يحيى بركات - حين تُدار الكارثة باسم الواقعية قراءة في منطق “إدارة الهزيمة” بين التفكيك والتحذير

في لحظات التحوّل الكبرى، لا يكون الخطر فيما يُقال صراحة، بل فيما يُقدَّم بهدوء بوصفه عقلانيًا، واقعيًا، وأقلّ الخسائر الممكنة. هنا تحديدًا تبدأ السياسة في الانزلاق من كونها فعل صراع على المعنى، إلى إدارة ذكية لما فُرض بالقوة، ومن محاولة تغيير المسار إلى تحسين شروط السير داخله.

في هذا السياق، يأتي مقال خالد عطية لا بوصفه ردًّا على حدث، بل ككشف لمنطق آخذ في الترسّخ: منطق يُعيد تعريف السياسة الفلسطينية باعتبارها فن التكيّف مع الهزيمة، لا مساءلة شروطها ولا تفكيك بنيتها. منطق يبدو متزنًا في لغته، لكنه يحمل في عمقه انزلاقًا خطيرًا: نقل مركز السؤال من البنية التي أنتجت المأزق، إلى الفصيل الذي وُضع في واجهته.
القراءة التي ينتقدها خالد لا تخلو من ذكاء لغوي ولا من حنكة ظاهرية. هي قراءة تعرف كيف تُظهر نفسها بوصفها “أقل الخيارات سوءًا”، وتعرف كيف تستدعي ميزان القوى ليكون الحكم النهائي على السياسة. لكنها، في جوهرها، تفعل شيئًا أخطر: تُحوّل الهزيمة من لحظة يجب فهمها ومقاومتها، إلى معيار يُعاد على أساسه تعريف الممكن والممنوع، العقلاني والمتهور، الواقعي والحالم.
حين تُقدَّم “اللجنة” بوصفها الفرصة الأخيرة، لا كخيار مؤقت بل كأفق، نكون قد انتقلنا من السياسة إلى إدارة ما بعد السياسة. هنا لا يجري تفكيك الشروط التي أنتجت هذا الكيان، ولا يُسأل عن مرجعيته، ولا عن تفويضه، ولا عن علاقته بالتمثيل الوطني الجامع، بل يُطلب من الفلسطيني أن يتكيّف مع وجوده، وأن يرى فيه “دهاءً” قادرًا على الالتفاف على الانقسام الذي وُلد منه أصلًا.
ما يفعله خالد في مقاله أنه يعيدنا إلى النقطة التي يُراد تجاوزها بسرعة:
ليست المشكلة في نقد فصيل بعينه، ولا في تحميله مسؤولية جولة خاسرة. الخسارات جزء من تاريخ أي حركة تحرر. المشكلة حين يُعاد بناء السردية كاملة على أساس أن الخطأ الوحيد هو “سوء تقدير”، وأن ما جرى ليس نتاج هندسة سياسية طويلة عملت على تفريغ الفلسطيني من كونه فاعلًا سياسيًا وتحويله إلى موضوع إدارة.
هنا يلتقي هذا النص، ولو من دون تسمية، مع تفكيك أعمق لما يجري خلف الستار: حين تصبح السياسة إدارة للحياة تحت شروط الاحتلال، وحين تُفصل القرارات التقنية عن الإرادة الوطنية، وحين يُعاد تعريف الواقعية باعتبارها القبول بما فُرض لا العمل على تغييره. الواقعية، في هذا المنطق، لا تُدير الصراع، بل تُغلقه، وتطلب من الناس أن يتكيّفوا مع نتائجه بوصفها قدرًا.
المفارقة التي يلتقطها خالد بوضوح أن القراءة التي يحاججها تعترف بخطورة فصل غزة عن الضفة، وتعترف بتكريس الانقسام، لكنها في الوقت نفسه تراهن على أداة وُلدت من هذا الفصل ذاته، وبشروطه، وبموافقة من صاغوا الانقسام أصلًا. هنا يصبح “الذكاء السياسي” اسمًا آخر لوهم السيطرة، لأن اللجنة التي لا تستند إلى مرجعية وطنية جامعة، ولا إلى منظمة تحرير مُستعادة، ولا تملك أدوات كلفة، لا يمكنها أن تكون مدخلًا لوحدة، بل إدارة أنيقة لانقسام مُعاد إنتاجه.
الأخطر في هذا المسار ليس اللجنة بحد ذاتها، بل اللغة التي تُرافقها. اللغة التي تقول، بوضوح أو تلميح: “كان يمكن تفادي كل هذا لو سلّمتم مبكرًا”. هذه الجملة، حتى حين لا تُقال حرفيًا، تعمل في الخلفية كمنطق مهيمن. هي لغة ما بعد الكسر، لا لغة الصراع. لغة تُعيد كتابة التاريخ من زاوية الهزيمة، وتطلب من الضحية أن تتحمّل مسؤولية ما صاغه ميزان قوى مختل، لا أن تسأل عن شرعية هذا الميزان ولا عن شروط تغييره.
حين تصبح السياسة تحسينًا لشروط الهزيمة، لا تعود سياسة، بل إدارة قيد. وحين يُختزل التاريخ في لحظة واحدة، وتُلغى الأسئلة الكبرى عن التمثيل والشرعية والمرجعية، يصبح كل حل “واقعي” حلًا مؤقتًا يُقدَّم بوصفه نهائيًا، وكل مسار “عقلاني” طريقًا مسدودًا يُطلب منا أن نزيّنه بدل أن نكسره.
لهذا يعود خالد، في ختام نصه، إلى السؤال الذي يُراد القفز عنه دائمًا، لأنه السؤال المُربك لكل إدارة:
من يملك حق تمثيل الفلسطينيين؟
وعلى أي أساس؟
وتحت أي مرجعية وطنية جامعة؟
هذا السؤال لا يُعطّل الحلول، بل يفضح الحلول التي تُبنى خارجه. ومن دونه، تتحول كل اللجان، وكل الصيغ، وكل “الواقعية السياسية”، إلى إدارة أنيقة للانقسام، لا خروجًا منه، وإلى تنظيم للهزيمة لا مواجهة لها.
في هذا الاشتباك الهادئ بين التفكيك والتحذير، يتكشّف جوهر المعركة اليوم: ليست فقط مع الاحتلال، بل مع المنطق الذي يريد تحويل السياسة إلى إدارة كارثة، والوعي إلى قبول، والهزيمة إلى أفق نهائي.
وهنا تحديدًا، لا يعود السؤال: ما الحل الأسرع؟
بل: ما الذي لا يجوز أن نصبحه ونحن نبحث عن حل؟
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي



رابط مقال خالد عطية

https://www.facebook.com/share/p/1AXesF7PfG/

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى