محمود حمدون - المدى المؤثر

قالت: لطالما طفتُ بالمقام كلما مررت به، قبل أن يتوارى عن ناظري، التفتُ إليه، أرميه بابتسامة تخرج من قلبي.

ثم لوّحت بإصبعها في وجهي، أكملت: لم يرني أحد أبدًا وأنا أفعل هذا، غير أنني أحسّ كل مرة كأن النجوم ترمقني من بعيد، تتغامز، لا تنسى أن تلمزني بأشعتها، ترسلها وتلسعني برودتها، أفيق لنفسي.

ثم…
أمسكت عن الكلام فترة، حسبتها غادرت إلى عالمها. سعلتُ، تنحنحتُ مخافة أن أقلقها، قلت: هل أنتِ لا زلتِ هناك؟

جاءني ردّها يحمل بين كلماته حنقًا أعرف بوادره، قالت: تجرجرني لجزيرتك، أخشى من البحر مدّه وجزره، لست أحب أن أنزع ستائر غرفتي كلها، أميل لبعض العتمة، الظلام سُترة.

– نادمة؟
– بل خائفة.

قلت: ذكرتِ لي من قبل أنكِ لا تهابين ولا تخافين شيئًا!
قالت: لكني الآن أصبحت أخاف.
– لمَ؟ ممن؟

قالت بضجر: لعلك لم تستمع جيدًا. زمّت شفتيها المكتنزتين، قاربت بين حاجبيها، فبدا كأنها تطلعهما على سرّ دون بقية الخلق…

تغابيت عن قراءة المشهد، عدت إليها وقلت: كلما رأيتك ألحظ أن بعض العتمة تصحبك، كحارس لا يفارق سجينه!

غير أنها تجاهلت حديثي، عبثت بقاع حقيبتها، أخرجت قلم أحمر شفاه، أشهرته في وجهي، بدا شديد الشبه بطلقة رصاص لبندقية كلاشينكوف.

لا أخفي أنني أجفلت، وزادت دقّات قلبي فوق طاقتها، إذ علمي أن المدى المؤثّر القاتل كبير، وأنا في مرمى نيرانها محبوس في ممرّ ضيّق بين عينيها وشفتيها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى