يحيى بركات - لجنة ترامب لإدارة غزة… ومن يحاول إقناعنا بأنها وطنية حين يكذب الخطاب الإعلامي الفلسطيني

المشكلة اليوم ليست في وجود لجنة،
ولا في أسماء أشخاص،
ولا في إدارة يوميّات شعبٍ منكوب.
المشكلة في الكذبة السياسية التي يُراد تمريرها بهدوء،
وبلغة ناعمة،
وبمصطلحات مطمئنة،
تُخاطب التعب لا الوعي.
أن لجنة اختارها ترامب،
وأُعلنت من واشنطن،
وتعمل ضمن خطة أمريكية–أمنية–إقليمية،
يمكن أن تُقدَّم للشعب الفلسطيني
بوصفها لجنة وطنية.
هنا يبدأ الخداع.
لا في القرار، بل في اللغة.
لا في الإدارة، بل في توصيفها.
حين يُقال للقارئ إن نتنياهو
“ابتلع لسانه”،
وإن اللجنة “وُلدت رغماً عنه”،
وإنها تضعه في مواجهة مع ترامب،
فنحن لا نقرأ تحليلًا سياسيًا،
بل نشاهد سردية مصطنعة
تُبنى بعناية لإيهام الناس
أن ما يجري انتصار سياسي،
لا إعادة ترتيب للهيمنة.
أي قارئ يملك الحدّ الأدنى من الوعي
يعرف أن ترامب لا يرأس مجلسًا،
ولا يعلن خطة من عشرين بندًا،
ولا يختار لجنة لإدارة غزة،
ولا يحدّد مراحل،
ولا يوزّع أدوارًا إقليمية،
ولا يضع معايير “الأهلية”،
ثم يفعل كل ذلك
من خلف ظهر نتنياهو.
هذا ليس تحليلًا.
هذا استخفاف بالعقل.
نتنياهو ليس شريكًا مُفاجَأً،
ولا حليفًا مُحرَجًا،
ولا زعيمًا وُضع أمام أمر واقع.
هو جزء من الهندسة نفسها.
قد يناور على التوقيت،
قد يساوم على التفاصيل،
قد يرفع الصوت أو يخفضه،
لكنّه ليس خارج المشهد،
ولا ضحية له.
والأخطر من ذلك كله،
أن يُقال للشعب الفلسطيني
إن هذه اللجنة وطنية.
وطنيّة كيف؟
من انتخبها؟
من فوضها؟
من حاسبها؟
من منحها الشرعية؟
هل اجتمع الفلسطينيون؟
هل خرجت من منظمة التحرير؟
هل انبثقت عن إرادة جماعية؟
هل خضعت لنقاش عام؟
هل تمثل الشعب بوصفه صاحب سيادة؟
أم أنها لجنة اختارها الآخرون،
ثم طُلب منا أن نحبّها،
وأن نمنحها صكّ الوطنية
كي “تنجح”؟
الوطنية لا تُمنح ببيان صحفي.
ولا تُستعار من لغة سبعينيات.
ولا تُصنَع بتكرار كلمة “وطني”
فوق بنية وصاية.
وفي كل هذا الضجيج،
ثمة لقطة مفقودة
يتعمّد بعض الإعلام قطعها من الفيلم.
ليست لقطة أسماء،
ولا وجوه،
ولا نوايا.
لقطة البرنامج.
على أي سيناريو ستعمل هذه اللجنة؟
من كتب الحوار؟
من حدّد الإطار؟
من رسم النهاية؟
ومن يملك زرّ الإيقاف
إذا انحرف المشهد؟
اللجنة، مهما بدا شكلها أنيقًا،
لا تتحرّك في الفراغ.
هي تمشي داخل مسار مرسوم،
داخل زمن محدَّد،
تحت سقف لا نراه
لكننا نشعر بثقله فوق الرؤوس.
فهل هذا السقف فلسطيني؟
هل هناك برنامج وطني
خرج من مؤسسة تمثيلية؟
من قرار سيادي؟
من نقاش جماعي؟
أم أننا أمام لجنة بلا حامل سياسي،
كجسد بلا عمود فقري،
تُدفَع من الخلف بقوة التمويل،
وتُقاد من الأعلى بلغة
“المرحلة” و”الضرورة” و”ما هو ممكن”؟
إن لم تكن اللجنة تستند إلى منظمة التحرير،
ولا تنبثق من برنامج تحرري،
ولا تخضع لمساءلة شعبية،
فالسؤال يصبح بديهيًا،
هادئًا،
لا يحتاج انفعالًا:
إلى من تتبع؟
هل تتبع سلطة
جُرّدت من السياسة
وأُبقي لها دور الإدارة فقط؟
أم تتبع مجلس السلام
الذي يرأسه ترامب،
ويضع بنوده،
ويحدّد إيقاعه،
ويمسك بالمفاتيح:
المال،
المعابر،
الأمن،
والزمن؟
إن كان هذا هو الجواب،
فنحن لا نكون أمام لجنة وطنية،
بل أمام ذراع تنفيذية
ضمن مشروع صيغ خارج الإرادة الفلسطينية،
ويُدار بأدوات أمريكية–صهيونية صريحة،
مهما جرى تجميل اللغة.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
ليس في نوايا الأشخاص،
بل في الفراغ الذي يعملون داخله.
فراغ يسمح للإدارة أن تتمدّد،
وللمؤقت أن يستقر،
وللوصاية أن تُقدَّم
بوصفها حلًا عمليًا.
اللجنة التي لا تستند إلى حامل سياسي تحرري،
ستستند—دون أن تشعر—
إلى من يموّلها،
ومن يحميها،
ومن يحدّد لها
ما يُسمح وما يُمنع.
وحينها،
لا نكون قد أخطأنا في الإدارة،
بل أضعنا السياسة من المشهد،
واستبدلنا صراع التحرر
بفيلم طويل
عن “إدارة الحياة تحت الشروط”.
أنا هنا أكرر الأمر بوضوح،
حتى لا يُساء الفهم:
لست ضد اللجنة كأشخاص،
ولا ضد إدارة الحياة،
ولا ضد الإغاثة،
ولا ضد أن يأكل الناس
وأن يُفتح باب الدواء.
لكنني ضد:
خداع الشعب باللغة،
وتمرير الوصاية باسم الوطنية،
وتسويق لجنة ترامب
كإنجاز فلسطيني،
واحتقار وعي القارئ
وافتراض أنه لا يرى المشهد كاملًا.
القضية الفلسطينية
لا تُدار بالحيل البلاغية،
ولا تُنقَذ بتسمية الأشياء
بغير أسمائها.
إن كانت هناك لجنة،
فلتُقدَّم كما هي:
لجنة ضمن خطة أمريكية
لإدارة ما بعد الكارثة.
وإن كان هناك من يريد دعمها،
فليفعل ذلك بوضوح،
لا عبر تزوير المفاهيم.
أما الوطنية،
فليست صفة تُلصق،
بل علاقة عضوية
بين شعب وقرار وتمثيل.
وأي لجنة لا تمرّ من هذا الباب،
قد تُدير يومًا،
لكنها لا تملك الحق
في أن تُسمّى وطنية.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
19/1/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى