يُحكى ـ والله أعلم ـ أنّ قبائل الزوزو، في زمنٍ كانت فيه الشمسُ تُستشار قبل أن تشرق، كانت تُقدِّس المرآة كما يُقدَّس النبعُ الأول.
لم تكن المرآة عندهم سطحًا يعكس الوجوه، بل روحًا صامتة؛ إن نظرتَ فيها رأيتَ ظلَّك لا ملامحك، لأنّ الوجه ـ كما يقول حكماؤهم ـ قد يخون، أمّا الظل فلا يكذب.
وكانت نبوءةٌ قديمة تُتلى مع نار المساء:
«إذا انكسرت المرآة، انكسر العالم،
ومن رأى وجهه فيها، مُسِخ قردًا،
أو صار حشرةً تطير ولا تعرف طريق العودة».
وذات فجرٍ مضطرب، سُمِعَ صوتُ انكسارٍ كأنّ السماء شُقَّت.
في ذلك الصباح، جاء زعيمٌ جديد للقبيلة، ممتطيًا ذبابةً عملاقة، يحمل بندقية، وخلفه ملثمون مدججون بالسلاح.
عندها تحطّمت مرآة القبيلة الكبرى، المرآة التي وُلدت من صاعقةٍ وسُقيت بماء المطر الأول.
فجاء الزوزو من كل الجهات؛ كلُّ واحدٍ يحمل مرآته الصغيرة، يلفّها بجلدٍ أسود، ويُخفيها عن أخيه، خوفًا من سحرٍ يتسرّب من نظرةٍ خاطئة.
قال لهم الزعيم الجديد إنّ العالم قد تغيّر،
وإنّ على الزوزو أن يشاركوا، متحلّين بروحهم، في تظاهرةٍ فنية ورياضية،
هناك، حيث تُعرَض الأشياء كما تُعرَض الأرواح.
وحين دخلوا مدينةَ غيرهم،
اكتشفوا أنّ المرايا هناك لا تعكس الظل،
بل تعكس أشياء لم تعرفها أساطيرهم:
وجوهًا بلا أقنعة،وألوانًا لا اسم لها،وقوانين بعيدة عن الأعراف،
وأحلامًا تمشي بلا عصي.فارتعدت قلوبهم.
قال الشيوخ: «هذه ليست انعكاسات، هذه فِخاخ».
فبحثوا عن كلّ ما فُقِد في قبيلتهم ليحطّموه قبل أن يحطّمهم.
استعملوا سحرهم القديم، قلبوا الكلمات حتى صارت تمشي على رؤوسها،
أنشؤوا خطابًا لا يفهمه إلا من رضعالخوف،وقذفوا بالحجارة كلّ ما أرعبهم،
كأنّهم يطردون أرواحًا غريبة من أجسادٍ حجرية.
لم يكسروا المرايا، بل كسروا ما رأته أعينهم بعدها:
الطرقَ الملساء،والحديدَ اللامع،والأصواتَ الخارجة من صناديق بلا أفواه،
والبيوتَ التي لا تعرف الطين.
وحين عجزوا عن كسر العالم،
كسرت المدينةُ مراياهم.
عُوِّضوا عنها ببطاقاتِ صور؛ قطعٍ من ورقٍ تحمل وجوهَ المعالم التي رأوها لأول مرة:
أبراجًا أطول من أشجارهم،
وأنهارًا محبوسةً في الإسمنت،
ومطرًا منهمرًا يغازل العشب ولا يجرفه،
وميادينَ تصدح بأهازيج مختلفة،وعناقا بعيدا عن النفاق،
وصورًا / بطاقات لا تموت.
حمل الزوزو البطاقات كما تُحمَل التعاويذ،
وقرروا أن يوزّعوها على أفراد القبيلة عند العودة،
كي يروا العالم دون أن ينظروا إليه مباشرة،
وكي يعرفوا دون أن يُمسَخوا.
ومنذ ذلك اليوم،
لم تعد المرآةُ عند الزوزو زجاجًا،
بل حكاية،
ولا الظلُّ ظلًّا،
بل ذاكرةً تمشي خلفهم
ولا تسبقهم أبدًا.
موسى مليح
22يناير 202 6
لم تكن المرآة عندهم سطحًا يعكس الوجوه، بل روحًا صامتة؛ إن نظرتَ فيها رأيتَ ظلَّك لا ملامحك، لأنّ الوجه ـ كما يقول حكماؤهم ـ قد يخون، أمّا الظل فلا يكذب.
وكانت نبوءةٌ قديمة تُتلى مع نار المساء:
«إذا انكسرت المرآة، انكسر العالم،
ومن رأى وجهه فيها، مُسِخ قردًا،
أو صار حشرةً تطير ولا تعرف طريق العودة».
وذات فجرٍ مضطرب، سُمِعَ صوتُ انكسارٍ كأنّ السماء شُقَّت.
في ذلك الصباح، جاء زعيمٌ جديد للقبيلة، ممتطيًا ذبابةً عملاقة، يحمل بندقية، وخلفه ملثمون مدججون بالسلاح.
عندها تحطّمت مرآة القبيلة الكبرى، المرآة التي وُلدت من صاعقةٍ وسُقيت بماء المطر الأول.
فجاء الزوزو من كل الجهات؛ كلُّ واحدٍ يحمل مرآته الصغيرة، يلفّها بجلدٍ أسود، ويُخفيها عن أخيه، خوفًا من سحرٍ يتسرّب من نظرةٍ خاطئة.
قال لهم الزعيم الجديد إنّ العالم قد تغيّر،
وإنّ على الزوزو أن يشاركوا، متحلّين بروحهم، في تظاهرةٍ فنية ورياضية،
هناك، حيث تُعرَض الأشياء كما تُعرَض الأرواح.
وحين دخلوا مدينةَ غيرهم،
اكتشفوا أنّ المرايا هناك لا تعكس الظل،
بل تعكس أشياء لم تعرفها أساطيرهم:
وجوهًا بلا أقنعة،وألوانًا لا اسم لها،وقوانين بعيدة عن الأعراف،
وأحلامًا تمشي بلا عصي.فارتعدت قلوبهم.
قال الشيوخ: «هذه ليست انعكاسات، هذه فِخاخ».
فبحثوا عن كلّ ما فُقِد في قبيلتهم ليحطّموه قبل أن يحطّمهم.
استعملوا سحرهم القديم، قلبوا الكلمات حتى صارت تمشي على رؤوسها،
أنشؤوا خطابًا لا يفهمه إلا من رضعالخوف،وقذفوا بالحجارة كلّ ما أرعبهم،
كأنّهم يطردون أرواحًا غريبة من أجسادٍ حجرية.
لم يكسروا المرايا، بل كسروا ما رأته أعينهم بعدها:
الطرقَ الملساء،والحديدَ اللامع،والأصواتَ الخارجة من صناديق بلا أفواه،
والبيوتَ التي لا تعرف الطين.
وحين عجزوا عن كسر العالم،
كسرت المدينةُ مراياهم.
عُوِّضوا عنها ببطاقاتِ صور؛ قطعٍ من ورقٍ تحمل وجوهَ المعالم التي رأوها لأول مرة:
أبراجًا أطول من أشجارهم،
وأنهارًا محبوسةً في الإسمنت،
ومطرًا منهمرًا يغازل العشب ولا يجرفه،
وميادينَ تصدح بأهازيج مختلفة،وعناقا بعيدا عن النفاق،
وصورًا / بطاقات لا تموت.
حمل الزوزو البطاقات كما تُحمَل التعاويذ،
وقرروا أن يوزّعوها على أفراد القبيلة عند العودة،
كي يروا العالم دون أن ينظروا إليه مباشرة،
وكي يعرفوا دون أن يُمسَخوا.
ومنذ ذلك اليوم،
لم تعد المرآةُ عند الزوزو زجاجًا،
بل حكاية،
ولا الظلُّ ظلًّا،
بل ذاكرةً تمشي خلفهم
ولا تسبقهم أبدًا.
موسى مليح
22يناير 202 6