غزة بين القلق الإنساني والتسويات السياسية: قراءة في البيان المشترك ودعم خطة ترامب
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في بيان مشترك لافت في توقيته ودلالاته، أعربت كل من مصر والأردن والسعودية وقطر والإمارات وتركيا وإندونيسيا وباكستان عن قلقها البالغ من التدهور الخطير للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، في ظل استمرار الحرب وتفاقم المعاناة بفعل الظروف الجوية القاسية، مؤكدة في الوقت ذاته دعمها الكامل لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واستعدادها للمساهمة في تنفيذها بما يضمن استدامة وقف إطلاق النار ووضع حد للحرب.
هذا البيان، وإن حمل لغة إنسانية تعكس حجم الكارثة في غزة، إلا أنه يطرح تساؤلات سياسية جوهرية حول طبيعة المقاربة الإقليمية الجديدة للقضية الفلسطينية، وحدود البراغماتية السياسية، وما إذا كان القلق الإنساني قد أصبح مدخلًا لتسويات لا تعالج جذور الصراع.
لا خلاف على أن غزة تعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ المعاصر، حيث الدمار الواسع، وانهيار القطاع الصحي، ونقص الغذاء والمياه، وتشريد مئات الآلاف في ظروف مناخية قاسية. غير أن الإشكالية لا تكمن في توصيف المأساة، بل في كيفية توظيفها سياسيًا. فالبيان، رغم لغته الإنسانية، خلا من تحميل إسرائيل مسؤولياتها القانونية كقوة احتلال، ولم يتضمن مطالبة صريحة بتطبيق القانون الدولي الإنساني أو ربط وقف الحرب بإنهاء الحصار والاحتلال.
الأكثر إثارة للجدل في البيان هو الإعلان الصريح عن دعم خطة ترامب. فهذه الخطة، في جوهرها، لا تنطلق من قرارات الشرعية الدولية ولا من مبدأ حق تقرير المصير، بل تقوم على فلسفة إدارة الصراع بدل حله، عبر تثبيت وقف إطلاق النار مقابل ترتيبات أمنية وإدارية، وإعادة إعمار مشروطة، دون ضمانات سياسية واضحة تتعلق بإنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
إن دعم عدد من الدول العربية والإسلامية لهذه الخطة يعكس تحوّلًا في الأولويات، من خطاب الحقوق والعدالة إلى خطاب الاستقرار واحتواء الأزمات. وهو تحوّل مفهوم من زاوية الحسابات الإقليمية، في ظل الخشية من اتساع رقعة الحرب وانعكاساتها على الأمن الإقليمي، لكنه يبقى خطيرًا إذا ما جاء على حساب جوهر القضية الفلسطينية، وحوّلها من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني–إغاثي يُدار وفق شروط القوى الكبرى.
كما يخلط البيان، بشكل غير مباشر، بين وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب. فوقف النار دون أفق سياسي واضح لا يمنع تكرار العدوان، ولا يرفع الحصار، ولا يضمن كرامة الفلسطينيين وأمنهم. التجارب السابقة تؤكد أن أي هدنة غير مرتبطة بمعالجة جذور الصراع تبقى مؤقتة وهشة، وقابلة للانفجار عند أول اختبار.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد وقف إطلاق نار، بل مسار سياسي واضح المعالم، يستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويضمن إنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، وحماية الحقوق الوطنية الفلسطينية. أما القفز فوق هذه الاستحقاقات تحت ضغط الكارثة الإنسانية، فيعني تأجيل الانفجار لا منعه، وترحيل الأزمة إلى جولة قادمة أكثر عنفًا.
غزة لا تحتاج فقط إلى مساعدات وإعادة إعمار، بل إلى عدالة سياسية تضع حدًا للحرب والاحتلال معًا. وأي خطة لا تنطلق من هذا الأساس، مهما حظيت بدعم إقليمي أو دولي، ستبقى تسوية مؤقتة على حساب الحقوق، لا حلًا عادلًا ومستدامًا للصراع.
بقلم: المحامي علي أبو حبلة
في بيان مشترك لافت في توقيته ودلالاته، أعربت كل من مصر والأردن والسعودية وقطر والإمارات وتركيا وإندونيسيا وباكستان عن قلقها البالغ من التدهور الخطير للأوضاع الإنسانية في قطاع غزة، في ظل استمرار الحرب وتفاقم المعاناة بفعل الظروف الجوية القاسية، مؤكدة في الوقت ذاته دعمها الكامل لخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، واستعدادها للمساهمة في تنفيذها بما يضمن استدامة وقف إطلاق النار ووضع حد للحرب.
هذا البيان، وإن حمل لغة إنسانية تعكس حجم الكارثة في غزة، إلا أنه يطرح تساؤلات سياسية جوهرية حول طبيعة المقاربة الإقليمية الجديدة للقضية الفلسطينية، وحدود البراغماتية السياسية، وما إذا كان القلق الإنساني قد أصبح مدخلًا لتسويات لا تعالج جذور الصراع.
لا خلاف على أن غزة تعيش واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في التاريخ المعاصر، حيث الدمار الواسع، وانهيار القطاع الصحي، ونقص الغذاء والمياه، وتشريد مئات الآلاف في ظروف مناخية قاسية. غير أن الإشكالية لا تكمن في توصيف المأساة، بل في كيفية توظيفها سياسيًا. فالبيان، رغم لغته الإنسانية، خلا من تحميل إسرائيل مسؤولياتها القانونية كقوة احتلال، ولم يتضمن مطالبة صريحة بتطبيق القانون الدولي الإنساني أو ربط وقف الحرب بإنهاء الحصار والاحتلال.
الأكثر إثارة للجدل في البيان هو الإعلان الصريح عن دعم خطة ترامب. فهذه الخطة، في جوهرها، لا تنطلق من قرارات الشرعية الدولية ولا من مبدأ حق تقرير المصير، بل تقوم على فلسفة إدارة الصراع بدل حله، عبر تثبيت وقف إطلاق النار مقابل ترتيبات أمنية وإدارية، وإعادة إعمار مشروطة، دون ضمانات سياسية واضحة تتعلق بإنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة.
إن دعم عدد من الدول العربية والإسلامية لهذه الخطة يعكس تحوّلًا في الأولويات، من خطاب الحقوق والعدالة إلى خطاب الاستقرار واحتواء الأزمات. وهو تحوّل مفهوم من زاوية الحسابات الإقليمية، في ظل الخشية من اتساع رقعة الحرب وانعكاساتها على الأمن الإقليمي، لكنه يبقى خطيرًا إذا ما جاء على حساب جوهر القضية الفلسطينية، وحوّلها من قضية تحرر وطني إلى ملف إنساني–إغاثي يُدار وفق شروط القوى الكبرى.
كما يخلط البيان، بشكل غير مباشر، بين وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب. فوقف النار دون أفق سياسي واضح لا يمنع تكرار العدوان، ولا يرفع الحصار، ولا يضمن كرامة الفلسطينيين وأمنهم. التجارب السابقة تؤكد أن أي هدنة غير مرتبطة بمعالجة جذور الصراع تبقى مؤقتة وهشة، وقابلة للانفجار عند أول اختبار.
إن المطلوب اليوم ليس مجرد وقف إطلاق نار، بل مسار سياسي واضح المعالم، يستند إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، ويضمن إنهاء الاحتلال، ورفع الحصار، وحماية الحقوق الوطنية الفلسطينية. أما القفز فوق هذه الاستحقاقات تحت ضغط الكارثة الإنسانية، فيعني تأجيل الانفجار لا منعه، وترحيل الأزمة إلى جولة قادمة أكثر عنفًا.
غزة لا تحتاج فقط إلى مساعدات وإعادة إعمار، بل إلى عدالة سياسية تضع حدًا للحرب والاحتلال معًا. وأي خطة لا تنطلق من هذا الأساس، مهما حظيت بدعم إقليمي أو دولي، ستبقى تسوية مؤقتة على حساب الحقوق، لا حلًا عادلًا ومستدامًا للصراع.