محمد علاء الدين عبد المولى - نزار قبّاني يفـتحُ صباحَه الأخِير...

نيسانُ ينهضُ من كتابٍ جالسٍ فوق العبيرْ
عيناه قنديلان من زيت الشآم ينوِّرانْ
ويداه عشرُ قبائل اجتمعت
لتلفظ آخر الهجراتِ في هذا المكانْ
والقلبُ هذا الزّورقُ الطّافي
ضبابيّاً يعودُ
تصدَّعت أخشابهُ
أحماله: ريحٌ تعربدُ, وردةٌ ذبلت
كلامٌ صامتٌ ما بين أمواجٍ تحدِّق في نهايتها
ويحضنُ بعضُها بعضاً
وتهوي في العدمْ
نيسان تابوتٌ يوحِّد ما انقسمْ
......
......
بلغَ الصَّهيل حدوده النَّشوى
ولكنَّ الوطنْ
حجرٌ على مرمى الزمنْ
والخيلُ حافرُه يدقُّ بلاط منفاه
ومن حقِّ الخيولِ
بعد انتهاء الحربِ
أن تأوي إلى صمتٍ جليلِ
......
......
... وإلى الجحيم بليلِ هذي الأرضِ
يمكنكِ البكاءُ عليَّ سيدتي
ولكنْ إن رفعتُ يدي املئيها ياسميناً
أو بعثتُ إليكِ آخرَ قبلةٍ
ردِّي بأحسنَ من سلامي
يا فضَّةً قدِّيسةً
تبكي لتُبكي خلفها جسدَ الشآمِ
عتباتُ صوتكِ لم تزلْ في الروحِ
أمشي فوقها بحفيفِ أجنحةٍ ترفُّ مع الصباحِ
وأنحني للبِركة الزَّرقاءِ
ينفرُ ماؤها كأذان عصرٍ
تستحمُّ أصابعي فيها
لعلِّي أستردُّ الخاتمَ الياقوتَ منها
بعدَ أن أسقطتُه عمداً لأبقى أنحني
للبِركةِ الزرقاءِ, حيث أشمُّ أطياف العذارى
كنَّ قد غمَّسن أرجلهنَّ بيضاءً
تذوب نقاوةً في الماءِ
سيدتي أضيعي كلَّ فجرٍ خاتمي
حتى أجدِّد كلما ضيعتُه نفَسي وأبلغَ عالمي...
منذ التقينا تحتَ توتِ الشَّامِ
ذاكرتي بروقٌ لا تنامْ
ويدي تفيضُ على المدى مطراً
وترسم في الفضاء كواكباً
تنساب تحت ضيائها أرضٌ من الذَّهبِ
المذوَّب من نهودٍ ينسفحنَ معَ العبيرْ
منذ اشتعلنا في الطفولةِ كنت أَعثر بالحمامْ
أهوي بأحضان القرنفلِ
أو تشقُّ أصابعي نهراً صغيراً من يمامْ
يا شامُ يا كنزي البعيدَ
ترنَّحي حزناً
أعيدُ إليكِ أسراري ومفتاحَ البيوتِ
يا شام ها إني أموت فلا تموتي
الماء فاض الماءُ
إني غارقٌ حتى وريدٍ سُدَّ بالشمع الكتومِ
والروحُ تفقد ظلها وتعودُ للبيتِ القديمِ
وتغادرُ الأشجارُ غابتَها
وتشتعلُ الحرائقُ في هشيمي
وأنا مغنِّي الساحراتِ
ومُطعِم الأعراس من أشهى نعيمي
الآنَ يسقطُ برجيَ العالي
أمدُّ يدي فتخذلني ظلالي
الآن أكملُ نعوتي
وأحوكُ أكفاني بخيطٍ من نجومِ
وأنامُ قرب أبي لتحرسَ أمُّ توفيقٍ منامي
وتدافع الأمُّ العظيمةُ عن يديَّ
لأستطيع كتابةَ الأشعارِ ثانيةً
ويسكنَني سلامي
*
لبسَ الأميرُ ضبابَه
أملى وصيَّته ومالْ
فكأنَّه بحرٌ تناهى في جسدْ
أو مطلقٌ وصلتْ إليه الروح فاحترقت به
وتناثرت بين الظلالْ
فتحَ الأميرُ صباحَه
ومضى بعيداً في السؤالْ
لا تُرجعوه دعوه مكتظّاً بنا
يغلي بأسماء الترابْ
وصِفاتِ أشجارِ النَّخيلِ
وموتِ بلقيسٍ على سورِ المدينةِ
عندما وقفت تحيِّي شعبَها الأنقاضَ
ما ردَّتْ سوى الأنهارِ موحشةً
وبابلُ قد هوتْ بحدائق السحرِ الحلالْ
ذهبَ الأميرُ مع انتشار الضّوءِ
لن تجدوه بعد الآن
أدَّى عطره
ورمى علينا كونَه الباقي
وأبقانا على وعدِ الوصالْ
اليوم عُلِّـقَ فوق أخشاب الردى
من علَّقَ الدنيا على ماء الجمالْ
......
......
وصلَ الأميرُ إلى دمشقَ /
للشام أبوابُ الرَّمادِ
وقلعةٌ سوداءُ
والجبلُ الحزينُ
شوارعٌ أكلتْ أصابعَها
وجدرانٌ تدلَّى من أعاليها ذهولٌ
باسمِ أرضٍ علَّمت أشجارها العذراء ماءكَ,
باسمِ شعبٍ مفردٍ تحت القناديل اليتيمةِ
باسمِ مملكةٍ رفعتَ قبابها فينا
وأجريتَ الحريرَ مع الدموعِ
بكيتَ عند شواهد العشَّاقِ وحدكَ
باسمِ شِعرٍ ألَّفَ الأصنافَ والألطافَ
زوَّجَ من نهارٍ بنتَ فجرٍ
جمَّع الأصدافَ تحت الماءِ
أورقَ في الشفاهِ
وفوق نافذةٍ تنامُ مع الهواءْ
باسمِ القصيدة كنتَ تأخذها إلى الطرقات
تُسمعها كلام الريحِ
همْسَ الذاهبين إلى القرنفل
باسمِ كأسِ المعرفةْ
وغزالةِ الرَّقصِ الجموحِ على أغانٍ مترفةْ
باسم الأسامي يا أميرْ
ارفع قليلاً رأسك الملكيَّ
واقرأ في الجموعِ قصيدةَ الرَّمق الأخيرْ
واقرأ لنا:
/ طوبى لجمهور النَّدى
يلتفُّ حول حديقتي
طوبى لسكَّّانِ السماءِ يسارعون لكي ينالوا جنَّتي
طوبى لميعاد الأميرةِ جاءَ فارسُها على
نعشٍ يشعُّ قـصائدا
طوبى لهذا العرسِ تحْييه دمشقُ بقلبها المصدوعِ
تدعو كاهناتِ العطرِ يجْمعنَ الصّدى
من آخر الإيقاعِ
يُرجعنَ الصَّلاةَ إلى رحابِ الوجدِ في
عرفاتِ عشاقٍ يذيبون المدى /
...لكَ صدرُ هذا الأفقِ والعتباتُ
هاتوا ماء وردٍ
يا صبايا الزَّغرداتُ
فلا يحبُّ الموتَ هذا الشاعرُ المبعوث فينا
هلِّلنَ واعقدنَ الضَّفائرَ من قصائده
ومن موجات عينيهِ تعلَّمن الحنينا
مدُّوا له سجَّادةً نضَّاحةً بالعطرِ يخطر فوقها
ويقول فـينا الياسمينا
اجلسْ هنا اجلسْ هناك ونحن بعدكَ ...
من سواكْ
جمعَ الحدائقَ تحت إمرته
وسار بها إلى برِّ الحنانْ ؟
فاملأ مكانك واستقم
لتفيض بين يديك أنهارُ الزمانْ
ارفع جبينك عالياً
ما كان إلاَّ عالياً رأسُ الحصانْ
......
......
وصل الأميرُ فزينوا الساحاتِ
إنَّ الشَّامَ هذا اليومَ ثكلى
والشاعرُ الآتي بمخملِ موته مازال أحلى
وقفتْ قصائدُه على الجنبينِ
واتَّخذَ الجمالُ مكانه ليرى عميقاً كيف شاعرُه
تحوَّل فوق نعشِ الموت فلاَّ
صلُّوا عليه وسلِّموا
فلَكَمْ على أرواحنا الخضراء صلَّى...
وصلَ الأميرُ فزيّنوا قاماتكم بالياسمينْ
وقفوا على سورٍ من الكبَّاد والجوريِّ
لا تحنوا الرّؤوسَ لكي تروْه
فهو يصعد نحو قمَّـةِ قاسيون
فلتحرسوا خطواته بيضاءَ
وانتظروا على باب الخلودْ
الآن يُفتحُ فارجعوا ودعوه يدخل وحده
متلبِّساً صمتاً جليلا
يا أفقُ
يا شامُ الحزينةُ
يا بحارُ
تصبَّروا صبراً جميلا
هذا أبونا عائدٌ نحو البداية فاتركوه هنا قليلا
وارموا على جثمانه أطيافَ كلِّ العاشقاتِ
وبعثروا فوق الضَّريحِ شذى قرنفلةٍ
فإني لم أشاهد قبلَ هذا الموتِ قبراً مستحيلا
......
......
جاء الأميرْ / رحل الأميرْ
ورمى هنا أكفانه ليشدَّ فوق عرائه شعراً
يزنِّرُ خصره بالغوطتينْ
ويقول آخرَ قلبه:
/ قولوا أحبُّكَ كي يضيء القبرُ
وابتعدوا رويداً بعد أن تلقوا عليَّ
رذاذَ مسكٍ أو هديلَ حمامتينْ
وادعوا بلادَ الشامِ تسكبْ في جبيني شمسها
لتقيمَ حوريَّاتُ ليلي عرسها
في جنَّةٍ وسِعَتْ فضائي
ثم عودوا في الصباح
تَرَوْا على قبري الكواكبَ ساجداتٍ
والقصائدَ لابساتٍ أمسَها
تجدوا ترابَ القبر نوراً فوق نورْ
والأرضُ صاحيةٌ معي
تلدُ الأنوثةَ مرةً أخرى لأهتفَ من جديدْ
" قالت لي السَّمراءُ "
حتَّى آخرِ الأقمارِ في جسد النشيدْ
الآن أكملتُ القصيدةَ فافرحوا وتهلَّلوا
لا تتركوا إلا العطورَ على مداخلكم
فيوماً ما,أفاجئكم وسرّاً أدخلُ /
*
من كان يعبده فقد مات الأميرْ
ولنا به ذِكْرٌ
وأفئدةٌ تسبِّح أو تطيرْ
وتعود نحو النبع أبهى
من نجمة الرؤيا وأشهى
من عطرِ أنثى لا يُمّسُّ ولا تجادله الزهورْ
وهو المعلِّم واقفاً يتلو علينا
نبأ الحواسِ
وآيةَ الإشراقِ من جسدٍ يضمِّخُ راحتينا
لنشمَّ كوناً سرمديّاً في يدينا
ونكون أجمل من طفولتنا البعيدةِ
أو يقرِّبنا قليلاً من صدانا
نستعيدُ بما يلمُّ من الكواكبِ ذاتنا
فنحرِّض الوديانَ كي تمتدَّ أكثرَ
والسَّماءَ الأنثويَّةَ كي تنير بنا
وندفعُ بالظِّلالِ إلى ينابيعِ القمرْ
ليباشرَ الإنسانُ جوهره
ويخرجَ عن تضاريسِ الحجرْ
وهو المعلِّم
كلَّما قطعَ الطُّغاة طريقنا البحريَّ
علَّمنا العبورَ, وما عبرْ ...
فهو الوحيدُ المستزيد من الشُّعاعِ ونحن فوضى
لولا انبهارُ الروح بالشعرِ الذي يُعلي مدى
ويمدُّ أرضـا
وهو المدلَّلُ
كان يحملُ ذاتَه في جوف قنديلٍ
خرافيٍّ ويرحلُ,
حين يتعبُ من خطاه؛
يترك القنديلَ مشتعلاً ويغفو
وهو أبعدُ من مديح أو رثاءٍ
وهو أنبلْ
من أن تكون الأرضُ تحت خطاه مخملْ
من كان يعبده فقد ماتَ المدلَّلْ

9 – 5 – 1998


في ذكرى رحيله
قصيدة من ديوان (في حداثة الروح)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى