أحمد بوعروة - الزجل في المغرب: من القصيدة التي كانت تُقلق… إلى النص الذي يطلب الإذن ملف أسود في الزجل المغربي – حين يختلط الصوت بالضجيج

تقديم: أسئلة لا تبحث عن تصفيق
من يكتب الزجل اليوم في المغرب؟
ومن الذي وزّع صكوك “الزجّالية” بلا امتحان، وبلا معايير؟
هل يكفي أن نكتب بالدارجة لنصبح شعراء؟
وأين اختفى النقد الذي كان يجرؤ على القول: هذا نص ضعيف؟
من يختار الزجّالين للمهرجانات؟ وبأي كفاءة؟
ومن يقرّر طبع الدواوين: النص أم العلاقات؟
ثم السؤال الأخطر: من يحمي الزجل من الرداءة حين ترتدي ثوب التجديد؟
هذا الملف لا يطلب إجماعًا، ولا يغازل أحدًا.
هو ملف يُكتب لأن الصمت صار خيانة للقصيدة.
أولًا: الزجل حين كان موقفًا لا زينة
الزجل المغربي لم يولد ليُؤثَّث به برنامج ثقافي.
ولد في الهامش، في السوق، في الحقول، في الزوايا التي تعرف معنى الجوع والفرح والخسارة.
كان لغة ضرورة، لا لغة ترف.
وكان القصيدة التي تُقال لأن الفصحى – أحيانًا – لا تفي بالغرض.
الزجّال الحقيقي لم يكن يبحث عن منصّة،
بل عن نبرة صادقة،
عن إيقاع يمشي مع الناس لا فوقهم،
وعن صورة تُفاجئ، لا تُرضي.
الزجل كان يُقلق.
اليوم، في كثير من الحالات، صار مطمئنًا أكثر مما ينبغي.
ثانيًا: من يكتب الزجل اليوم؟ سؤال مهني لا إقصائي
لا أحد يمنع أحدًا من الكتابة.
لكن السؤال ليس: من يكتب؟
بل: من يستحق أن يُقدَّم بوصفه زجّالًا؟
المشهد الحالي يُظهر ثلاث فئات واضحة:
1. زجّالون حقيقيون: اشتغلوا على اللغة، تمرّنوا على الوزن، وراكموا تجربة وصوتًا خاصًا.
2. محاولات صادقة: نصوص تبحث عن طريقها، تتعثّر لكنها تتعلّم.
3. أشباه زجّالين: نصوص مفككة، إيقاع مكسور يُسمّى حرية، وعجز لغوي يُقدَّم كجرأة.
المشكلة ليست في التعدد،
بل في غياب الغربال الذي يميّز بين التجربة والادّعاء.
ثالثًا: الدارجة ليست فوضى
الدارجة المغربية لغة دقيقة،
تملك موسيقاها، صورها، وانزياحاتها.
ليست كلامًا سائبًا، ولا دفتر شكاوى عاطفية.
حين تُستعمل الدارجة بلا معرفة،
يُختزل الزجل في كلام مرسل،
وتُقتل القصيدة باسم “القرب من الناس”.
القرب الحقيقي من الناس لا يعني الاستسهال،
بل يعني احترام ذكائهم.
رابعًا: أشباه الزجّالين… حين يصير الادعاء مشهدًا عامًا
أخطر ما أصاب الزجل المغربي
ليس الهجوم عليه من خارجه،
بل تسلّل الرداءة من داخله.
نصوص:
• بلا نفس شعري.
• بلا بناء.
• بلا تجربة حقيقية.
ومع ذلك تُقدَّم على المنصّات،
وتُصفَّق لها،
ويُكتب عنها: “نص مدهش”.
هنا لا نتحدّث عن اختلاف أذواق،
بل عن تطبيع الرداءة،
حين يصبح الضعيف مقبولًا،
والمجامل هو القاعدة.
خامسًا: غياب النقد المتخصص… الصمت الذي دمّر أكثر مما بنى
أين النقد الزجلي؟
أين القراءة التي تُمسك النص من عنقه وتسأله: ماذا تريد أن تقول؟ وكيف؟
اليوم:
• لا مجلات متخصصة.
• لا أعمدة نقدية جريئة.
• لا مساءلة حقيقية.
النقاد انسحبوا، أو أُقصوا، أو سئموا.
وتركوا الساحة لخطاب التهليل.
حين يغيب النقد،
تصبح المهرجانات محاكم بلا قضاة،
وتتحوّل الدواوين إلى منشورات بلا ذاكرة.
النقد ليس عدو الإبداع.
غيابه هو الكارثة.
سادسًا: لجان الاختيار… من يحكم باسم من؟
من يختار الزجّالين للمهرجانات؟
من يقرّر من يطبع ومن يُقصى؟
في كثير من الحالات:
• لجان غير متخصصة.
• غياب للمعايير المكتوبة.
• منطق العلاقات بدل منطق النص.
هكذا يُقصى زجّالون حقيقيون،
ويُقدَّم آخرون لأنهم “حاضرون” اجتماعيًا.
الزجل لا يُختار بالهاتف.
بل بالقراءة.
سابعًا: المهرجانات… احتفاء أم استهلاك؟
لا أحد يعادي المهرجانات.
لكن السؤال الجوهري:
هل نحتفي بالزجل أم نستهلكه؟
حين:
• يُقدَّم كل نص على أنه عظيم،
• يُختصر الزجل في الأداء والصراخ،
• يُقاس النجاح بعدد الصور والمنشورات،
نكون أمام فرجة ثقافية بلا عمق.
الزجل نص قبل أن يكون أداءً.
ومن دون نص… لا شيء يبقى.
ثامنًا: الديوان الزجلي… من وثيقة إبداع إلى غنيمة
طبع ديوان زجلي كان حدثًا ثقافيًا.
اليوم صار، في بعض الحالات، تحصيل حاصل.
لا قراءة نقدية مرافقة.
لا تقديم حقيقي للتجربة.
لا مساءلة للنص.
الديوان ليس شهادة مجاملة،
بل مسؤولية تاريخية:
إما أن يُضيف شيئًا…
أو لا داعي لوجوده.
تاسعًا: أين الإنسان في النص؟
كثرة الشعارات،
استنساخ الألم،
وغياب التجربة الحقيقية…
كلها جعلت كثيرًا من النصوص بلا لحم.
الزجل ليس “بوحًا سريعًا”.
إنه حياة مكتوبة.
وحين لا يحمل النص صاحبه،
لا يحمل أحدًا.
عاشرًا: من المسؤول؟ الجميع… بلا استثناء
• زجّال رضي بالسهل.
• ناشر طبع بلا قراءة.
• مهرجان اختار بلا معايير.
• ناقد صمت.
• مؤسسة اكتفت بالصورة.
الجميع ساهم، بدرجات متفاوتة،
في هذا المشهد المرتبك.
الحادي عشر: ماذا نريد؟
لا نطلب وصاية.
ولا شرطة شعرية.
نريد فقط:
• نقدًا حقيقيًا وجريئًا.
• لجانًا متخصصة معلَنة المعايير.
• حق القارئ في نص يحترم ذكاءه.
• وإعادة الاعتبار للتجربة لا للضجيج.
خاتمة مفتوحة: الزجل لا يموت… لكنه يُترك ينزف
الزجل المغربي لا يموت بسهولة.
لكنه اليوم ينزف في صمت.
والسؤال الذي يجب أن يُقال بلا خوف:
هل نريد زجلًا يُربكنا،
أم زجلًا يطلب منا التصفيق فقط؟
الملف مفتوح.
والقصيدة ما زالت هناك…
تنتظر من يعيد إليها الخطر،
لا من يزيّن جراحها بالتصفيق.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى