كيمياء الفرح ليست حكرًا على الإنسان بقلم ا.د. محمد لبيب سالم

حين يعلّمنا الحيوان شيئًا عن أنفسنا

كنت أتحدث مع أحد الأصدقاء عن كيمياء الفرح في الكائنات الحية، وقلت له إن ما يُعرف بين الناس بهرمونات السعادة والفرح والنشوة والحب وتخفيف الألم لم يُكتشف في الإنسان أولًا، بل عرف العلم كثيرًا منه عبر دراسة الحيوانات. توقّف الرجل قليلًا، ونظر إليّ بدهشة صامتة، كأنه يسمع أمرًا لم يكن يتصوره. ثم ازداد تعجبه حين قلت له إن الحيوانات العليا، حتى الفئران، تمتلك منظومات عصبية وهرمونية تجعلها تشعر بالخوف، والراحة، والألم، والطمأنينة، والارتباط، وأن كثيرًا مما نفهمه اليوم عن جسد الإنسان ودماغه ومناعته إنما بدأ من دراسة الحيوان.


ولم تقف دهشته عند هذا الحد. فقد أخبرته أن الجهاز المناعي في الفئران، على سبيل المثال، يشبه في خطوطه الكبرى الجهاز المناعي عند الإنسان؛ ففيها خلايا لمفاوية، وخلايا بلعمية، وخلايا قاتلة طبيعية، وأجسام مضادة، وسيتوكينات، وذاكرة مناعية، واستجابة للعدوى والسرطان واللقاحات. صحيح أن هناك فروقًا مهمة بين الإنسان والفأر، لكن البنية العامة واحدة بدرجة جعلت الفأر واحدًا من أهم النماذج العلمية لفهم المناعة البشرية.

ثم قلت له إن بعض الحيوانات تمتلك أشكالًا خاصة من الأجسام المضادة ذات مزايا علمية هائلة. فالجمل واللاما والألباكا تنتج نوعًا صغيرًا ومميزًا من الأجسام المضادة يُعرف باسم الأجسام المضادة وحيدة المجال، أو النانوبوديز، وهي أجسام صغيرة الحجم، عالية الثبات، وقادرة على الوصول إلى مواضع دقيقة قد يصعب على الأجسام المضادة التقليدية الوصول إليها. وكذلك الدجاج ينتج أجسامًا مضادة من نوع IgY، وهي ذات قيمة كبيرة في التشخيص والبحث والتطبيقات الحيوية. وهنا لا ينبغي أن نقول ببساطة إن أجسام الحيوان المضادة أقوى من أجسام الإنسان في كل شيء، بل الأدق أنها أحيانًا تمتلك خصائص تركيبية ووظيفية تجعلها أكثر نفعًا في تطبيقات علمية وطبية معينة.

وازداد الرجل اندهاشًا حين قلت له إن الحيوان الصغير ليس نسخة ناقصة من الإنسان، بل كائن كامل على مقاسه. فالفأر، رغم صغر حجمه، له قلب وكبد وكلى ورئتان ودماغ وجهاز عصبي وجهاز هضمي وجهاز مناعي وجهاز تناسلي وغدد صماء. كل شيء موجود، لكن على حجم أصغر، وبسرعة أيضية مختلفة، وعمر بيولوجي أقصر، وإيقاع حياة مختلف. عند هذه النقطة، لم يعلّق صديقي كثيرًا. اكتفى بنظرات تأمل طويلة، كأن صورة الحيوان في ذهنه بدأت تتغير من كائن بسيط إلى عالم حي مصغّر.

وقد دفعني هذا الموقف إلى كتابة هذا المقال؛ لا لأدافع عن الحيوان ضد الإنسان، ولا لأساوي بينهما في كل شيء، ولكن لأقول للقارئ غير المتخصص إن معظم البيولوجيا التي فهمناها في الإنسان كان للحيوان فضل كبير في كشفها. لقد عرفنا الكثير عن القلب من الحيوان، وعن المخ من الحيوان، وعن المناعة من الحيوان، وعن السرطان من الحيوان، وعن الهرمونات من الحيوان، وعن الألم والدواء والتخدير واللقاحات من الحيوان. وكأن الحيوان كان، عبر تاريخ العلم، كتابًا حيًا قرأ فيه الإنسان أسرار جسده هو.

والغريب أن الإنسان، رغم ذلك، ما زال ينظر إلى الحيوان أحيانًا بنوع من الفوقية البيولوجية، كأن الشعور لا يبدأ إلا عند الإنسان، وكأن الألم لا يكون ألمًا كاملًا إلا إذا نُطق بلغة بشرية، وكأن الفرح لا يصبح فرحًا إلا إذا عبّر عنه الإنسان بكلمة أو قصيدة أو ابتسامة. غير أن العلم يقول لنا شيئًا آخر: إن كيمياء الشعور أقدم من الإنسان، وإن الجزيئات التي تشارك في الفرح والألم والارتباط والطمأنينة لم تظهر فجأة مع الإنسان العاقل، بل تمتد جذورها في أعماق التطور الحيوي.

فالدوبامين، الذي يرتبط بالمكافأة والدافعية والتعلّم، ليس حكرًا على الإنسان. والسيروتونين، الذي يشارك في تنظيم المزاج والشهية والنوم والسلوك، موجود في طيف واسع من الكائنات. والإندورفينات، التي تساعد على تخفيف الألم وإحداث نوع من الراحة الداخلية، جزء من نظام أفيوني داخلي عند الثدييات وكثير من الفقاريات. أما الأوكسيتوسين، الذي اشتهر بين الناس باسم هرمون الحب أو العناق، فهو في الحقيقة رسول كيميائي عميق يرتبط بالولادة والرضاعة والرعاية والارتباط الاجتماعي، وله نظائر أو جزيئات قريبة في طيور وأسماك وفقاريات أخرى.

ومن المهم هنا أن نكون دقيقين. فهذه الجزيئات ليست كلها هرمونات بالمعنى الضيق؛ فبعضها نواقل عصبية، وبعضها ببتيدات عصبية، وبعضها يعمل كهرمون وناقل في الوقت نفسه. كما أن الحيوان لا يشعر بالضرورة بالطريقة الإنسانية نفسها؛ فهو لا يكتب عن حزنه، ولا يتأمل معنى الوجود، ولا يصوغ مشاعره في لغة رمزية كما يفعل الإنسان. لكن غياب اللغة لا يعني غياب الشعور. الحيوان له لغة أخرى: لغة الجسد، والحركة، والصوت، والاقتراب، والهرب، والرعاية، واللعب، والانكماش، وفقدان الشهية، والبحث عن الأمان.

الفأر الذي يتعرض للضغط النفسي تظهر عليه علامات بيولوجية وسلوكية واضحة. والكلب الذي يطمئن لصاحبه يتغير سلوكه وكيمياؤه الداخلية. والقرد الذي يفقد رفيقًا قد يمر بحالة حزن اجتماعي. والطائر الذي يرتبط بشريكه لا يتحرك بمجرد برنامج غريزي ميكانيكي، بل داخل شبكة عصبية وهرمونية تنظم الألفة والاختيار والرعاية. وحتى الأسماك وبعض اللافقاريات والحشرات تمتلك نواقل كيميائية تنظم الحركة والمكافأة والتعلم والاستجابة للتهديد والبحث عن الغذاء والتفاعل الاجتماعي.

وهنا ينهار جزء كبير من غرور الإنسان. فالمسألة ليست أن الحيوان إنسان صغير، ولا أن الإنسان حيوان كبير، بل أن الحياة كلها مبنية على استمرارية عميقة. هناك درجات في الوعي، ودرجات في الشعور، ودرجات في التعلم، ودرجات في الذاكرة، لكن لا توجد قطيعة مطلقة بين الإنسان وبقية الكائنات. الإنسان امتلك اللغة والرمز والفلسفة والدين والفن والتاريخ، لكنه لم يخترع الألم، ولم يخترع الخوف، ولم يخترع البحث عن الأمان. هذه كلها لغات بيولوجية قديمة كانت الحياة تمارسها قبل ظهور الإنسان بزمن طويل.

ومن أجمل ما تكشفه البيولوجيا الحديثة أن الحيوان ليس مجرد جسد يتحرك، بل منظومة حية متكاملة. خلاياه تتواصل، ومناعته تتذكر، ودماغه يتعلم، وهرموناته تتغير، وسلوكه يتبدل بحسب الخبرة والبيئة والخطر والراحة. وإذا كان الإنسان يعبّر عن نفسه بالكلام، فإن الحيوان يعبّر عن نفسه بالاستجابة. وإذا كان الإنسان يكتب يومياته، فإن الحيوان يكتب تاريخه داخل جسده: في هرموناته، ومناعته، وسلوكه، وذاكرته العصبية.

ولذلك فإن دراسة الحيوان لم تكن يومًا هامشًا في علم الإنسان، بل كانت بابًا رئيسيًا إليه. فمن خلال الحيوان عرفنا كيف تعمل الخلايا العصبية، وكيف تنتقل الإشارات، وكيف تتكون الأجسام المضادة، وكيف تستجيب المناعة للعدوى، وكيف تنمو الأورام، وكيف تعمل اللقاحات، وكيف تؤثر الهرمونات في السلوك، وكيف يتألم الجسد، وكيف يخف الألم. لقد كان الحيوان، وما زال، مرآة بيولوجية يرى فيها الإنسان كثيرًا من ملامحه الداخلية.

لكن هذا الفهم العلمي يفرض علينا مسؤولية أخلاقية. فإذا كانت الحيوانات تشعر بدرجات مختلفة، وتتألم، وتخاف، وتطمئن، وتبحث عن الراحة، فلا يجوز أن نتعامل معها كأشياء صامتة. الحيوان المعملي، والحيوان المستأنس، والحيوان البري، كلها كائنات لها حق في الرحمة والرعاية وتقليل الألم واحترام طبيعتها. وليس معنى أن نستخدم الحيوان في البحث العلمي أن ننزع عنه قيمته الحية، بل يجب أن يكون ذلك في أضيق الحدود العلمية، وتحت قواعد أخلاقية صارمة، وبأقل ألم ممكن، وبأعلى قدر من الاحترام.

إن العلم الحقيقي لا يقتل الرحمة، بل يعمقها. وكلما عرفنا أكثر عن بيولوجيا الحيوان، أصبحنا أكثر قدرة على الإنصاف. فالرحمة هنا ليست عاطفة ساذجة، بل معرفة ناضجة. حين نعرف أن للفأر جهازًا عصبيًا يتألم، وأن للطائر منظومة اجتماعية، وأن للكلب ذاكرة عاطفية، وأن للجمل أجسامًا مضادة مدهشة، وأن للدجاج جهازًا مناعيًا له خصوصيته، فإننا لا ننقص من قدر الإنسان، بل نزيد من فهمنا للحياة.

والخلاصة أن كيمياء الفرح ليست امتيازًا بشريًا، وكيمياء الألم ليست حكرًا على الإنسان، وكيمياء الحب ليست اختراعًا ثقافيًا خالصًا. الإنسان أعطى هذه الأحاسيس أسماء جميلة، وكتب عنها الشعر، وبنى حولها الفلسفة، لكنه لم يخلقها من عدم. لقد وجدها في أعماق جسده كما وجدها في أجساد كائنات أخرى سبقته إلى الحياة.
ربما لم يكن صديقي بحاجة إلى محاضرة طويلة. ربما كانت دهشته كافية. فقد رأيت في عينيه لحظة انتقال هادئة من تصور قديم إلى سؤال جديد. وهذا وحده يكفي أحيانًا. فالعلم لا يبدأ دائمًا بإجابة، بل كثيرًا ما يبدأ بدهشة. والدهشة، حين تكون صادقة، تفتح باب المعرفة.

ولعل أجمل ما نتعلمه من هذا كله أن الحيوان يشعر كما يشعر الإنسان، وإن اختلفت اللغة. نحن نقول: أنا خائف، أنا سعيد، أنا موجوع، أنا مطمئن. أما الحيوان فيقولها بطريقته: برجفة، أو اقتراب، أو هروب، أو سكون، أو نظرة، أو حركة ذيل، أو انكماش جسد، أو بحث عن حضن آمن. والفرق بيننا وبينه ليس أن لنا شعورًا وليس له، بل أن لنا لغة نترجم بها الشعور، وله لغة لا نفهمها دائمًا.
وربما كانت إحدى مشكلات الإنسان أنه لا يعترف إلا باللغة التي تشبه لغته. أما الحياة، فهي أوسع من لغتنا، وأقدم من كلماتنا، وأعمق من غرورنا.

ومن يدري؟ لعل الحيوان ينظر إلينا أحيانًا بدهشة، كما ننظر نحن إليه، ويظن في قرارة عالمه أن لغة الإنسان هي اللغة الغريبة. فإذا كنا لا نفهم لغته، فهو أيضًا لا يفهم لغتنا، غير أنه لا يتعالى علينا، ولا يتنمر على جهلنا، ولا يعلن تفوقه علينا، بل يتركنا نتصور أننا وحدنا أصحاب اللغة والعقل والشعور.

ولذلك، حين ننظر إلى الحيوان بعين العلم والرحمة معًا، فإننا لا نرى كائنًا أدنى، بل نرى شريكًا قديمًا في رحلة الحياة؛ شريكًا لا يتكلم مثلنا، لكنه يشعر، ويتألم، ويخاف، ويهدأ، ويبحث مثلنا عن نصيبه الصغير من الأمان والراحة والفرح.

وما أجمل السلوك الحضاري في ثوب الرحمة، وما أجمل الرحمة عندما تكون عن علم.

ا.د. محمد لبيب سالم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى