في السادس والعشرين من كانون الثاني/يناير 2026، وفي ختام الدورة الرابعة للمؤتمر السنوي الفلسطيني، لم تكن النقاشات حول «مستقبل المشروع الوطني» مجرّد تباين في المقاربات أو اختلاف في زوايا النظر، بل تعبيرًا مكثفًا عن لحظة تاريخية يتقدّم فيها الوعي النقدي على القدرة السياسية، وتتراكم فيها الأسئلة الصحيحة بوتيرة أسرع من الأطر القادرة على حملها. ما انكشف في المداخلات والنقاشات لم يكن ارتباكًا فكريًا ولا أزمة في التشخيص، بل فراغًا بنيويًا عميقًا: فراغ لم تعد اللغة السياسية السائدة قادرة على تغطيته، ولا المشاريع الموروثة على تجاوزه أو إعادة إنتاجه، مهما جرى ترميمها أو إعادة تسميتها.
ثمة إجماع غير معلن عبر المداخلات المختلفة، رغم تباين زوايا النظر، على أن ما بعد الإبادة ليس امتدادًا لما قبلها. هذا ليس توصيفًا أخلاقيًا أو انفعاليًا، بل توصيف بنيوي. فحرب الإبادة على غزة لم تُسقط فقط رهانات سياسية بعينها، بل كشفت أن البنية التي حملت تلك الرهانات لم تعد صالحة حتى لإدارة الانسداد. هنا تحديدًا تتقاطع مقاربة ترى في الدولة الفلسطينية، بوصفها أطروحة قانونية، وظيفة تاريخية استُنفدت، مع تشخيص يذهب أبعد حين يعتبر أن منظمة التحرير نفسها، بصيغتها الراهنة، انتهت وظيفيًا بعد الإبادة، لا لأنها تخلّت عن تمثيلها فحسب، بل لأن النظام الدولي ذاته أعاد تعريف القضية الفلسطينية خارج أفق التحرر.
هذا التحول من قضية تحرر إلى «ملف إنساني» ليس نتيجة سوء إدارة فلسطينية فقط، بل نتاج هندسة سياسية دولية واعية. فالانتقال إلى مقاربات من نوع «إدارة ما بعد الحرب» و«مجالس السلام» لا يمكن قراءته بوصفه بحثًا عن حلول، بل بوصفه محاولة لإنتاج بديل فوقي عن السياسة ذاتها، وعن منظومة التمثيل الوطني، وتحويل الصراع من كونه صراعًا على السيادة والحق إلى أزمة قابلة للإدارة والضبط. هنا لا يجري تجاوز الاحتلال، بل تدويره بصيغة أقل كلفة وأكثر قبولًا دوليًا.
في هذا السياق، تصبح دعوات «الصمود» إشكالية إذا لم يُحدَّد مضمونها. فثمة فارق حاسم بين صمود يحمي الحياة دون أن يفرغها من معناها السياسي، وصمود تكيّفي يحوّل البقاء إلى غاية بحد ذاته، ويُنتج قابلية متزايدة للقبول بترتيبات الوصاية طالما أنها تُخفف الألم. الصمود الأول يهدف إلى تقليل الخسائر دون تحويل الضرورة إلى قدر، أما الثاني فيُعيد إنتاج الهزيمة بصيغة ناعمة، تحت شعار «ليس بالإمكان أفضل مما كان».
غير أن ما لم يُحسم بعد، رغم عمق الطروحات، هو سؤال الحامل السياسي. فالجميع يكاد يُجمع على أن حل الدولتين لم يعد قابلًا للتحقق، وأن الدولة الواحدة الديمقراطية غير مقبولة إسرائيليًا، وأن النظام الدولي أثبت عجزه البنيوي عن إنصاف الفلسطينيين. لكن هذا الإجماع السلبي لم يتحول بعد إلى قطيعة إيجابية مع منطق الإدارة. هنا تظهر المعضلة الأعمق: كيف يُعاد بناء الفعل السياسي في ظل غياب أفق جاهز، دون السقوط في فخ التكيّف مع ما يُفرض؟
وقد يُؤخذ على هذا الطرح أنه يقدّم تشخيصًا متقدماً دون أن يعرض «وصفة جاهزة» أو مسارًا تنفيذيًا واضح المعالم، وكأن السياسة لا تكون سياسة إلا إذا قُدّمت في هيئة برنامج فوري أو مخطط مؤسسي مكتمل. غير أن هذا الاعتراض، بقدر ما يبدو منطقيًا، يعيد إنتاج المأزق نفسه الذي يحاول المقال تفكيكه: أي اختزال السياسة في الإدارة، وتحويل التحرر إلى مسألة تقنية قابلة للتنفيذ. فاللحظة الراهنة ليست لحظة نقص في الحلول، بل لحظة إفراط في حلول لم تعُد تملك حواملها التاريخية. ومن هنا، فإن الامتناع عن تقديم «وصفة جاهزة» ليس هروبًا من المسؤولية، بل رفضًا لإعادة إنتاج منطق إدارة الأزمة تحت مسمّى جديد. ما يُطرح هنا ليس بديلًا مؤسسيًا مكتملًا، بل شرطًا سابقًا لأي بديل: استعادة السياسة بوصفها سؤال معنى وصراع إرادة، لا كفاءة إدارة.
تكتسب التحذيرات من إدارة «الصدمة» أهمية خاصة في هذا السياق، إذ لا يجري في لحظات ما بعد الإبادة بناء ترتيبات أمنية فحسب، بل إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني ذاته: إضعاف الحركة الوطنية، تفكيك الوعي الجمعي، وإعادة إنتاج الفلسطيني بوصفه موضوع إغاثة لا فاعلًا سياسيًا. الخطر هنا لا يكمن فقط في الخسارة، بل في إدارة ما بعدها، وفي تحويل النجاة اليومية إلى أداة لضبط السياسة وإفراغها من مضمونها التحرري.
أما النقاش المتعلق بمستقبل حركات المقاومة، ولا سيما مسألة الفصل بين المقاومة بوصفها فعلًا سياسيًا، والحكم بوصفه سلطة إدارة، فيكشف توترًا لم يُحل بعد. فحين يصبح «ضبط الأمن» و«إدارة التعافي» معيار الشرعية، نكون قد انتقلنا – ولو بلا إعلان – من منطق التحرر إلى منطق الحوكمة. والخروج الشكلي من الواجهة لا يحسم هذا التناقض ما لم يُعاد تعريف الوظيفة السياسية ذاتها خارج معادلة الأمن والتمويل المشروط.
ما يميّز هذا المؤتمر، إذن، ليس أنه قدّم مشروعًا وطنيًا جديدًا، بل أنه كشف أن المشاريع القديمة لم تعد قادرة حتى على الادعاء بأنها حلول مؤقتة. نحن أمام لحظة لا تُنتج بديلًا جاهزًا، بل تفرض إعادة تعريف السياسة ذاتها. السياسة هنا ليست برنامجًا مكتوبًا، ولا صيغة دستورية، بل قدرة على الفصل الصارم بين ما هو إنساني وما هو سياسي، دون أن يُلغى أحدهما الآخر. هي القدرة على قبول الإغاثة دون تحويلها إلى تفويض، وعلى حماية الحياة دون شرعنة القيد، وعلى إعادة بناء التمثيل لا بوصفه ترميمًا مؤسساتيًا، بل كفعل تحرري يعيد وصل الشعب بقضيته عبر الزمن والمكان.
من هذا المنظور، فإن إعادة بناء منظمة التحرير لا يمكن أن تكون عودة إلى ما كانت عليه، ولا استعادة شكلية لشرعية تاريخية. إن لم تُعاد صياغتها كحامل سياسي يفصل بوضوح بين منطق التحرر ومنطق الإدارة، وبين المقاومة بوصفها فعلًا سياسيًا، والسلطة بوصفها أداة ضبط، فإن خطر تجاوزها لن يأتي من الخارج فقط، بل من داخل عجزها البنيوي.
الخلاصة التي يفرضها هذا المؤتمر، حين يُقرأ بعمق، هي أننا لسنا في أزمة خيارات بقدر ما نحن في أزمة معنى. المعركة لم تعد فقط على الأرض، ولا حتى على الحل، بل على تعريف ما هي فلسطين: هل هي قضية تحرر تُدار أدواتها دون أن تُدار غايتها، أم أزمة تُدار غايتها ويُترك شعبها ليكيّف نفسه معها؟ بين هذين الخيارين، لا يكفي تشخيص الانسداد ولا إعلان نهاية المشاريع، بل يتطلب الأمر شجاعة القطيعة مع منطق الإدارة نفسه، قبل أن يتحول – مرة أخرى – إلى قدر تاريخي يُفرض باسم الواقعية.
ثمة إجماع غير معلن عبر المداخلات المختلفة، رغم تباين زوايا النظر، على أن ما بعد الإبادة ليس امتدادًا لما قبلها. هذا ليس توصيفًا أخلاقيًا أو انفعاليًا، بل توصيف بنيوي. فحرب الإبادة على غزة لم تُسقط فقط رهانات سياسية بعينها، بل كشفت أن البنية التي حملت تلك الرهانات لم تعد صالحة حتى لإدارة الانسداد. هنا تحديدًا تتقاطع مقاربة ترى في الدولة الفلسطينية، بوصفها أطروحة قانونية، وظيفة تاريخية استُنفدت، مع تشخيص يذهب أبعد حين يعتبر أن منظمة التحرير نفسها، بصيغتها الراهنة، انتهت وظيفيًا بعد الإبادة، لا لأنها تخلّت عن تمثيلها فحسب، بل لأن النظام الدولي ذاته أعاد تعريف القضية الفلسطينية خارج أفق التحرر.
هذا التحول من قضية تحرر إلى «ملف إنساني» ليس نتيجة سوء إدارة فلسطينية فقط، بل نتاج هندسة سياسية دولية واعية. فالانتقال إلى مقاربات من نوع «إدارة ما بعد الحرب» و«مجالس السلام» لا يمكن قراءته بوصفه بحثًا عن حلول، بل بوصفه محاولة لإنتاج بديل فوقي عن السياسة ذاتها، وعن منظومة التمثيل الوطني، وتحويل الصراع من كونه صراعًا على السيادة والحق إلى أزمة قابلة للإدارة والضبط. هنا لا يجري تجاوز الاحتلال، بل تدويره بصيغة أقل كلفة وأكثر قبولًا دوليًا.
في هذا السياق، تصبح دعوات «الصمود» إشكالية إذا لم يُحدَّد مضمونها. فثمة فارق حاسم بين صمود يحمي الحياة دون أن يفرغها من معناها السياسي، وصمود تكيّفي يحوّل البقاء إلى غاية بحد ذاته، ويُنتج قابلية متزايدة للقبول بترتيبات الوصاية طالما أنها تُخفف الألم. الصمود الأول يهدف إلى تقليل الخسائر دون تحويل الضرورة إلى قدر، أما الثاني فيُعيد إنتاج الهزيمة بصيغة ناعمة، تحت شعار «ليس بالإمكان أفضل مما كان».
غير أن ما لم يُحسم بعد، رغم عمق الطروحات، هو سؤال الحامل السياسي. فالجميع يكاد يُجمع على أن حل الدولتين لم يعد قابلًا للتحقق، وأن الدولة الواحدة الديمقراطية غير مقبولة إسرائيليًا، وأن النظام الدولي أثبت عجزه البنيوي عن إنصاف الفلسطينيين. لكن هذا الإجماع السلبي لم يتحول بعد إلى قطيعة إيجابية مع منطق الإدارة. هنا تظهر المعضلة الأعمق: كيف يُعاد بناء الفعل السياسي في ظل غياب أفق جاهز، دون السقوط في فخ التكيّف مع ما يُفرض؟
وقد يُؤخذ على هذا الطرح أنه يقدّم تشخيصًا متقدماً دون أن يعرض «وصفة جاهزة» أو مسارًا تنفيذيًا واضح المعالم، وكأن السياسة لا تكون سياسة إلا إذا قُدّمت في هيئة برنامج فوري أو مخطط مؤسسي مكتمل. غير أن هذا الاعتراض، بقدر ما يبدو منطقيًا، يعيد إنتاج المأزق نفسه الذي يحاول المقال تفكيكه: أي اختزال السياسة في الإدارة، وتحويل التحرر إلى مسألة تقنية قابلة للتنفيذ. فاللحظة الراهنة ليست لحظة نقص في الحلول، بل لحظة إفراط في حلول لم تعُد تملك حواملها التاريخية. ومن هنا، فإن الامتناع عن تقديم «وصفة جاهزة» ليس هروبًا من المسؤولية، بل رفضًا لإعادة إنتاج منطق إدارة الأزمة تحت مسمّى جديد. ما يُطرح هنا ليس بديلًا مؤسسيًا مكتملًا، بل شرطًا سابقًا لأي بديل: استعادة السياسة بوصفها سؤال معنى وصراع إرادة، لا كفاءة إدارة.
تكتسب التحذيرات من إدارة «الصدمة» أهمية خاصة في هذا السياق، إذ لا يجري في لحظات ما بعد الإبادة بناء ترتيبات أمنية فحسب، بل إعادة هندسة المجتمع الفلسطيني ذاته: إضعاف الحركة الوطنية، تفكيك الوعي الجمعي، وإعادة إنتاج الفلسطيني بوصفه موضوع إغاثة لا فاعلًا سياسيًا. الخطر هنا لا يكمن فقط في الخسارة، بل في إدارة ما بعدها، وفي تحويل النجاة اليومية إلى أداة لضبط السياسة وإفراغها من مضمونها التحرري.
أما النقاش المتعلق بمستقبل حركات المقاومة، ولا سيما مسألة الفصل بين المقاومة بوصفها فعلًا سياسيًا، والحكم بوصفه سلطة إدارة، فيكشف توترًا لم يُحل بعد. فحين يصبح «ضبط الأمن» و«إدارة التعافي» معيار الشرعية، نكون قد انتقلنا – ولو بلا إعلان – من منطق التحرر إلى منطق الحوكمة. والخروج الشكلي من الواجهة لا يحسم هذا التناقض ما لم يُعاد تعريف الوظيفة السياسية ذاتها خارج معادلة الأمن والتمويل المشروط.
ما يميّز هذا المؤتمر، إذن، ليس أنه قدّم مشروعًا وطنيًا جديدًا، بل أنه كشف أن المشاريع القديمة لم تعد قادرة حتى على الادعاء بأنها حلول مؤقتة. نحن أمام لحظة لا تُنتج بديلًا جاهزًا، بل تفرض إعادة تعريف السياسة ذاتها. السياسة هنا ليست برنامجًا مكتوبًا، ولا صيغة دستورية، بل قدرة على الفصل الصارم بين ما هو إنساني وما هو سياسي، دون أن يُلغى أحدهما الآخر. هي القدرة على قبول الإغاثة دون تحويلها إلى تفويض، وعلى حماية الحياة دون شرعنة القيد، وعلى إعادة بناء التمثيل لا بوصفه ترميمًا مؤسساتيًا، بل كفعل تحرري يعيد وصل الشعب بقضيته عبر الزمن والمكان.
من هذا المنظور، فإن إعادة بناء منظمة التحرير لا يمكن أن تكون عودة إلى ما كانت عليه، ولا استعادة شكلية لشرعية تاريخية. إن لم تُعاد صياغتها كحامل سياسي يفصل بوضوح بين منطق التحرر ومنطق الإدارة، وبين المقاومة بوصفها فعلًا سياسيًا، والسلطة بوصفها أداة ضبط، فإن خطر تجاوزها لن يأتي من الخارج فقط، بل من داخل عجزها البنيوي.
الخلاصة التي يفرضها هذا المؤتمر، حين يُقرأ بعمق، هي أننا لسنا في أزمة خيارات بقدر ما نحن في أزمة معنى. المعركة لم تعد فقط على الأرض، ولا حتى على الحل، بل على تعريف ما هي فلسطين: هل هي قضية تحرر تُدار أدواتها دون أن تُدار غايتها، أم أزمة تُدار غايتها ويُترك شعبها ليكيّف نفسه معها؟ بين هذين الخيارين، لا يكفي تشخيص الانسداد ولا إعلان نهاية المشاريع، بل يتطلب الأمر شجاعة القطيعة مع منطق الإدارة نفسه، قبل أن يتحول – مرة أخرى – إلى قدر تاريخي يُفرض باسم الواقعية.