د. حسام عقل - صراع الهوية وحروب الفضاء الرقمي قراءة في رواية "عدالة الذئاب" (الجزء الثاني)

[HEADING=2][/HEADING]
(الجزء الثاني)




تتشكل رواية "عدالة الذئاب" للكاتب أحمد عبد الله إسماعيل كصرخة وجودية تنبثق من أعماق الوعي الجمعي العربي، حاملةً في طياتها أثقال التاريخ وآلام الجغرافيا. فهي ليست مجرد سردٍ لمسيرة لاعب كرة قدم استثنائي، بل هي رحلةٌ معقدة عبر دهاليز الهوية والانتماء، تُطرَح فيها أسئلة مصيرية عن الذات والآخر، الوطن والمنفى، الحلم والخيانة.
اللغة في الرواية
يتميز الأداء اللغوي ببلاغة شعرية مؤثرة، تتراوح بين وصف دقيق للمشاهد الحسية واستبطان عميق للعواطف المضطربة. تستحضر النصوص ذكريات تعبق برائحة التراب والملح والدموع، وتوظيف الانزياحات المجازية لربط المصائر الفردية بالمصير الجماعي، كما في مشهد الكرة البالية التي تتحول إلى رمز للطفولة المسلوبة والحلم الممزق.
قد يستمتع القارئ ببلاغة النص في حضرة المزاوجة بين الأصالة والحداثة؛ حيث يُحلق بنا الكاتب في فضاء لغوي متماسك العُرى، يستمدّ رُقيّه من "فحولة عصرية" تتكئ على تراث العربية دون جمود، وتستشرف أفق العصر دون ابتذال. فنهج المؤلّف يتموضع ببراعة في "فضاء الأعراف اللغوي"، حيث لا تنفصل جزالة اللفظ عن سلاسة الروح، ولا تتنازع أصالة المادة اللغوية ومرونة التعبير المعاصر. فالقارئ لا يُطالب هنا باستحضار معجم، بل يُدعى إلى استنطاق القلب؛ لأن الكلمة تتدفق حيّة تشعّ بالدلالة قبل أن تُفكّ رموزها.
وتتجسّد روعة هذا التوازن في ذروات السرد، حين يختار الكاتب تعبيرًا يُلامس الواقع بلغة مجازية عميقة، كما في قوله:
"لكنّ وعودها لم تكن سوى سترة رقيقة على أصوات الماضي التي لاحقته كهاربٍ تطارده دوريّة الشرطة".
فهنا تُصبح الستارة الرقيقة استعارة بالغة الدقة للوهن العاطفي، فيما تتحوّل "أصوات الماضي" إلى كيان حيّ مُلاحق، في صورة تجسّد الصراع بين الذاكرة والواقع بأسلوب يمتزج فيه التشخيص بالتشبيه البليغ.
وفي منعطفٍ آخر، ينحدر النصّ بسلاسة نحو "الروح الشعبية"، لا لينقل الحكمة العاميّة بحرفيّتها، بل ليهذّبها ويصوغها في قالب أدبي رفيع، يُعيد إنتاج نظرة "أولاد البلد" إلى الوجود عبر تشبيه مبتكر، يجعل من "البطيخة" رمزًا للحياة:
"تذكّر كيف علّمته أن الحياة تشبه البطيخة، حلوةً من بعيد، لكنّك إن فتحتها قد تجدها بلا طعم".
فتتحوّل الحكمة الشعبيّة إلى استعارة وجودية، تُجسّد مفارقة الظاهر والباطن، الوعد والخيبة، في صورة حسية تلامس القلب قبل العقل، وتضفي على النص نكهةً واقعية صادقة، من غير أن تخرجه من دائرة البلاغة المشرّفة.

1.jpg

البناء الفني للرواية
يعتمد على تعدد الأصوات والخطابات، وتمازج الأزمنة (الماضي الحالم مع الحاضر القاسي، والذكريات الشخصية مع التاريخ الجماعي)، مما يخلق نسيجًا سرديًا غنيًا يعكس تعقيد التجربة الإنسانية للبطل. الصراع هنا ليس خارجيًا فحسب، بل هو في الدرجة الأولى صراع داخلي: سمير بين انتمائه العربي وحياته الجديدة، بين حبه لأسرته وابنه المفقود وبين واجباته العامة كرمز.
تتجاوز الرواية السرد التقليدي لترسم لوحة إنسانية شاملة، تلامس قضايا العدالة والظلم، الحب والخيانة، الأبوة والاغتراب. وهي من خلال ذلك، تؤكد حضور العربي ككائن فاعل في المشهد الحضاري العالمي، لا ككيان هامشي أو ضحية دائمة. إنها تصوره حاملًا همومه، لكنه أيضًا قادر على الإبداع والعطاء والإسهام في النسيج الإنساني، حتى في أحلك الظروف.
البنية الروائية والختام: يوميات الحاضر وتوثيق المستقبل
يختار الكاتب بوعي فنيٍّ لافت "بنية أدب اليوميات" كقاربٍ يبحر عبره في عوالم روايته. هذه البنية لا تضفي على النص نفحة حميمية فحسب، بل تمنحه ثقلاً توثيقيًا وواقعيةً تاريخية، كأنّ القارئ يقلّب صفحات مخطوطة شخصية، أو يسترق السمع إلى همسات ضميرٍ حيّ. إنّها تقنية تذوّب الحدود بين الخيال والواقع، بين الفنّ والشهادة، لتجعل من الرواية وثيقةً وجوديةً تعكس زمنها بصدقٍ وجرأة.
ومن خلال هذه البنية المتشعّبة، ينجح النص في كشف الستار عن طبقات عميقة من الوعي الأوروبي، ممثّلةً في شخصية "ماكسويل". فهو ليس مجرد شخصية معادية، بل هو تجسيد لـ "الوجه القبيح للعنصرية الكامنة" – تلك العنصرية التي تتنكّر أحياناً برداء الحضارة، وتتوارى خلف بيروقراطية المؤسسات، ولكنّ جذورها ممتدة في الوجدان الجمعي، حاملةً شكلاً حديثاً من أشكال الاستعلاء والرهاب من "الآخر" العربي.
هكذا، تقف "عدالة الذئاب" كعمل أدبي جريء، يخاطب الضمير العالمي من دون انبطاح أو تنازل، حاملًا رسالة مفادها أن الإنسان – أينما كان – يظل حاملًا لكرامته وذاكرته وقدرته على الحلم، حتى في عصر الذئاب. وهي بذلك تقدم مساهمةً أدبيةً قيّمة في المكتبة العربية والعالمية، تستحق القراءة والدراسة والتأمل.
صراع الرموز
اسم قابيل:
يستدعي الكاتب بفطنةٍ نادرة وأدواته السردية "التناصّ الديني-الإنساني" عبر شخصية "قابيل"، الذي لا يكون مجرد اسمًا عابرًا، بل يصير تجسيداً رمزياً لروح الحقد الأزلي، المتأصل في النفس البشرية منذ الصراع الأول على وجود الأرض وبركتها. فقابيل هنا يمثل امتداداً أسطورياً يمزج الماضي بالحاضر، والخوف من التفوق بالغيرة المعلبة التي تتحول إلى مرارة تقتات على نجاح الآخر، ممثلاً في "سمير" الذي يرمز إلى "هابيل" العصر الحديث، حامل البراءة والقدرة والنجاح الذي يغذي نار الغيرة لا شعورياً.
ويبلغ النص ذروة جماله الفلسفي والأدبي في تصوير حالة العجز الروحي التي يعانيها "قابيل"، إذ يحوّل الدعاء الجماعي من فعل أمل إلى سحابة كابوسية:
"انتبه قابيل إلى الدعاء المتصاعد من حناجرهم، كأنه سحابة حنظلٍ مرَّةٍ تغطي المكان بطعم اليأس... حتى كلمة (آمين) تحجَّرت في حلقه كبلورةٍ ملعونة."
فاللغة هنا لا تصف مشهداً فحسب، بل تحفر في عمق المأساة النفسية: الدعاء الذي هو مصدر السكينة والاتصال بالغيبيات، يتحول إلى "سحابة حنظل" تنشر المرارة والاختناق، بل وتحوِّل الكلمة المقدسة "آمين" إلى جمرة خرساء، "كبلورة ملعونة"، ترمز إلى انسداد قنوات التواصل مع المقدس والجماعة والأمل. إنها بلاغة تحيل العاطفة الدينية إلى صورة مادية محسوسة، تعكس اغتراب الشخصية وانفصالها عن عالم الروح والقيم التي يؤمن بها المحيطون.
رمزية الرياضة والملعب:
من خلال شخصية "سمير"، اللاعب المصري الذي يصل إلى قمة المجد في الملاعب الإيطالية، تنسج الرواية حبكتها على نول المأساة الفردية والجماعية.
يتحول الملعب من فضاءٍ للرياضة والبهجة إلى ساحة معركة ومرآة عاكسة لصراعات أكبر: صراع الإنسان مع ذاكرته الجريحة، ومع وطنه المفقود، ومع انتمائه المزدوج في عالمٍ يرفض التعدد. إيطاليا هنا ليست مجرد خلفية جغرافية، بل فضاء رمزي يتقاطع عنده مصير الشرق بالغرب، وتُختبر فيه إنسانية الفرد في مواجهة تعقيدات السياسة والهوية.
رمزية الشال الفلسطيني :
يبرز الشال الفلسطيني في النص ليس كمجرد قطعة قماش، بل كشاهد صامت على تاريخ من المقاومة والوجع، وكحلقة وصل روحية تربط البطل بهموم وطنه العربي. بينما يتحول "نادي أهلي غزة" إلى أيقونةٍ تتجاوز الرياضة، لتمثل صمود مجتمع تحت الحصار، وأملًا يتحدى الركام.
رمزية اسم فاطمة:
يُعَدُّ اختيار البطل تسمية ابنته "فاطمة" إجراءً دالاً يتجاوز التسمية العابرة إلى مستوى التأسيس الهويّتي. فالاسم يصبح بذرةً للامتداد، وشاهداً على التمسّك بالنسب الثقافي والروحي العربي. إنّه استدعاءٌ واعٍ لطبقات من الدلالة: من الحضور الجاهليّ في شعر امرئ القيس: أَفاطِمَ مَهْلاً بَعْضَ هَذا التَّدَلُّلِ، إلى الرمزيّة العالميّة لدى باولو كويلو في "الخيميائي"، حيث تجسّد "فاطمة" الحكمةَ والحبَّ المتجذّر في الصحراء والروح الشرقية. فالاسم بذلك يصير جسراً بين التراث المحلّي والأفق الإنسانيّ الكونيّ.
تقنية التناص القرآني:
وعلى ذات المنوال الفنيّ الرفيع، يحسن الكاتب توظيف "الإشعاع النصّي المقدّس" في حوار شخصياته، ليخلقَ طبقاتٍ من التأويل تعمّق المأساة النفسية وتوسّع أفق القراءة. فعندما يهمس "قابيل" في جمرة غيظه:
"كيف يحصد كلّ هذا المجد بينما أنا خير منه؟"
تتجاوز العبارة سياقها المباشر لتنفتح على أفقٍ من الإيحاء العميق. فجملة "أنا خير منه" تستحضر فوراً ذلك الصدى الإبليسيّ التاريخيّ من سورة الأعراف:
﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾
وهكذا يحوّل الكاتب الاعتراضَ الشخصيّ إلى لحظة تناصيّة بالغة القوّة، تربط تعاسة "قابيل" وعقدة التفوق الوهميّة لديه بالخطيئة الأولى للكبر والحسد. إنّها براعة في استثمار الحمولة الثقافية والروحية للغة، حيث تُحمَّل الكلمةُ بتراكم دلاليّ يجعل القارئ يسبح في طبقات من المعنى: نفسيّة، اجتماعيّة، ودينيّة، لتظهر بذلك مأساة الشخصية كجزء من مأساة إنسانيّة أزلية.
جدليّة الأنوثة والهوية: أرواح على خطّ التماس
تُحيلُ الروايةُ الشخصيّتَين النسائيتين، "إيفا" و "هناء"، إلى كونين رمزيَّين متقابلَين، لا يمثّلان امرأتين فحسب، بل يمثّلان إرثَين ثقافيّين وروحيّين في حالة صراعٍ خفيّ. فـ "إيفا" تحمل عبء الذاكرة الأوروبية وتعقيدات الهجرة والاغتراب، بينما تجسّد "هناء" الدفءَ المتأصّل، الحنينَ إلى الجذور، وطهرَ الروح المتّصلة بالأرض الأم. إنّهما وجهان لجدليّة الوجود العربي بين الانتماء والانزياح.
الحرب الإعلامية: هدير الصمت وصوت الوعي
تتجلى عبقرية الرواية في خوضها غمار الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي من مدخل إنساني نادر، حيث لا تُطلَق رصاصةٌ ولا تُسمع دويّة. إنها تعيد تعريف ساحة الحرب، فتصبح المعركة تدور في فضاء "الصورة والإدراك والتواصل"، وهو فضاءٌ يبدو هادئاً ولكنه أكثر وأعمق دويّاً من رنين السلاح. فالحرب هنا هي حرب الهويات والذاكرة، تُخاض على شاشات الهواتف، وفي صدى العبارات، وفي خنادق الفضاء الرقمي حيث تُسَوَّق الرواية وتُحرَّف الحقائق.
ويأتي رمز "شلومو"، الابن الذي نُشِّئَ على أنقاض من الإيديولوجيا المسمومة والتضليل الإعلامي المنظّم، ليصبح ساحةً مركزية لهذا الصراع الهادئ العميق. فهو الشخصية المحورية التي تُختبر فيها قدرة خطاب الكراهية المُغَذّى بمنطق إعلامي أحادي (كمبدأ بعض المنابر الإعلامية الغربية التي تُفرِّغ الإرهاب من معناه السياسي لتربطه بهوية مُتخيَّلة) على مقاومة نداءات الحقائق الأعمق، وعلاقات الدم، والحنين الجيني الذي لا ينمحي.
وتُقدَّم شخصية "ديفيد ويليام"، الناشط الأمريكي، كاستعارة قوية لـ "استيقاظ الضمير العالمي" وإعادة تشكيله. فهي ليست مجرد شخصية داعمة، بل تجسيدٌ لتحول تاريخي طال انتظاره: تآكل السرديات الإعلامية المُطلَقة، وصعود صوت العدالة الإنسانية العابرة للهويات والقارات. يرمز "ويليام" إلى تلك الظاهرة المعاصرة المتعاظمة: تعاطف إنساني عالمي لا يُختَزَل في الشعارات، بل ينبثق من إدراك عميق للظلم ووحدة المصير البشري، وهو ما يتجلى بوضوح في الموجات المتلاحقة من التضامن العالمي مع الحقوق الفلسطينية.
هكذا، تنقلنا الرواية من مفهوم الحرب التقليدي الماديّ إلى الحرب السيمائية – حرب العلامات والدلالات والإدراكات – لتكشف كيف أن أخطر معارك العصر هي تلك التي تُخاض في عقول الناس وقلوبهم، قبل أن تُخاض على الأرض. إنها تحويل للصراع من صدام بين الأجساد إلى حوار (أو صراع) بين الوعي والجهل، بين الذاكرة والنسيان، بين الحقيقة المُغَيَّبة والرواية المهيمنة.
مفكرة الرحيل: الحكمة التي تتحدى الفناء
برغم انهيار الجسد تحت وطأة المرض، يظلُّ "سمير" حاضرا بفعل "المفكرة" وهي أداةٌ استثنائية تحوّلت من سجلّ يوميّ إلى وصيّة وجودية ووريثة للروح. إنّها تقنيةٌ روائيّة بليغة تُحافظ على حضور الغائب، وتجعل من الموت باباً للحكمة بدلاً من كونه نهاية للحكاية.
فالموت الجسدي هنا لا يعني انطفاء الصوت، بل تحوّله إلى صدىً يتسلَّل عبر الأوراق ليردِّد حكمةً تختزل التجربة كلَّها: "الحجارة لا تنسى من يسرقها". ليست هذه مجرد عبارة شاعرية، بل هي صرخةٌ استعارية بالغة الكثافة، تختزل ذاكرة الأرض المسلوبة، وألمَ الهوية المجروحة، وشهادة التاريخ الذي يرفض الإمحاء. إنها تنقل الصراع من دائرة السياسة العابرة إلى حقل الفلسفة الأخلاقية والذاكرة الجيولوجيّة التي لا تنخدع.
وفي قلب هذه الرحلة، يصوغ الكاتب لبّ العمل وجوهر رسالته في منشورٍ افتراضي يهزّ أركان صمت العالم:
"حين تتبنى المنابر العالمية وجهة نظر أحادية... يصبح صوت الحق نداءً ضائعًا في صحراء من الظلم، فتغدو العدالة سرابًا".
هذه العبارة تُجسّد إدانةً صارخة للعالم أحاديّ الرواية، الذي يختطف الحقيقة ويحوّلها إلى سلعةٍ إعلامية. إنها لحظةٌ مكثّفة تُلخّص مأساة الإنسان في عصر تضخّم المعلومات وندرة الحكمة، حيث تُغتال العدالة في وضح النهار تحت شعارات الحياد الزائف.
وفي مواجهة هذه الصحراء من الظلم، تتحقق النقلة الأكبر: "سليمان"، الابن الضائع بين اسمين وهويّتين، يستفيق. إنّ عملية استعادة الاسم من "شلومو" المصطنع إلى "سليمان" الأصيل ليست مجرد تغيير دلالي، بل هي عملية ولادةٍ ثانية. إنه يتحرّر من قيود الهوية المُفروضة بالتربية والتضليل، كما تتحرّر الأرض من وطء الغاصب. هو رفضٌ لأن تُضرب الجذور في "بيتٍ مغتصب"، سواء كان بيتاً من حجر أم هويةً من أوهام.
وهكذا، يتحوّل الولد الضائع إلى "شجرة كاملة"، تمدّ جذورها في تربة الذاكرة والحقيقة، وتتوق أعراقها إلى سماء الحرية والانتماء الأصيل. لقد فهم أن القوة لا تكمن في التشبث بالسراب، بل في الاغتراف من ينبوع الحكمة الذي خلَّفه الأب، والبناء على أنقاض الوهم، ليصنع من رحلة الفقد ذاتها أساسًا للوجود الكامل.
الرواية صرخة في وجه العتمة
تتجلّى "عدالة الذئاب" في ختامها، لا كمجرّد رواية تنتهي، بل كصرخةٍ أدبية مكتملة الأركان، وكمشروع روائي متّسق يضع أحمد عبد الله إسماعيل في قلب المساءلة الجريحة بين الشرق والغرب. إنّه عملٌ محكم البناء، عميق الرؤية، يواصل من خلاله الكاتب مشروعه النقدي في رصد صدام الحضارات، لا كصراع حدود، بل كمعركة وجود على جبهتي الذاكرة والهوية.
فهو يُسلّط الضوء، ببراعة الفنان ووعي المؤرّخ، على آليات الاستلاب والطمس والمحو المنظّم الذي تتعرض له الحقوق العربية والإسلامية – خاصّة في فلسطين – محوّلاً الأرض والإنسان والاسم إلى ساحة حرب استعمارية متجدّدة.
وبهذا، تكون "عدالة الذئاب" أكثر من عمل روائي بديع؛ إنّها وثيقة مقاومة بالكلمة. صرخةٌ جسورة تليق بمثقفٍ يحمل هموم أمته في قلبه وقلمه، وناشرٍ – بمعنى الكلمة الواسع – يدرك أنّ المعركة الحقيقية اليوم هي معركة الوعي، وأنّ الكلمة الصادقة هي السلاح الأقوى في زمن تحوّلت فيه الحقائق إلى سلع، والذاكرة إلى ساحة اغتيال. إنّها رواية تخلّد صوت من لا صوت لهم، وتجعل من الأدب حصنًا للهوية، وشاهدًا على العصر، وبذرة لأملٍ لا يموت.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى