اليوم، واليوم تحديدًا، رحل فايز أبو رحمة. لم يعد الفقد احتمالًا نخاف وقوعه؛ وقع، واهتزّ معه شيءٌ في داخلنا لن يعود كما كان. البيوت هي البيوت، والأماكن هي الأماكن، لكن الهواء صار أثقل، والصمت تعلّم كيف يجلس بيننا بلا دعوة. رحل بهدوء المتعبين الذين أنهكهم المرض ولم يشتكوا، واكتفوا بأن يبتسموا كي يطمئنّ علينا. ترك لنا أكواب الشاي الناقصة والجملة المبتورة في آخر اتصال والوعد المؤجل بلقاء لم يحدث، وترك قلوبًا تقف اليوم على عتبة الذهول تسأل: هل حقًا رحل؟
لم نكن نعرف أن الدموع تستطيع أن تمشي وحدها وتغادر العيون دون إذن أو قرار حتى جاء هذا اليوم. نمشي ولا ننتبه للدمع المنحدر منّا كأن القلب يسكبه وحده بلا استشارة. يا صديق الطفولة والشباب وآخر العمر، يا أخًا لم تجمعنا به شجرة نسب بل شجرة روح، ظننا أننا سنكمل الطريق معًا فإذا بنا نكمل الطريق بذكراك. كنت تمشي في شوارع مخيم النيرب فتتّسع لك الأزقة الضيقة، الجدران تعرفك بالاسم والحارات تحفظ خطاك كما تحفظ الأم اسم ولدها، والأطفال يلحقون بضحكتك قبل أن يلحقوا بخطواتك، وحلب تشهد أنك مررت من حجارتها مثل صلاة صادقة.
لم تكن صورة على جدار ولا اسمًا في حديث عابر؛ كنت بيتًا مفتوحًا وكتفًا تُسند قبل أن تُطلب. كنت صديق الفقراء والحق، نذرت نفسك للناس ولله، طرقت كل باب، وواسيت كل قلب، قلت كلمة الحق ولم تصمت يومًا ودُفِع الثمن وابتسمت، كأن الشجاعة كانت طبعك لا خيارك. لعن الله الغربة؛ تجعلنا نودّع بقلوبنا لا بأيدينا، تجعلنا نشيّع الصور بدل الوجوه وتعلّمنا أن الموت قد يأتي فجأة فنكتشف أننا لم نقل ما يكفي من الحب وأن ما أجّلناه لن نبلغه. كيف رحلت ولم تكتمل الحكاية؟ كيف خرجت من النص وبقي كل شيء مكانه إلا صوتك؟ نبحث عنك في الزوايا، في الهاتف الذي لن يرنّ، في الضحكة العالقة على الكرسي الفارغ.
ومع ذلك نحن نعرف ما لا يغيّره الموت: هناك رجال لا يغيبهم التراب؛ يبقون حاضرين في الأزقة والذاكرة ونبرة الكلام، في ما نختار وما نرفض، في الشجاعة التي أورثونا إياها بلا وصية مكتوبة، وأنت واحد منهم يا فايز. كيف نعدّ مناقبك؟ كيف نحاصر ما لا يُحاصَر؟ ابتسامتك التي كانت تضمّد الجرح، ضحكتك التي تواسي الغربة فينا، نظرتك التي تقول “أنا معك” دون أن تنطق حرفًا. اليوم فقدناك جسدًا لكن الموت خسر أكثر؛ خسر رجلًا لا يشبه الموتى، سيظل يمشي معنا من الذاكرة إلى الحاضر دون أن نراه، سيظل قائمًا عند بوابات مخيم النيرب يسند الجدران المتعبة ويقول: أنا هنا.
نم مطمئنًا يا أبا أحمد؛ روحك المتعبة استراحت وقلوبنا لم تجد بعد مكانًا تضع فيه هذا الألم. لقد تركت لنا إرثًا ثقيلًا نحمله عنك لا عليك: الوفاء حين يهون الوفاء، الصدق حين يقلّ الصدق، والجرأة على مواجهة الباطل بلا تردد. سنحرس اسمك بدموعنا لا بحروفنا فقط، وسنعلّق ذكراك في صدورنا لا على الجدران، وسنقول لمن يأتي بعدنا: كان هنا رجل مرّ من هذه الحياة فصارت أصدق، وكان اسمه فايز أبو رحمة. إنا لله وإنا إليه راجعون
لم نكن نعرف أن الدموع تستطيع أن تمشي وحدها وتغادر العيون دون إذن أو قرار حتى جاء هذا اليوم. نمشي ولا ننتبه للدمع المنحدر منّا كأن القلب يسكبه وحده بلا استشارة. يا صديق الطفولة والشباب وآخر العمر، يا أخًا لم تجمعنا به شجرة نسب بل شجرة روح، ظننا أننا سنكمل الطريق معًا فإذا بنا نكمل الطريق بذكراك. كنت تمشي في شوارع مخيم النيرب فتتّسع لك الأزقة الضيقة، الجدران تعرفك بالاسم والحارات تحفظ خطاك كما تحفظ الأم اسم ولدها، والأطفال يلحقون بضحكتك قبل أن يلحقوا بخطواتك، وحلب تشهد أنك مررت من حجارتها مثل صلاة صادقة.
لم تكن صورة على جدار ولا اسمًا في حديث عابر؛ كنت بيتًا مفتوحًا وكتفًا تُسند قبل أن تُطلب. كنت صديق الفقراء والحق، نذرت نفسك للناس ولله، طرقت كل باب، وواسيت كل قلب، قلت كلمة الحق ولم تصمت يومًا ودُفِع الثمن وابتسمت، كأن الشجاعة كانت طبعك لا خيارك. لعن الله الغربة؛ تجعلنا نودّع بقلوبنا لا بأيدينا، تجعلنا نشيّع الصور بدل الوجوه وتعلّمنا أن الموت قد يأتي فجأة فنكتشف أننا لم نقل ما يكفي من الحب وأن ما أجّلناه لن نبلغه. كيف رحلت ولم تكتمل الحكاية؟ كيف خرجت من النص وبقي كل شيء مكانه إلا صوتك؟ نبحث عنك في الزوايا، في الهاتف الذي لن يرنّ، في الضحكة العالقة على الكرسي الفارغ.
ومع ذلك نحن نعرف ما لا يغيّره الموت: هناك رجال لا يغيبهم التراب؛ يبقون حاضرين في الأزقة والذاكرة ونبرة الكلام، في ما نختار وما نرفض، في الشجاعة التي أورثونا إياها بلا وصية مكتوبة، وأنت واحد منهم يا فايز. كيف نعدّ مناقبك؟ كيف نحاصر ما لا يُحاصَر؟ ابتسامتك التي كانت تضمّد الجرح، ضحكتك التي تواسي الغربة فينا، نظرتك التي تقول “أنا معك” دون أن تنطق حرفًا. اليوم فقدناك جسدًا لكن الموت خسر أكثر؛ خسر رجلًا لا يشبه الموتى، سيظل يمشي معنا من الذاكرة إلى الحاضر دون أن نراه، سيظل قائمًا عند بوابات مخيم النيرب يسند الجدران المتعبة ويقول: أنا هنا.
نم مطمئنًا يا أبا أحمد؛ روحك المتعبة استراحت وقلوبنا لم تجد بعد مكانًا تضع فيه هذا الألم. لقد تركت لنا إرثًا ثقيلًا نحمله عنك لا عليك: الوفاء حين يهون الوفاء، الصدق حين يقلّ الصدق، والجرأة على مواجهة الباطل بلا تردد. سنحرس اسمك بدموعنا لا بحروفنا فقط، وسنعلّق ذكراك في صدورنا لا على الجدران، وسنقول لمن يأتي بعدنا: كان هنا رجل مرّ من هذه الحياة فصارت أصدق، وكان اسمه فايز أبو رحمة. إنا لله وإنا إليه راجعون