إبراهيم محمود - الحمار السفسطائي... "قصـ:ـرحية"

-1-
في اللحظة التي أطلق فيها الأسد على نفسه اسم " أفلاطون " معتدأ بصيته في محيطه، ما كان للحمار الذي ما أن سمِع بذلك، حتى سارع هو الآخر إلى أن يطلق على نفسه اسم جورجياس " السفسطائي " فرحاً ومنتعشاً، وهو يقدّر أنه يثير سخط الأسد بتصرفه واعتبر ذلك حقاً من حقوقه والذي لا يُساوَم عليه. وحين انتشر خبر الاثنين في المنطقة بكل وساعتها، ورأى كل من تخفق فيه روح، أن مواجهة لا تُعرَف خاتمتها ستتم بين الأسد " أفلاطون " الذي يُخشى منه كثيراً، والحمار " جورجياس " الذي يعرَف كثيراً بعناده، وقدرته على التحمل، وعدم التراجع عما يقدِم على فعله. كان لا بد من طرف ثالث ، عليه التدخل، أو للتحكيم بين الاثنين، أو الحرص على عدم توسيع دائرة النزاع بينهما، ولم يكن هناك من هو أجرأ من الضبع ، للتقدم، والاستعداد بما ينتظره، ولهذا أطلق على نفسه، بدوره اسماً، وهو " هيراقليطس، المعروف بصلابة موقفه وجرأته بالمقابل .

-2-
سمع الأسد صوت الحمار قادماً من بعيد. تهيأ له، بشوق، ليس حباً فيه، بل رغبة في النيل منه، وأعلم من حوله أنه سيريح الآخرين من خلطه الغث بالسمين، وهو ما يشكل خداعاً وبلبلة للعقول، بحسب رأيه.
وما أن اقترب الحمار وهو يمرجح ذيله، ويحرّك كلتا أذنية، حتى أسمعه الأسد صوتَه عالياً:
-هاقد أتيت يا جورجياس، لا بد أنك تدرك حقيقة خزعبلاتك ، ولعْبك بالحقيقة، وتضليلك لمن حولك ..
رفع الحمار صوته عالياً، تردد صداه في الجوار وهو يقترب منه:
-لم آت تلبية لدعوتك يا من تدعي أنك أفلاطون، ولا حباً فيك.. إنما جئت دفاعاً عن الحقيقة الأزلية، لأعلمك أنك تقول وتفعل ما تراه حقيقة، وتنسب إلي ما ليس صحيحاً، وأنا أقدم منك، وبالتالي أكثر أصالة..
قهقه الأسد وهو يقول بصيغة سؤال:
-ومنذ متى كان لك؟
رد عليه الحمار في الحال:
-أنت صوتك عبارة عن نفخة، وصوتي نهيق له صدى ودال علي.. وأعتز به، فكيف تسخر منه ؟
قاطعه الأسد:
-مهلاً.. مهلاً.. لا ترفع صوتك المزعج علي.. أنا الأسد، كما كان أفلاطون أفلاطون الاسم الشهير. بقدراتي الخاصة أصبحتُ ما أنا عليه، وأنا واضح وصريح، أما أنت، فلا تكف عن خلط الأمور ببعضها بعضاً..
بالطريقة نفسها، قاطعه الحمار:
-أصدَّقت أنك تستطيع أن تقول وتفعل ما تشاء باعتبارك المتحكم في كل شيء؟ أنت تبالغ في قوتك. لست أنت من طلبتَني، لأجيئك خوفاً وطواعية لك، بل أنا من جاء، لأظهر كيفية تلاعبك بالحقائق.
-ومنذ متى أصبحت ذا شأن؟
-مهلك يا الأسد مدعي أفلاطون غابتِك..العتب على الذين صدّقوك قوياً، ولأنك صدقت كل ما تقوله على أنه حقيقة. لماذا لا ترى أن الحقيقة هي في الذي يقوله الآخرون كذلك. لم تتغير أبداً، ترى نفسك حاكماً ومرجعاً للحقيقة، وفي الوقت نفسه، لم تترك فرصة إلا وحاولت الإساءة إلي، وأنا لست كذلك.
-أليس الوضع هكذا يا الحمار؟
-انتبه يا الأسد.. أنا لي اسم، مثلما لك اسم. أنت تثبت كما تريد، وأنا لا أرى كذلك.. أتتباهى بقوتك؟ كم مرة غُلبتَ على على أمرك برفسة قاضية مني، كما هي فكرتي القاضية، بأن العالم يُرى من زوايا عديدة؟ أكثر من ذلك، أنت لا قيمة لك، إلا بمن جعلوك هكذا. أليس هذا المدعو سقراط التيس هو الذي صيّرك اسماً، وأنت تنسب إليه أقاويل، وتتصرف كما تريد، لأنك ترى في ذلك ما يستجيب لرغباتك الغريزية. كما أنت الآن ؟؟
الأسد: لقد قلتُها وأقولها، أن ليس هناك ما يتجاوزني قوة ورأياً..

1.jpg

-3-
احتد النقاش بينهما. أدرك الحمار ما عليه القيام به، وهو يحاول تهدئة الآخر:
- انتظر، لتكون مدركاً لحقيقة غلوّك في موقفك، هناك من يمكنه الفصْل والوصْل، ولست أنت بالذات.
الأسد: لقد قلتَ أباطيل بحق قدوتي سقراط بجعْله تيساً. إنه يشرّفك ويشرّف كل سلالتك. أنت بذلك تجعلني أكثر تشدداً معك . ثم قل لي:من هو هذا الذي تبني عليه آمالاً؟
الحمار: إنه ذلك الذي لا تحب سماع اسمه واقترابه منك : هيراقليطس " الضبع "
ضحك الأسد، وضحك كثيرون في حلقته مأخوذين بسطوته، ثم قال:
-لم أضحك مثلما ضحكت اليوم. ومنذ متى كان هذا المأفون هيراقليطس الضبع يحكم ويفصل في النزاعات؟
ضحك الحمار على طريقته، بنهيق حاد هو الآخر، وقال لقلة كانوا بجواره:
-من لحظة غفلتك عن حقائق الأمور..و..
اقترب الضبع وهو يقاطع الحمار:
-مهلاً يا جورجياس الحمار..دعني أتكلم مع هذا الذي يتطفل على غيره..
ثم مواجهاً الأسد:
-نعم أنا يا أفلاطون زمانه وساعته ظلماً وعدواناً.. أنا هو الضبع هيراقليطس الذي تعرفه جيداً تماماً، بل تحسب لي ألف حساب، وتتنكر لوجودي، مثلما كان صاحبك أفلاطون وقبله التيس، كما سماه الحمار جورجياس الرشيد، في أننا نرى العالم على طريقتنا، وقد صدق في ذلك أكثر منك.. لا يحق لك أن تطوّب العالم كله، ومن حولك باسمك.. أنا أؤمن بالتغير وعلينا التكيف معه..
ابتسم الأسد تعبيراً عن غضب جعله حاداً في الرد:
-ومنذ متى ظهر هذا الحلْف بينك وبين حمارك جورجياس ؟ ثم أخبرني كيف تعتد برأيك إلى هذه الدرجة؟ أليس رأيي هو الساري مفعوله حتى الآن؟ اسأل النمر أفلوطين، والدلفين أوغسطينوس، وحتى الكركدن بركلي، وغيرهم كثر، كلهم يقفون في صفي ..
حرَّس الضبع هيراقليطس رأسه، وهو يقاطعه:
-أسفي الشديد عليك.. كان عليك أن تكون أكثر حكمة.. لكنك كصاحبك ومن تتبنى أفكاره، تتصرف مثله، تطرد من حلقتك من لا يأتمر بأمرك، ويطيعك، ويهبك نفسه وملؤه سعادة.. اعلم جيداً أن العلامة الفارقة والمشتركة بينك وبيني وهي أنا كلانا كائن لاحم، وهذا الحمار جورجياس نباتي.. هو عنيد، ولكن عناده يتناسب وخدماته المعتبرة لمن حوله، ولا يمكنني التقليل من شأنه، وشأن غيره كما هو غرورك..
رفع الأسد قائمته الأمامية، مهدداً:
-أنت تعرف هذه، وهذه " مشيراً بها إلى أنيابه ".. هوذا حكْمي، وبالطريقة هذه رسم أفلاطوني المهيب حدود عالمه، ورأيه في العالم. كيف تدافع عمن لا ينتمي إلى خانتك؟
قاطعه الضبع قائلاً:
-العالم بأشيائه يعلّمني، ليس كما ترى وتحكم..هناك من هم معي.. سل الذئب سبنسر، وكيف كان ينظر إلى العالم، سل الفهد نيتشه، سل وحيد القرن هيدغر، سل الوشق دريدا.. وكيف ينطلق من مقولة حمارية في تحمّل الصعاب والتعبير العتيد عن رأيه وفضحه للذين يعتّمون على الحقائق ..
تقدَّم منه الأسد وهو غاضب:
-لقد أهنت مَثلي الأعلى أفلاطون، وكل الذين يسلكون دربه.. لن أرحم في حكْمي عليك واعتبارك مطلوباً لعدالتي أينما كنت.. أما جورجياس حمارك.,فأنا أشفق عليه، وفي غلطته الكبرى بجعْلك قاضياً..
لم يتحرك الضبع هيراقليطس من مكانه، وحوله أفراد جماعته وغيرهم:
-ما قلته معهود فيك من غطرسة، وتماديك في التسلط على من حولك.. تعرفني جيداً أيها الأفلاطوني، كما تعرف من هو قدوتي جورجياس، وكراهيتك له لاعتماده على نفسه، وتلك مأثرة تحسده عليها في قرارة نفسك.
ثم مخاطباً من حوله:
-ارجعوا من حيث أتيتم.. ليمض كل منكم إلى شأنه.. لقد عرف كل منا ما عليه فعله، وكيف يحدد علاقاته مع هذا الأفلاطوني المتجبر..كونوا كما أنتم.. لا شيء يمنحكم قيمة واعتباراً مثل صراحتكم..

-4-
تفرْق الجمع من حول الضبع هيراقليطس، بينما بقي الأسد رابضاً في مكانه، وهو يتساءل في داخله مستغرباً: كيف يرددون ما يسيء إليهم، ويقللون الأدب في حضوري وأنا أفلاطون التليد، ومع من؟ مع هذا الدوغمائي الأحمق الحمار جورجياس؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى