يشكّل المتوكل طه في سلسلته حول حركة فتح محاولة جادّة لإعادة فتح الجرح الذي جرى التعايش معه طويلًا، لا بقصد جلد الذات، بل بقصد ردّ الاعتبار للنقد بوصفه عملًا وطنيًا لا ترفًا فكريًا. وفي هذا السياق، لا تأتي هذه القراءة لتكرار ما قاله، بل لتشتبك معه وتوسّعه، وتضعه ضمن إطار تحليلي بنيويّ يرى حركة فتح لا كأشخاص، ولا كأخطاء معزولة، بل كبنية تاريخية تغيّرت وظيفتها حين تغيّر موقعها.
يبدأ المتوكل من المسألة الأخلاقية للكتابة حين تلامس السلطة. فالنص، عندما يصير ملحقًا بالسلطة، يفقد جوهره كفعل كشف ومساءلة، ويتحول إلى تبرير وتمويه. هذا المدخل ضروري لفهم التحول الذي أصاب فتح نفسها: الحركة التي وُلدت نصًا تحرريًا مفتوحًا على المستقبل، تحوّلت مع الزمن إلى خطاب يبرّر واقع السلطة الناقصة، بدل أن يفتح أفق التحرر الكامل. هنا بالذات تتبدّى فكرة محورية: فتح لم تنزلق فقط سياسيًا، بل تغيّر معنى الكلام داخلها، وتحوّل النقد إلى تهديد، والمساءلة إلى ترف.
انطلقت فتح بوصفها حركة تحرر وطني، مهمتها التاريخية تحرير الأرض والإنسان، لا إدارة منطقة حكم ناقصة السيادة. كانت الشرعية تُستمد من البندقية، ومن الفعل المقاوم، ومن الاستعداد لدفع الثمن. غير أن هذا المسار أصيب بتحول تاريخي حين انتقلت الحركة من موقع الثورة إلى موقع السلطة. يشير المتوكل إلى ثلاثة أخطاء استراتيجية كبرى: فقدان شرعية البندقية دون بديل، القبول بالتفاوض مع التخلي عن أدوات القوة، والتحول من مناهضة التطبيع إلى الاندراج في بنيته. إلا أنّ الأهم من تعداد الأخطاء هو إدراك طبيعتها: إنها ليست زلات عابرة بل نتائج منطق بنيوي جعل حركة تحرر تتحول تدريجيًا إلى حزب سلطة.
السلطة التي نشأت بعد أوسلو لم تكن دولة، بل جهاز حكم محدود الولاية يعمل تحت سقف الاحتلال. ومع ذلك، جرى التعامل معها كمنتهى سياسي، لا كمرحلة تكتيكية. وهكذا تحوّلت فتح، وهي القوة المؤسسة لتلك السلطة، إلى رافعة لبقائها واستمرارها، بدل أن تبقى سلطة مجردة أداة في يد مشروع التحرر. هنا يتقاطع طرح المتوكل مع القراءة البنيوية التي ترى أن المشكلة ليست فقط في الأداء، بل في طبيعة السلطة نفسها: فهي بنية وظيفية مصممة لإدارة الواقع الاستعماري لا لإنهائه، ومن يدخلها دون تحديد مهمته التاريخية سيتحول موضوعيًا إلى جزء من تثبيت الوضع القائم، حتى لو كان خطابه علنيًا مناقضًا لذلك.
بهذا المعنى، لم تُختطف فتح كشعار، بل اُختطفت عبر تكوين نخبة اجتماعية–اقتصادية جديدة ارتبطت مصالحها باستمرار السلطة. نشأت طبقة إدارية–أمنية ترى في بقاء البنية السياسية القائمة شرط بقائها هي، وتحوّل التنظيم من أداة تعبئة وطنية إلى شبكة رعاية وامتيازات. هنا يظهر التحول من “حركة الشعب” إلى “قبيلة سياسية” كما يصف المتوكل. القبيلة هنا ليست بنية تقليدية فقط، بل شكل حديث من العصبية التنظيمية، تحمي الأشخاص والامتيازات أكثر مما تحمي المشروع الوطني. هذا التحليل يجعلنا نتجاوز الخطاب البسيط عن “الفساد” إلى رؤية أعمق: الفساد ليس انحرافًا عن الوظيفة، بل تعبير عن وظيفة جديدة.
وتصبح الصورة أوضح حين ننظر إلى طبيعة النخبة المسيطرة اليوم. لسنا أمام قيادة سياسية فقط، بل أمام تَشكُّلٍ مركّبٍ من نخبة أمنية–بيروقراطية–مالية متداخلة، تقوم علاقتها ببعضها على تبادل المنافع لا على وضوح البرنامج الوطني. هذه النخبة تتغذى على الاعتماد المالي الخارجي، وتتشابك وظيفيًا مع منظومة السيطرة الاحتلالية عبر التنسيق الأمني وشروط المانحين وآليات الحكم المقيدة. لذلك يتحول التغيير داخلها إلى تهديد مباشر لبنيتها المادية والاجتماعية، فتقاومه لا بدافع “الموقف السياسي” فقط، بل بدافع البقاء ذاته. هنا يغدو الصراع داخل فتح ليس صراع رؤى، بل صراع وظائف وموارد ومواقع.
ترافق هذا مع تآكل دور المثقفين داخل الحركة. فبدل أن يُنتج العقل الفتحاوي خطابًا نقديًا مضادًا لتخريب الوعي الذي يمارسه الاحتلال، جرى ترويضه واستيعابه، وغاب التيار الفكري الذي كان قادرًا على حماية المفاهيم التأسيسية للتحرر. تمّ استبدال ثقافة الثورة بثقافة التسوية، واستُعيض عن وعي المواجهة بوعي التكيّف. هذا التحول الثقافي ليس تفصيلًا ثانويًا، بل قلب المعادلة: فمن دون وعي مقاوم تصبح كل المؤسسات الوطنية قابلة لإعادة التوظيف داخل مشروع السيطرة الاستعمارية، مهما رُفعت الشعارات المقابلة.
يضرب المتوكل مثالًا على ذلك بتحول السلطة من “عامل تأزيم” في زمن عرفات إلى “عامل تهدئة” بعده. ففي المرحلة الأولى، كانت السلطة رغم قيودها تحاول دفع حدود الممكن وتكسر القواعد أحيانًا، أما اليوم فقد أصبحت إطارًا للحفاظ على الاستقرار الذي يحتاجه الاحتلال. وهكذا تغيّر موقع الشعب نفسه: من صاحب مصلحة في التحرر إلى صاحب مصلحة في التعايش مع الواقع الثقيل. هذا بالضبط ما نعنيه حين نقول إن المجتمع جرى “تسييس احتياجاته” و”اقتصاد معيشته”، بحيث أُخرج تدريجيًا من معادلة المواجهة.
من هنا، لا يعود الانقسام الفلسطيني مجرد حادث تنظيمي بين غزة والضفة، بل آلية عمل. إنه ليس خللًا في السلوك بل وظيفة سياسية تضمن بقاء سلطتين ونخبين ومشروعين، وتمنع ظهور حامل وطني جامع. هذا الانقسام يفيد النخب الحاكمة في الطرفين أكثر مما يضرها، ويعيد تشكيل الخريطة الوطنية على أساس مناطق نفوذ لا على أساس وحدة الشعب. فتح، في هذا المشهد، ليست ضحية فقط، بل فاعل ومفعول به في آن واحد: فهي من جهة الحركة التاريخية الأوسع، ومن جهة أخرى أسيرة بنية سلطة أعادت تشكيلها على صورتها.
يركّز المتوكل على أن فتح فقدت شرعيتين معًا: الشرعية الثورية والشرعية الانتخابية. ومع ذلك، لا يسقط عنها دورها التاريخي المحتمل. فهي، رغم أزماتها العميقة، ما تزال الحركة الوحيدة القادرة على إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني إذا أعادت تعريف ذاتها ووظيفتها. لكنه يحذر من تحوّلها الكامل إلى نخبة سياسية–أمنية مندمجة في مشاريع إقليمية ودولية لإعادة ترتيب المنطقة. هذا التحذير يفتح على السؤال الأخطر: هل ما زالت فتح حركة تحرر وطني أم أصبحت حزب سلطة؟ وهل يمكن الجمع بينهما؟
الإجابة النقدية لا تميل إلى الطمأنة. الجمع بين الاثنين أثبت أنه يفضي، عمليًا، إلى تآكل مهمة التحرر لصالح وظيفة الحكم. فالمؤسسة التي تُبنى لإدارة الوضع القائم ستقاوم تلقائيًا أي خيار يهدد استقرارها، حتى لو كان هذا الخيار هو المقاومة نفسها. لذلك يدعو المتوكل إلى “ثورة داخل الثورة” وإلى إعادة إنتاج كتلة تاريخية جديدة داخل فتح، تستعيد مفهوم المقاومة بمعناه الواسع، لا كمجرد شكل عسكري، بل بوصفها مشروعًا وطنيًا شاملًا يعيد ترتيب العلاقة بين الشعب والتنظيم والمؤسسة.
وهنا تبرز مسألة أخرى ظلّت حاضرة بقوة وإن لم تُناقش تفصيلاً في كثير من الأدبيات: علاقة فتح بأزمة التمثيل الوطني في الشتات. ففتح التي كانت ذات يوم الإطار الأوسع الذي ضمّ فلسطينيي الداخل والشتات، وجسّدت منظمة التحرير بوصفها بيتًا سياسيًا جامعًا، وجدت نفسها اليوم حبيسة الجغرافيا التي تسيطر عليها السلطة. وبذلك جرى تقليص المجال الوطني إلى حدود ما بعد أوسلو، بينما بقي نصف الشعب الفلسطيني خارج المعادلة المؤسسية الفاعلة، لا سيما اللاجئون الذين يشكّلون جوهر القضية وذاكرة حق العودة. تعطّل حامل الشتات أدى إلى تعطّل أحد أهم مصادر الشرعية التاريخية والأخلاقية، وأصبحت منظمة التحرير إطارًا شكليًا فاقدًا للدينامية الانتخابية والتمثيلية. إن إعادة بناء المنظمة ليست ترفًا، بل شرطًا لإعادة وصل وحدة الشعب بوحدة التمثيل، ولا يمكن لفتح أن تستعيد دورها دون التحرر من معادلة “سلطة داخل حدود” والعودة إلى أفق “حركة شعب بلا حدود”.
في كل ذلك، لا يُعفي المتوكل الاحتلال من دوره المركزي في التخريب والاحتواء. لكنه يرفض تحويل الاحتلال إلى ذريعة لإلغاء المسؤولية الذاتية. فهناك دومًا هامش للفعل، وقد أهدرته النخب المهيمنة عبر التردد والتبرير وتضخيم الإنجازات الرمزية وإخفاء الإخفاقات البنيوية. لذلك يؤكد أن الاعتراف بالفشل ليس هزيمة، بل بداية العلاج. والإنكار، لا الهزيمة العسكرية، هو أخطر ما يصيب حركة تحرر.
أما مؤتمر فتح المرتقب، فلا يمكن اختزاله في سؤال الأسماء واللوائح. المسألة أعمق: هل سيعيد المؤتمر إنتاج المنظومة ذاتها بوجوه معدّلة، أم سيطرح أسئلة التأسيس من جديد؟ هل سيكون مساحة للتصفيق أم لحوار مؤلم؟ وهل سيجرؤ على الفصل الضروري بين فتح والحكومة، بين الحركة والسلطة، بحيث تتحول الثانية إلى جهاز خدمات لا حاملًا سياسيًا؟ إنّ أي محاولة إصلاح تنظيمي لا تُلامس هذه الأسئلة ستبقى تجميلًا لا تغييرًا. المطلوب ليس إسقاط السلطة بل نزع ادّعائها التمثيل السياسي العام، وإعادة تعريفها بوصفها أداة إدارية مؤقتة خاضعة لبرنامج تحرري، لا مركز النظام السياسي نفسه.
في المحصلة، ما يطرحه المتوكل طه ليس نواحًا على الماضي ولا دفاعًا عن حاضر مأزوم، بل نداء لإعادة تعريف المعنى نفسه: معنى التحرير، ومعنى السلطة، ومعنى حركة فتح. والقراءة البنيوية تقول إن فتح اليوم على مفترق حاد: إما أن تعود إلى تعريف ذاتها كحركة تحرر وطني تُعيد وصل علاقتها بجماهيرها وتضحياتها الأولى، وإما أن تستقر كحزب سلطة في نظام سياسي محدود ومقيّد، حتى لو احتفظت باسمها وتاريخها ورموزها.
الرهان، إذن، ليس على الصدفة ولا على الأشخاص، بل على قدرة الحركة على خوض معركة مع ذاتها قبل معركتها مع الآخر. فإذا امتلكت شجاعة الاعتراف، وحرّرت نفسها من الامتيازات والارتباطات التي كبّلتها، وأعادت ترتيب علاقتها بالسلطة وبمنظمة التحرير وبالشتات وبالشعب الذي أعطاها شرعيتها الأولى، فإن الجمر الكامن تحت الرماد قادر على الاشتعال من جديد. أما إذا استمر التعويل على الزمن وحده، فإن الزمن حينها لن يكون حليفًا، بل عامل تآكل بطيء لحركة كان قدرها أن تكون في قلب التاريخ، لا على هامشه.
بهذا المعنى، قراءة المتوكل ليست خاتمة نقاش، بل بدايته. إنها دعوة مفتوحة لتأسيس خطاب نقدي شجاع، يعيد السياسة الفلسطينية إلى سؤالها الأول: كيف نحرر؟ ومن يحق له أن يحمل هذا المشروع؟ وبأي بنية وأي شرعية؟ وهنا، تحديدًا، يتقرر مستقبل فتح: إما عود على بدء، أو استمرار في الدوران داخل الحلقة ذاتها.
بقلم : خالد صالح عطية
٠٣-٠١-٢٠٢٦
يشكّل
يبدأ المتوكل من المسألة الأخلاقية للكتابة حين تلامس السلطة. فالنص، عندما يصير ملحقًا بالسلطة، يفقد جوهره كفعل كشف ومساءلة، ويتحول إلى تبرير وتمويه. هذا المدخل ضروري لفهم التحول الذي أصاب فتح نفسها: الحركة التي وُلدت نصًا تحرريًا مفتوحًا على المستقبل، تحوّلت مع الزمن إلى خطاب يبرّر واقع السلطة الناقصة، بدل أن يفتح أفق التحرر الكامل. هنا بالذات تتبدّى فكرة محورية: فتح لم تنزلق فقط سياسيًا، بل تغيّر معنى الكلام داخلها، وتحوّل النقد إلى تهديد، والمساءلة إلى ترف.
انطلقت فتح بوصفها حركة تحرر وطني، مهمتها التاريخية تحرير الأرض والإنسان، لا إدارة منطقة حكم ناقصة السيادة. كانت الشرعية تُستمد من البندقية، ومن الفعل المقاوم، ومن الاستعداد لدفع الثمن. غير أن هذا المسار أصيب بتحول تاريخي حين انتقلت الحركة من موقع الثورة إلى موقع السلطة. يشير المتوكل إلى ثلاثة أخطاء استراتيجية كبرى: فقدان شرعية البندقية دون بديل، القبول بالتفاوض مع التخلي عن أدوات القوة، والتحول من مناهضة التطبيع إلى الاندراج في بنيته. إلا أنّ الأهم من تعداد الأخطاء هو إدراك طبيعتها: إنها ليست زلات عابرة بل نتائج منطق بنيوي جعل حركة تحرر تتحول تدريجيًا إلى حزب سلطة.
السلطة التي نشأت بعد أوسلو لم تكن دولة، بل جهاز حكم محدود الولاية يعمل تحت سقف الاحتلال. ومع ذلك، جرى التعامل معها كمنتهى سياسي، لا كمرحلة تكتيكية. وهكذا تحوّلت فتح، وهي القوة المؤسسة لتلك السلطة، إلى رافعة لبقائها واستمرارها، بدل أن تبقى سلطة مجردة أداة في يد مشروع التحرر. هنا يتقاطع طرح المتوكل مع القراءة البنيوية التي ترى أن المشكلة ليست فقط في الأداء، بل في طبيعة السلطة نفسها: فهي بنية وظيفية مصممة لإدارة الواقع الاستعماري لا لإنهائه، ومن يدخلها دون تحديد مهمته التاريخية سيتحول موضوعيًا إلى جزء من تثبيت الوضع القائم، حتى لو كان خطابه علنيًا مناقضًا لذلك.
بهذا المعنى، لم تُختطف فتح كشعار، بل اُختطفت عبر تكوين نخبة اجتماعية–اقتصادية جديدة ارتبطت مصالحها باستمرار السلطة. نشأت طبقة إدارية–أمنية ترى في بقاء البنية السياسية القائمة شرط بقائها هي، وتحوّل التنظيم من أداة تعبئة وطنية إلى شبكة رعاية وامتيازات. هنا يظهر التحول من “حركة الشعب” إلى “قبيلة سياسية” كما يصف المتوكل. القبيلة هنا ليست بنية تقليدية فقط، بل شكل حديث من العصبية التنظيمية، تحمي الأشخاص والامتيازات أكثر مما تحمي المشروع الوطني. هذا التحليل يجعلنا نتجاوز الخطاب البسيط عن “الفساد” إلى رؤية أعمق: الفساد ليس انحرافًا عن الوظيفة، بل تعبير عن وظيفة جديدة.
وتصبح الصورة أوضح حين ننظر إلى طبيعة النخبة المسيطرة اليوم. لسنا أمام قيادة سياسية فقط، بل أمام تَشكُّلٍ مركّبٍ من نخبة أمنية–بيروقراطية–مالية متداخلة، تقوم علاقتها ببعضها على تبادل المنافع لا على وضوح البرنامج الوطني. هذه النخبة تتغذى على الاعتماد المالي الخارجي، وتتشابك وظيفيًا مع منظومة السيطرة الاحتلالية عبر التنسيق الأمني وشروط المانحين وآليات الحكم المقيدة. لذلك يتحول التغيير داخلها إلى تهديد مباشر لبنيتها المادية والاجتماعية، فتقاومه لا بدافع “الموقف السياسي” فقط، بل بدافع البقاء ذاته. هنا يغدو الصراع داخل فتح ليس صراع رؤى، بل صراع وظائف وموارد ومواقع.
ترافق هذا مع تآكل دور المثقفين داخل الحركة. فبدل أن يُنتج العقل الفتحاوي خطابًا نقديًا مضادًا لتخريب الوعي الذي يمارسه الاحتلال، جرى ترويضه واستيعابه، وغاب التيار الفكري الذي كان قادرًا على حماية المفاهيم التأسيسية للتحرر. تمّ استبدال ثقافة الثورة بثقافة التسوية، واستُعيض عن وعي المواجهة بوعي التكيّف. هذا التحول الثقافي ليس تفصيلًا ثانويًا، بل قلب المعادلة: فمن دون وعي مقاوم تصبح كل المؤسسات الوطنية قابلة لإعادة التوظيف داخل مشروع السيطرة الاستعمارية، مهما رُفعت الشعارات المقابلة.
يضرب المتوكل مثالًا على ذلك بتحول السلطة من “عامل تأزيم” في زمن عرفات إلى “عامل تهدئة” بعده. ففي المرحلة الأولى، كانت السلطة رغم قيودها تحاول دفع حدود الممكن وتكسر القواعد أحيانًا، أما اليوم فقد أصبحت إطارًا للحفاظ على الاستقرار الذي يحتاجه الاحتلال. وهكذا تغيّر موقع الشعب نفسه: من صاحب مصلحة في التحرر إلى صاحب مصلحة في التعايش مع الواقع الثقيل. هذا بالضبط ما نعنيه حين نقول إن المجتمع جرى “تسييس احتياجاته” و”اقتصاد معيشته”، بحيث أُخرج تدريجيًا من معادلة المواجهة.
من هنا، لا يعود الانقسام الفلسطيني مجرد حادث تنظيمي بين غزة والضفة، بل آلية عمل. إنه ليس خللًا في السلوك بل وظيفة سياسية تضمن بقاء سلطتين ونخبين ومشروعين، وتمنع ظهور حامل وطني جامع. هذا الانقسام يفيد النخب الحاكمة في الطرفين أكثر مما يضرها، ويعيد تشكيل الخريطة الوطنية على أساس مناطق نفوذ لا على أساس وحدة الشعب. فتح، في هذا المشهد، ليست ضحية فقط، بل فاعل ومفعول به في آن واحد: فهي من جهة الحركة التاريخية الأوسع، ومن جهة أخرى أسيرة بنية سلطة أعادت تشكيلها على صورتها.
يركّز المتوكل على أن فتح فقدت شرعيتين معًا: الشرعية الثورية والشرعية الانتخابية. ومع ذلك، لا يسقط عنها دورها التاريخي المحتمل. فهي، رغم أزماتها العميقة، ما تزال الحركة الوحيدة القادرة على إعادة تشكيل النظام السياسي الفلسطيني إذا أعادت تعريف ذاتها ووظيفتها. لكنه يحذر من تحوّلها الكامل إلى نخبة سياسية–أمنية مندمجة في مشاريع إقليمية ودولية لإعادة ترتيب المنطقة. هذا التحذير يفتح على السؤال الأخطر: هل ما زالت فتح حركة تحرر وطني أم أصبحت حزب سلطة؟ وهل يمكن الجمع بينهما؟
الإجابة النقدية لا تميل إلى الطمأنة. الجمع بين الاثنين أثبت أنه يفضي، عمليًا، إلى تآكل مهمة التحرر لصالح وظيفة الحكم. فالمؤسسة التي تُبنى لإدارة الوضع القائم ستقاوم تلقائيًا أي خيار يهدد استقرارها، حتى لو كان هذا الخيار هو المقاومة نفسها. لذلك يدعو المتوكل إلى “ثورة داخل الثورة” وإلى إعادة إنتاج كتلة تاريخية جديدة داخل فتح، تستعيد مفهوم المقاومة بمعناه الواسع، لا كمجرد شكل عسكري، بل بوصفها مشروعًا وطنيًا شاملًا يعيد ترتيب العلاقة بين الشعب والتنظيم والمؤسسة.
وهنا تبرز مسألة أخرى ظلّت حاضرة بقوة وإن لم تُناقش تفصيلاً في كثير من الأدبيات: علاقة فتح بأزمة التمثيل الوطني في الشتات. ففتح التي كانت ذات يوم الإطار الأوسع الذي ضمّ فلسطينيي الداخل والشتات، وجسّدت منظمة التحرير بوصفها بيتًا سياسيًا جامعًا، وجدت نفسها اليوم حبيسة الجغرافيا التي تسيطر عليها السلطة. وبذلك جرى تقليص المجال الوطني إلى حدود ما بعد أوسلو، بينما بقي نصف الشعب الفلسطيني خارج المعادلة المؤسسية الفاعلة، لا سيما اللاجئون الذين يشكّلون جوهر القضية وذاكرة حق العودة. تعطّل حامل الشتات أدى إلى تعطّل أحد أهم مصادر الشرعية التاريخية والأخلاقية، وأصبحت منظمة التحرير إطارًا شكليًا فاقدًا للدينامية الانتخابية والتمثيلية. إن إعادة بناء المنظمة ليست ترفًا، بل شرطًا لإعادة وصل وحدة الشعب بوحدة التمثيل، ولا يمكن لفتح أن تستعيد دورها دون التحرر من معادلة “سلطة داخل حدود” والعودة إلى أفق “حركة شعب بلا حدود”.
في كل ذلك، لا يُعفي المتوكل الاحتلال من دوره المركزي في التخريب والاحتواء. لكنه يرفض تحويل الاحتلال إلى ذريعة لإلغاء المسؤولية الذاتية. فهناك دومًا هامش للفعل، وقد أهدرته النخب المهيمنة عبر التردد والتبرير وتضخيم الإنجازات الرمزية وإخفاء الإخفاقات البنيوية. لذلك يؤكد أن الاعتراف بالفشل ليس هزيمة، بل بداية العلاج. والإنكار، لا الهزيمة العسكرية، هو أخطر ما يصيب حركة تحرر.
أما مؤتمر فتح المرتقب، فلا يمكن اختزاله في سؤال الأسماء واللوائح. المسألة أعمق: هل سيعيد المؤتمر إنتاج المنظومة ذاتها بوجوه معدّلة، أم سيطرح أسئلة التأسيس من جديد؟ هل سيكون مساحة للتصفيق أم لحوار مؤلم؟ وهل سيجرؤ على الفصل الضروري بين فتح والحكومة، بين الحركة والسلطة، بحيث تتحول الثانية إلى جهاز خدمات لا حاملًا سياسيًا؟ إنّ أي محاولة إصلاح تنظيمي لا تُلامس هذه الأسئلة ستبقى تجميلًا لا تغييرًا. المطلوب ليس إسقاط السلطة بل نزع ادّعائها التمثيل السياسي العام، وإعادة تعريفها بوصفها أداة إدارية مؤقتة خاضعة لبرنامج تحرري، لا مركز النظام السياسي نفسه.
في المحصلة، ما يطرحه المتوكل طه ليس نواحًا على الماضي ولا دفاعًا عن حاضر مأزوم، بل نداء لإعادة تعريف المعنى نفسه: معنى التحرير، ومعنى السلطة، ومعنى حركة فتح. والقراءة البنيوية تقول إن فتح اليوم على مفترق حاد: إما أن تعود إلى تعريف ذاتها كحركة تحرر وطني تُعيد وصل علاقتها بجماهيرها وتضحياتها الأولى، وإما أن تستقر كحزب سلطة في نظام سياسي محدود ومقيّد، حتى لو احتفظت باسمها وتاريخها ورموزها.
الرهان، إذن، ليس على الصدفة ولا على الأشخاص، بل على قدرة الحركة على خوض معركة مع ذاتها قبل معركتها مع الآخر. فإذا امتلكت شجاعة الاعتراف، وحرّرت نفسها من الامتيازات والارتباطات التي كبّلتها، وأعادت ترتيب علاقتها بالسلطة وبمنظمة التحرير وبالشتات وبالشعب الذي أعطاها شرعيتها الأولى، فإن الجمر الكامن تحت الرماد قادر على الاشتعال من جديد. أما إذا استمر التعويل على الزمن وحده، فإن الزمن حينها لن يكون حليفًا، بل عامل تآكل بطيء لحركة كان قدرها أن تكون في قلب التاريخ، لا على هامشه.
بهذا المعنى، قراءة المتوكل ليست خاتمة نقاش، بل بدايته. إنها دعوة مفتوحة لتأسيس خطاب نقدي شجاع، يعيد السياسة الفلسطينية إلى سؤالها الأول: كيف نحرر؟ ومن يحق له أن يحمل هذا المشروع؟ وبأي بنية وأي شرعية؟ وهنا، تحديدًا، يتقرر مستقبل فتح: إما عود على بدء، أو استمرار في الدوران داخل الحلقة ذاتها.
بقلم : خالد صالح عطية
٠٣-٠١-٢٠٢٦
يشكّل