عبر إعادة الهيكلة والمؤسّسة واللوائح. هكذا يتحول الاستعمار الإحلالي إلى “بيئة عمل صعبة”، ويتحوّل الأسير إلى “حالة اجتماعية”، ويتحوّل القرار السياسي إلى “سياسة عامة” تُصاغ في نص قانوني بعيدًا عن أي حوار وطني حقيقي.

في المقابل، تأتي تعديلات قانون انتخابات الهيئات المحلية لتقدّم الصورة المعاكسة شكليًا والمكمّلة فعليًا: هنا لا يجري نزع السياسة، بل إعادة حقنها في مجال كان يفترض أن يبقى مجالًا للمواطنة والخدمة العامة. فالانتخابات البلدية والقروية، التي هي بطبيعتها انتخابات خدماتية–محلية تتعلق بالمياه والكهرباء والطرق والنظافة، جرى تقييدها بشرط سياسي–برنامجـي صريح: على كل قائمة بلدية وكل مرشح فردي في القرى أن يوقّع على التزام ببرنامج سياسي محدد وبما يُسمّى “الالتزامات الدولية” و“قرارات الشرعية الدولية”، كي يُسمح له أصلًا بخوض الانتخابات.

ظاهريًا، يُقدَّم هذا الشرط بوصفه دفاعًا عن “الشرعية الوطنية” وبرنامج منظمة التحرير، أو بوصفه تحصينًا للخط السياسي الرسمي من الاختراق. لكن عمليًا، ما يحدث هو العكس تمامًا: يتم تحويل الحق الدستوري في الترشح والانتخاب، حتى على مستوى مجلس خدماتي، إلى وظيفة “ولاء سياسي”، ويُعاد تعريف المواطن لا بوصفه صاحب حق أصيل، بل بوصفه طرفًا يُفترض به أن يوقّع على برنامج مُسبق لينال حقه في خدمة قريته أو مدينته. هكذا تُختزل التعددية داخل المجتمع إلى تعددية مقبولة ما دامت تدور داخل سقف واحد، ويرتبط التمثيل المحلي بشبكة الالتزامات والاعترافات التي وُقّعت في سياقات لم يكن لهذا المواطن فيها أي صوت.

المشهد في الحالتين واحد وإن اختلفت الأدوات: في “تمكين”، يُنزع الطابع التحرري عن ملف تأسيسي، ويُعاد ضبْطه ضمن لغة الحماية الاجتماعية والامتثال لمتطلبات المانحين. في قانون الانتخابات المحلية، يُنزع الطابع الخدماتي–المواطني عن التمثيل المحلي، ويُعاد ضبْطه ضمن لغة البرنامج السياسي المقبول دوليًا. في الأولى، يتحول التحرر إلى إدارة رفاه اجتماعي؛ وفي الثانية، تتحول الإدارة المحلية إلى اختبار ولاء سياسي. وبين هذا وذاك، يغيب السؤال المؤسس: من يحدد وظيفة هذه البنى، ولمصلحة من تُهندس بهذا الشكل؟

ليس صدفة أن الآليتين معًا تمرّان عبر “قرارات بقانون” في ظل غياب مجلس تشريعي منتخب. فحين تُعطّل الأطر التمثيلية، يتحول النص القانوني إلى أداة لإعادة تشكيل الحقل السياسي من أعلى، دون نقاش مجتمعي حقيقي أو مشاركة للقوى المختلفة. في الحالة الأولى، يصدر قرار بقانون يعيد تعريف العلاقة بين الأسرى والشهداء وبين الدولة، من دون أي حوار وطني مع أصحاب الشأن أو مع منظمة التحرير بوصفها – نظريًا – إطارًا جامعًا. في الحالة الثانية، يصدر قرار بقانون يعيد تعريف العلاقة بين المواطن والانتخابات، من دون نقاش مع المجتمع المدني أو القوى السياسية حول معنى المواطنة والتمثيل في ظل استعمار إحلالي.

في خلفية كل هذا، يطلّ الاعتراف الدولي بوصفه عنصرًا حاسمًا في هندسة البنية. فالدعم المالي الخارجي، الذي يُفترض أن يكون أداة دعم لصمود المجتمع، يتحول إلى أداة اشتراط: يُطلب من السلطة أن تفصل بين “الدعم الاجتماعي” و“الشرعية السياسية للأسرى”، وأن تضبط الحقل الانتخابي بحيث لا يفرز تمثيلًا خارج السقف الذي تسمح به المنظومة الدولية. وهكذا يصبح الاعتراف مكافأة للإدارة الجيدة، لا اعترافًا بنضال شعب ضد استعمار. فيستجيب النموذج السياسي القائم بطبيعته الوظيفية لهذا المنطق: يُقدّم “تمكين” كحل إداري مقبول دوليًا، ويُقدّم شرط البرنامج السياسي في الانتخابات كضمانة “للامتثال” السياسي.

بالنسبة لسلطة ترى نفسها، ويراها الآخرون، كجهاز حكم ذاتي محدود داخل بنية استعمارية أوسع، يبدو هذا المسار “واقعيًا”: لا قدرة على كسر سقف الاعتراف، ولا استعداد لتحمل كلفة صدام سياسي مع المانحين، ولا خيال حاضر لإعادة تأسيس حامل سياسي جديد. فتتحول السياسة إلى إدارة خسارة مضبوطة، ويتحول الإصلاح إلى إعادة ترتيب الكراسي داخل القطار ذاته الذي يسير على السكة الخطأ، كما قيل من قبل في وصف نموذج الحكم الذاتي.

لكن من منظور مشروع تحرري حقيقي، ومن زاوية السؤال عن “الحامل السياسي” بعد الطوفان، فإن ما يحدث أخطر بكثير من مجرد سوء إدارة أو خطأ في التوقيت. نحن أمام عملية متكاملة لنزع السياسة عن التحرر، وإعادة تسييس الإدارة بما يخدم سقف الاعتراف الدولي. الأسرى والشهداء يُسحبون من مركز المعنى الوطني إلى هامش “الاستحقاق الاجتماعي”، والمواطن الذي يريد أن يخدم مدينته يُطلب منه أن يوقّع على برنامج سياسي لم يشارك في صياغته، مقابل أن يُسمح له بإصلاح شارع أو تحسين شبكة مياه. في الحالتين، يُقال للمجتمع إن السياسة حكر على من يمسك بمفاتيح الاعتراف والتمويل والنص القانوني.


بقلم : خالد صالح عطية
٣٠-١٢-٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى