يحيى بركات - قبل أن يأتي الطوفان… كان هناك من يرى الماء يرتفع

قبل أن يأتي الطوفان… كان هناك من يرى الماء يرتفع
لم يأتِ الطوفان فجأة.
لم يكن قفزة في المجهول، ولا انحرافًا غير متوقع عن مسار كان يسير بثبات.
بل كان نتيجة منطقية لمسار طويل، متراكم، واضح لمن أراد أن يرى.
الطوفان جاء لأن الأرض كانت مشبعة، أي لأن البنية السياسية والاقتصادية والاجتماعية الفلسطينية كانت قد وصلت إلى حدّ التشبّع بالعجز، بالترقيع، وبالعيش داخل حلقة مفرغة.
وجاء لأن الشقوق كانت مفتوحة، أي لأن الخلل لم يكن سرًا ولا خفيًا، بل مرئيًا في بنية النظام السياسي، في العلاقة مع الاحتلال، وفي وظيفة السلطة نفسها.
وجاء لأن التحذيرات كُتبت، قُرئت، ثم أُهملت، ليس لأنها غير دقيقة، بل لأنها كانت دقيقة أكثر مما تحتمل منظومة تعيش على تأجيل الاستحقاقات.
في عام 2019، كتب الصديق سمير حليلة مقاله:
«في مواجهة الأزمة العميقة: هل نحن أمام تغيير قواعد اللعب؟».
وسمير حليلة ليس اسمًا عابرًا في الهامش. هو اقتصادي لعب دورًا مركزيًا في مراحل تأسيس السلطة، وكان أحد المشاركين في صياغة اتفاق باريس الاقتصادي، ذلك الاتفاق الذي ربط الاقتصاد الفلسطيني بالاقتصاد الإسرائيلي، وجعل أموال المقاصة تمر عبر خزينة الاحتلال قبل أن تصل إلى السلطة بعد اقتطاعات يقررها الجانب الإسرائيلي. هذه ليست تفاصيل فنية، بل مفتاح لفهم لماذا يصبح الاقتصاد ساحة صراع يومي: لأن جزءًا من خبز الناس ورواتبهم ودواءهم يمرّ أولًا عبر يد الخصم، ثم يعود إليهم على شكل “تحويلات” يمكن حجزها أو اقتطاعها أو تأخيرها متى شاء الاحتلال.
أي أن الرجل كتب نقده من داخل التجربة، لا من خارجها، ومن موقع معرفة بكلفة القرارات لا من موقع معارضة سهلة.
لم يكن النص صاخبًا، ولا انفعاليًا، ولا ثوري اللغة.
لم يرفع شعارات، ولم يستخدم مفردات تعبئة.
كان باردًا بما يكفي ليكون خطيرًا، لأن البرودة هنا لم تكن حيادًا، بل دقة تشخيص.
كان تشخيصًا هادئًا لمرحلة كانت تتآكل من الداخل، في السياسة والاقتصاد والتمثيل، بينما تبدو من الخارج قابلة للاستمرار بفعل الرواتب، والمساعدات، وإدارة الحياة اليومية.
قال المقال، بوضوح لا لبس فيه، إن ما نعيشه ليس أزمة مؤشرات ولا أزمة رواتب، أي ليس مسألة عجز مالي عابر أو خلل في الجباية، بل أزمة سياسية بنيوية، أي أزمة في الأساس الذي يقوم عليه النظام كله.
وهنا يجب أن نفهم المقصود بـ“بنيوية”: ليس خطأ وزير أو فشل حكومة أو مزاج مرحلة، بل خلل في القاعدة التي تُدار عليها الحياة الوطنية. خلل يجعل كل إصلاح جزئي يبدو كترميم واجهة مبنى بينما الأساسات نفسها تتحرك.
وقال إن أدوات أوسلو استُنفدت، أي أن الاتفاق الذي بُنيت عليه السلطة لم يعد قادرًا على إنتاج أي تقدم سياسي أو سيادي.
ومعنى “استُنفدت” هنا ليس أن الناس ملت أو أن الخطاب تغيّر، بل أن الوقائع على الأرض—الاستيطان، السيطرة الأمنية، تحكّم الاحتلال بالحدود والمعابر والموارد، وتحوّل المفاوضات إلى زمن بلا نتائج—جعلت الأدوات القديمة غير صالحة، حتى لو أُعيد استعمالها ألف مرة.
وقال إن السلطة تحولت من مرحلة انتقالية إلى إدارة دائمة بلا أفق، أي من أداة يفترض أن تقود إلى إنهاء الاحتلال إلى جهاز وظيفته الأساسية إدارة الواقع تحت الاحتلال.
ومعنى ذلك عمليًا أن السلطة أصبحت تُسأل كل يوم: كم راتبًا ستدفع؟ كم مدرسة ستفتح؟ كم مستشفى سيعمل؟ كم شارع سيُعبّد؟ لكنها لا تملك سؤالها الأول: إلى أين تسير سياسيًا؟ ما هو السقف؟ ما هي العلاقة مع الاحتلال؟ ما هو تعريفها لذاتها: هل هي سلطة تحت الاحتلال أم مشروع دولة قادم؟
وقال إن الاستمرار في هذا المسار لن يقود إلى انفراج، بل إلى انسداد طويل الأمد، أي إلى لحظة يتوقف فيها النظام عن العمل دون أن يملك بديلًا.
لحظة يصبح فيها الاقتصاد رهينة، والسياسة رهينة، والتمثيل رهينة، والمجتمع كله يعيش على “ترقيع يومي” لا على مشروع.
في حينه، بدا الكلام “عقلانيًا أكثر من اللازم”،
هادئًا أكثر مما تحتمل اللحظة المشبعة بالشعارات،
لكن الزمن أثبت أن الهدوء لم يكن ضعفًا… بل دقة قراءة.
ما قبل الطوفان: زمن التحذير المؤجل
لم يكن سمير حليلة وحده.
وهنا تحديدًا يجب تفكيك الوهم الأخطر: وهم أن الطوفان جاء لأن أحدًا لم يرَ أو لم يحذّر.
الحقيقة أن ما سبق الطوفان كان زمنًا مكتظًا بالتحذيرات، لكن الفجوة كانت بين الرؤية والفعل.
وهذه الفجوة ليست تفصيلًا، بل هي لبّ المأساة: أن يملك مجتمع كامل تشخيصًا واسعًا، ثم يواصل السير كأن التشخيص لا يلزمه بشيء.
في تلك السنوات، وقبلها، كتب سياسيون، ومثقفون، وأكاديميون، وإعلاميون، وفنانون.
كتبوا من داخل فلسطين، ومن خارجها، لأن الأزمة لم تكن محلية بل بنيوية.
كتبوا من داخل السلطة، ومن داخل منظمة التحرير، ومن داخل حركة فتح، ومن خارج كل الأطر التنظيمية، وحتى من داخل السجن، ما يدل على أن الوعي بالأزمة لم يكن حكرًا على تيار أو موقع.
كانت هناك مقالات تحذّر من تآكل التمثيل، أي من تحوّل منظمة التحرير من إطار جامع للشعب الفلسطيني إلى جسم معطّل أو رمزي.
وكانت هناك دعوات صريحة لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، عبر مجلس وطني فاعل، وتمثيل حقيقي للداخل والشتات.
وكانت هناك نقاشات علنية حول انسداد أفق أوسلو، وحول استحالة الجمع بين إدارة الاحتلال وإنهائه في الوقت نفسه.
وصدر عن المجلس المركزي أكثر من قرار دعا إلى وقف التنسيق الأمني وإعادة تعريف العلاقة مع الاحتلال، ما يعني أن التحذير لم يكن فقط فكريًا بل وصل إلى مستوى القرار السياسي الرسمي.
كل ذلك كان موجودًا.
لكنّه بقي معلّقًا بين النص والتنفيذ،
بين القرار والجرأة،
بين المعرفة والإرادة.
السياسة، بدل أن تُجدّد نفسها عبر مواجهة الاستحقاقات،
اختارت إدارة الزمن.
إدارة الأزمة بدل حلّها.
إدارة التأجيل بدل الحسم.
وفي تلك السنوات، كانت هناك نصوص تُكتب من داخل فلسطين، لا من هامشها.
كتب هاني المصري عن تآكل التمثيل، وعن تغييب منظمة التحرير، وعن اختزال المشروع الوطني في سلطة بلا سيادة، ولم يكتفِ بالكلام، بل دخل تجربة الانتخابات التشريعية نفسها، كمن يختبر جدوى السياسة من داخل ملعبها.
وهنا المعنى ليس “الانتخابات” كحدث، بل كاختبار: حين يدخل ناقد إلى ساحة المنافسة، فهو يقول إن الأزمة ليست للتشخيص فقط، بل تستدعي محاولة تغيير قواعد اللعبة من داخل أدواتها الممكنة.
ومن داخل البنية الرسمية، كتب نبيل عمرو بلغة تعرف المؤسسة من الداخل، محذرًا من تحوّل الواقعية إلى ذريعة، ومن انزلاق الخطاب السياسي إلى إدارة بلا مواجهة.
و”الواقعية” هنا ليست خطيئة بحد ذاتها، لكنها تصبح خطيئة حين تتحول إلى اسم آخر للاستسلام: حين يصبح سقف الممكن هو ما يسمح به الاحتلال، وحين يصبح تعريف العقلانية هو ألّا تُحرج أحدًا، وألّا تهزّ الطاولة، وألّا تقترب من جوهر الاشتباك.
وفي موقع شديد الحساسية، قال توفيق الطيراوي ما لا يُقال عادة عن التنسيق الأمني، لا بوصفه شعارًا، بل كمسار يحدّد طبيعة السلطة ووظيفتها.
والتنسيق الأمني ليس مجرد بندٍ إداري؛ إنه تعريف للعلاقة: هل السلطة أداة لحماية المجتمع من الاحتلال، أم أداة لضبط المجتمع تحت الاحتلال؟ وحين يصبح الأمن هو مركز الثقل، يختل ميزان السياسة تلقائيًا، لأن المجتمع يرى أن القوة التي لا تحميه من المستوطنين لا يجوز أن تكون أقوى من صوته.
حتى داخل فتح، لم تكن الأسئلة غائبة.
خرج ناصر القدوة عن الصمت التنظيمي المألوف، لا بمقال فقط، بل بمحاولة كسر القالب كله عبر قائمة انتخابية مستقلة، في إشارة واضحة إلى أن الأزمة لم تعد أزمة أفراد، بل أزمة بنية.
والقائمة المستقلة هنا ليست تفصيلًا انتخابيًا؛ إنها علامة على انسداد داخل البيت نفسه: حين يشعر أحد أبناء المؤسسة أن الإصلاح من داخلها لم يعد ممكنًا، فيحاول خلق مسار موازٍ، فهذا يعني أن التصدعات وصلت إلى الهيكل.
ومن خلف القضبان، كتب مروان البرغوثي عن إعادة بناء النظام السياسي، وعن ضرورة توليد قيادة جديدة، في مفارقة لا تحتاج إلى تعليق: أن تأتي دعوة تجديد السياسة من السجن، فيما السياسة في الخارج عاجزة عن تجديد نفسها.
ومن يكتب من السجن لا يكتب ليُجمّل صورة، ولا ليحفظ منصبًا، ولا ليطمئن إلى توازنات؛ يكتب لأنه يرى أن الزمن يضيق، وأن الكلفة لا تُحتمل، وأن “الممكن” ليس ما تسمح به الإدارة، بل ما يفرضه الشعب عندما يُسدّ الأفق.
في الوقت ذاته، كان الخارج الفلسطيني يرى المشهد من زاوية أخرى، لا أقل التصاقًا ولا أقل التزامًا.
كتب عماد رحيمة عن تفريغ القضية من بعدها التحرري وتحويلها إلى ملف إداري.
وهذا التفريغ ليس فقط في اللغة، بل في الوظيفة: حين تصبح فلسطين “برنامج مساعدات” بدل أن تكون “قضية تحرر”، وحين يصبح الخطاب الإنساني بديلاً عن الخطاب السياسي، ينجح الاحتلال في تحقيق ما يريد دون أن يطلق رصاصة: تحويل الصراع من صراع على حق إلى صراع على تحسين شروط حياة تحت السيطرة.
وقدّمت غانية ملحيس قراءات مبكرة رأت أن السياسة نفسها جرى إخراجها من معناها، وتحويلها إلى إدارة للأزمات، وأن المقاومة جرى فصلها عن حاملها السياسي.
وهنا جوهر خطورتها: أن تُمارس المقاومة كفعل، بينما تُدار السياسة كملف، فيبقى الفعل بلا إطار، ويصبح الإطار بلا فعل، ويستمر النزيف.
واشتغل خالد عطية على تفكيك وهم الاستقرار، وعلى ربط تغييب منظمة التحرير بإقصاء الشتات عن القرار.
لأن تغييب الشتات ليس مجرد إهمال تمثيلي؛ إنه تعطيل لمصدر قوة تاريخي: الشتات كان دائمًا خزانًا سياسيًا وثقافيًا وماليًا وإعلاميًا، وحين يُقصى، تُختزل فلسطين إلى مساحة محاصرة، لا إلى شعب موزع لكنه واحد.
ومن قلب الجامعات الغربية، كتب رشيد الخالدي عن الخطر الكامن في تفكك التمثيل، وعن أن قوة الفلسطينيين التاريخية كانت دائمًا في وحدة الداخل والشتات، لا في إدارة واقع مجتزأ.
قيمة هذا الصوت أنه يأتي من ساحة تُنتج الروايات وتفرض المعاني، ساحة الغرب نفسه؛ حين يقول الخالدي إن تفكك التمثيل يقتل السياسة، فهو يقول إن المعركة ليست فقط على الأرض، بل على من يملك “السرد” و”الشرعية” و”تعريف القضية” في العالم.
كل هذا كان قبل الطوفان.
نصوص، مواقف، مبادرات، وحتى قرارات رسمية صادرة عن المجلس المركزي، دعت إلى إعادة بناء منظمة التحرير ووقف التنسيق الأمني.
لكن السياسة، بدل أن تتحرّك، اختارت الانتظار.
وإدارة الزمن صارت بديلاً عن تغييره.
الطوفان: حين يعود السؤال بقوة الدم
ثم جاءت الإبادة.
لا كحدث معزول أو طارئ،
بل كذروة لمسار طويل من الإغلاق السياسي والإنسداد.
الإبادة لم تقطع المسار، بل كشفته عاريًا.
كشفت أن إدارة الأزمة لا تمنع الكارثة، بل تؤجلها حتى تأتي أكبر.
كشفت أن الاعتماد على “التهدئات” و”الضمانات” و”التفاهمات” لا يصنع حماية، بل يصنع هشاشة.
كشفت أن الشعب الذي يُترك بلا حامل سياسي جامع، سيجد نفسه في لحظة ما مكشوفًا بالكامل: مكشوفًا أمنيًا، مكشوفًا اقتصاديًا، مكشوفًا في العالم.
في لحظة الإبادة، سقطت كل الأقنعة دفعة واحدة.
لم يعد ممكنًا الحديث عن “إصلاح تدريجي” لأن الزمن نفسه انفجر.
ولا عن “انتظار ظروف أفضل” لأن الدم سبق الظروف.
ولا عن “إدارة الواقع” لأن الواقع صار غير قابل للإدارة.
عاد السؤال الذي طُرح قبل الطوفان،
لكن هذه المرة بلا مواربة ولا ترف لغوي:
من هو الحامل السياسي؟
ومن يملك شرعية تمثيل هذا الشعب بعد كل هذا الدم؟
ما تغيّر بعد الإبادة ليس طبيعة السؤال،
بل حدّته.
لم يعد سؤالًا فكريًا أو أكاديميًا،
بل سؤال بقاء:
هل هناك إطار قادر على تحويل التضحيات إلى سياسة، أم أن الدم سيبقى بلا معنى سياسي؟
وهذه ليست عبارة شعرية. معناها عملي جدًا: هل يمكن تحويل التضحية إلى قرار، والقرار إلى برنامج، والبرنامج إلى وحدة وطنية، والوحدة إلى حضور دولي، أم سيبقى كل شيء متروكًا للصدفة؟
ما بعد الإبادة: حين يتقدّم السؤال على الإجابة اليوم، في الكتابات التي تتناول مرحلة ما بعد الإبادة،
نسمع كلمات جديدة في ظاهرها،
لكنها تحمل جوهرًا قديمًا جرى تجاهله طويلًا.
حديث عن الفراغ السياسي، أي عن غياب مركز قرار وطني جامع.
عن غياب الإطار الجامع، أي منظمة التحرير بوظيفتها التمثيلية الحقيقية.
عن استحالة استمرار سلطة بلا سيادة كحامل وطني.
عن ضرورة إعادة بناء منظمة التحرير، لا ترميمها شكليًا.
عن الفصل بين الإدارة والتمثيل، لأن الخلط بينهما دمّر الاثنين.
وعن استعادة السياسة من يد البيروقراطية.
وهنا يجب أن نقول ما يعنيه ذلك بوضوح:
الفراغ السياسي ليس غياب حكومة فحسب، بل غياب “معنى” يقود الحكم.
وغياب الإطار الجامع ليس مشكلة بروتوكول، بل مشكلة شرعية: من يُقرّر باسم من؟
واستحالة السلطة بلا سيادة ليست شعارًا، بل واقع: سلطة بلا حدود وبلا معابر وبلا جيش وبلا سيطرة على الموارد تصبح جهاز خدمات، ومع الوقت تصبح جهاز تهدئة، ومع الضغط تصبح جهاز ضبط… بينما الاحتلال يواصل مشروعه.
وإعادة بناء منظمة التحرير ليست ترتيب مقاعد، بل إعادة تعريف من هو “الشعب” سياسيًا: داخل الوطن وخارجه، في المخيمات، في المنافي، في الشتات، في الداخل المحتل.
والفصل بين الإدارة والتمثيل يعني ببساطة: لا يجوز أن تصبح الوظيفة اليومية—الرواتب، المدارس، المستشفيات—هي التي تُعرّف المشروع الوطني، بل يجب أن تكون هذه الوظائف في خدمة المشروع، لا بديلًا عنه.
واستعادة السياسة من يد البيروقراطية تعني أن القرار الوطني لا يُدار كملف إداري يخضع لحسابات “المانحين” و”الاستقرار”، بل كصراع تحرري يحتاج قيادة ومخيلة وإرادة.
هذا النقاش لا يولد من الصدمة وحدها،
بل من تراكم وعي مؤجل.
ما كُتب قبل الطوفان كان تحذيرًا مبكرًا.
ما يُكتب بعد الإبادة هو محاولة إنقاذ متأخرة.
الصورة الكاملة: فيلم بزمانين
إذا نظرنا إلى المشهد كاملًا،
نرى فيلمًا بوضوح سينمائي:
في الفصل الأول، كتّاب يرون الخلل ويتكلمون.
في الفصل الثاني، سلطة تدير ولا تُغيّر.
في الفصل الثالث، انفجار يعيد السياسة إلى الشارع بالقوة.
وفي الفصل الرابع، شعب يبحث من جديد عن حامل سياسي لا يخذله.
الطوفان لم يُنتج الوعي،
بل كشف كلفة تجاهله.
وإذا أردنا أن نفهم “الكلفة” فعلينا أن نقرأها بوضوح:
كلفة تجاهل التحذيرات كانت أن يصبح الشعب في لحظة الإبادة بلا ظهر سياسي قوي، وبلا مظلة تمثيلية تُحسن إدارة المعركة في العالم، وبلا وحدة وطنية قادرة على تحويل الفعل إلى خطة.
وهذه ليست اتهامات، بل وصف لما حدث حين تقدّم الدم على السياسة.

ما بعد الإبادة لا يحتمل إعادة إنتاج ما قبلها بلغة جديدة.
ولا يحتمل البحث عن حلول تقنية لسؤال وجودي.
الحامل السياسي ليس شعارًا،
ولا لجنة مؤقتة،
ولا إدارة أزمة محسّنة.
الحامل السياسي هو إطار تمثيلي جامع،
يعيد وصل الداخل بالشتات،
ويفصل بين منطق التحرر ومنطق الإدارة،
ويعيد للسياسة معناها كفعل جماعي لا كإجراء.
وهنا رؤيتي بوضوح:
إن لم يُستعد معنى منظمة التحرير كمرجعية تمثيلية حقيقية، لا كاسم تاريخي،
وإن لم يُفتح الباب أمام إعادة بناء مجلس وطني يعكس الشعب كله،
وإن لم تُحسم وظيفة السلطة: أداة صمود ومواجهة لا أداة ضبط تحت الاحتلال،
وإن لم تُقرأ قرارات المجلس المركزي بوصفها التزامًا لا ذكرى،
فإن كل حديث عن “مرحلة ما بعد الإبادة” سيظل كلامًا فوق الخراب،
وسنكون فقط نؤجل طوفانًا جديدًا.
إن لم تُقرأ نصوص ما قبل الطوفان اليوم بجدّية،
وإن لم يُستخلص منها ما يجب،
فإن ما بعد الإبادة لن يكون إلا مرحلة انتظار لطوفان آخر.
الطوفان لم يكن مفاجأة.
المفاجأة الحقيقية…
أن نملك كل هذا الدم،
وما زلنا نؤجّل الإجابة.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى