المحامي علي أبو حبلة - مجلس السلام في غزة: وصاية دولية مُقنّعة أم هندسة لسلام مُكبَّل؟

إعداد: المحامي علي أبو حبلة


تسارعت في الأسابيع الأخيرة النقاشات حول مستقبل غزة بعد الحرب، بعد تداول معلومات عن اختيار الدبلوماسي البلغاري نيكولاي ملادينوف لإدارة ما بات يُعرف إعلاميًا بـ«مجلس السلام في غزة»، وهو كيان يُفترض أن يتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية في القطاع، بما يشمل الإعمار والحكم المحلي والترتيبات الأمنية.

ومع أن المشروع ما يزال قيد البحث، إلا أن جوهره يعكس تحوّلًا مهمًّا في كيفية مقاربة واشنطن وإسرائيل لمرحلة ما بعد الحرب: إخراج غزة من الثنائية القديمة بين “حكم المقاومة” و“الحصار”، وتمرير نموذج جديد يقوم على الأمن قبل السياسة، والإعمار قبل السيادة.

خيار ملادينوف لم يكن عرضيًا. الرجل يتمتع بخبرة أممية واسعة في مناطق ما بعد النزاعات، من العراق إلى غزة، ويملك علاقة متوازنة نسبيًا مع الأطراف الإقليمية والدولية، فضلًا عن قبول أمريكي وإسرائيلي لأسلوبه العملي وغير التصادمي. كما أن عمله السابق مبعوثًا للأمم المتحدة جعله على تماس مباشر مع الفصائل الفلسطينية ومع القاهرة، ما يمنحه هامش حركة لا يتوافر بسهولة لمرشحين آخرين.

لكن خلف الشخصية تكمن الفكرة الأكثر حساسية: من يدير غزة؟ وكيف؟ ولأي غاية؟

فالحديث عن “مجلس سلام” لا يخفي حقيقة أن المشروع الأميركي–الإسرائيلي يقارب غزة باعتبارها ملفًا أمنيًا بالدرجة الأولى، يجب ضبطه عبر قوة دولية–عربية هجينة، وحكومة تكنوقراط انتقالية، ونزع سلاح الفصائل، وربما إدخال آليات رقابة مالية وسياسية مرتبطة بالإعمار.

هذا النوع من الهندسة ليس جديدًا على الدبلوماسية الأميركية؛ فقد جُرّب في البوسنة وكوسوفو وتيمور الشرقية بصيغ مختلفة تحت مسمى “الإدارة الدولية المؤقتة”. الفارق اليوم أن غزة ليست إقليمًا متنازعًا عليه وفق القانون الدولي، بل جزء من أرض محتلة تفصلها ترتيبات ما بعد أوسلو. وبالتالي فإن منح طرف خارجي سلطة إدارة القطاع من دون معالجة الاحتلال يُحوّل المسار من حل الصراع إلى إدارة الصراع.

في المقابل، لا يمكن فصل المجلس عن التوازنات الإقليمية. فمصر معنية بالاستقرار الأمني على حدودها، والسعودية تربط أي ترتيبات بغلاف أكبر يتعلق بالتسوية العربية–الإسرائيلية، والإمارات موجودة في مسارات الإعمار والمؤسسات، وقطر لاعب مالي وسياسي لا يمكن تجاوزه، وتركيا تتابع المسار من زاوية الملف الفلسطيني الأوسع. هذه الخارطة تجعل غزة ساحة اشتباك دبلوماسي إقليمي، وليست مجرد ملف إنساني.

أما فلسطينيًا، فإن الفراغ السياسي وغياب مرجعية تفاوضية موحدة يفتح الباب أمام مشروع “السلام المُكبّل”، وهو سلام وظيفته ضمان الأمن الإسرائيلي مقابل حزمة إعمار وتحسين خدمات، من دون فتح ملف السيادة والقدس واللاجئين والحدود.

وهذا النمط يُعيد إنتاج فلسفة “الاقتصاد مقابل الأمن” التي تسعى إسرائيل إلى تسويقها منذ سنوات، وتعتبرها وقودًا لاستقرار طويل المدى من دون الاضطرار للدخول في تسوية نهائية.

السؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس: هل سيتشكل المجلس؟ بل: في أي سياق سياسي سيتشكل؟

فالمجلس الذي يأتي في ظل انقسام فلسطيني، وتعطّل مؤسسات منظمة التحرير، واضطراب الشرعية الدستورية، سيكون أقرب إلى وصاية دولية ناعمة، أما المجلس الذي يتشكّل في إطار وحدة فلسطينية ورؤية تفاوضية موحدة فقد يتحول إلى فرصة لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أساس وطني جامع.

في خلاصة أولية، يمكن القول إن المشروع المطروح يقف عند مفترق طرق بين ثلاث فرضيات:

وصاية دولية مُقنّعة تُدير مرحلة انتقالية غير محسومة السقف الزمني.

هندسة لسلام مُكبّل يمنح إسرائيل الأمن ويترك للفلسطينيين إدارة مدنية محدودة.

فرصة سياسية مشروطة لإعادة بناء التمثيل الفلسطيني وتعزيز البعد الدولي للصراع.

الحسم بين هذه الفرضيات لن يكون بيد واشنطن وحدها، ولا بيد تل أبيب، بل بقدرة الفلسطينيين على بلورة رؤية سياسية موحدة تعيد الاعتبار للبعد الوطني في غزة، وتمنع تحويل القطاع إلى ملف إداري أمني تحت سقف دولي منخفض.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى