ليلى تباني - َمقامَة البَغْلَة ومقام الرشاوَنْد...

ما أشبه واقعنا بمنامات الوهراني! ويا لسخرية حكاياته التي تكشف عن نشاز الواقع !
" ... قال الراوي :
حضرتُ مجلس قاض ببغداد، وقد ازدحم الناسُ ببابه ازدحام الحجيج بالمشاعر، إذ أقبل رجلان يختصمان في بغلة، كلٌّ منهما يدّعيها لنفسه، ويقيم لها وصفا ويذكر لها علامة.
فقال القاضي : هاتوا حجتكم، فإن القضاء لا يقوم إلا على بيّنة .
فقال أحدهما : هي بغلتي اشتريتها بمالي وربيتها في داري .
وقال الآخر : بل هي بغلتي ضاعت مني، وهذه علامتها في ظهرها وسنامها.
فنظر القاضي إليهما مليّا، ثم أطرق ساعة، ثم مال إلى أحدهما إمالة خفية، فقام الرجل وعاد بشيء دسَّه في يد القاضي، فتهلّل وجهه وقال :
قد ظهر الحق، وهذه البغلة لهذا الرجل دون صاحبه.
فصاح الآخر: ظلمت يا قاضي!
فقال: اسكت وإلا جعلتك عبرة للناظرين .

هكذا تبدأ مقامة البغلة للمؤلّف الجزائري محمد بن محمد محرز الوهراني، التي تبدو طريفة للوهلة الأولى، لكنّها سرعان ما تتحول إلى مرآة لاذعة تكشف فساد القضاء والانحراف الأخلاقي في المجتمع . تدور الحكاية حول خصومة بين رجلين على بغلة، فيُرفع النزاع إلى القاضي، الذي يفترض أن يكون ميزان العدل. غير أن القصة تكشف مفارقة ساخرة ، إذ لا يحكم القاضي بالبينة، بل يميل إلى من يدفع أكثر، فتبدو البغلة، الصامتة وسط النزاع، أكثر عدلا من من يفترض أن يحمل يد الحق .
هنا يتبين سرّ براعة الوهراني ، الذي يحوّل المقامة من مجرد حكاية مضحكة إلى نقد اجتماعي وسياسي، مستخدما السجع والبلاغة كأداة للسخرية لا كغاية مستقلة، على عكس بديع الزمان الهمذاني الذي يقوم على الحيل البلاغية وفطنة المحتال الظريف، أو الحريري البصري الذي يجعل المقامة مختبرا لغويا يعج بالطباق والجناس والتضمين .
إذا قارنّا، نجد أن المقامة عند الوهراني تركز على الرسالة والوعي الاجتماعي، بينما يركز الهمذاني على المتعة اللغوية، والحريري على الصنعة البلاغية. وحتى كتابه المنامات يعكس هذا الاتجاه ، فالحلم والسرد الرمزي يكشفان فساد السلطة وتقلبات النفوس، مما يجعل النصوص أكثر عمقا من كونها مجرد طرائف .
يا للفساد الذوق ! حين يتحول القبح جمالا، وتنقلب الموازين، فنستمع إلى مقام الرَّشاوند ونعلن الانتشاء، فلا يبقى العدل إلا في ضمير البغلة، ولا الصدق إلا في نشاز اللحن، بينما العالم ينقاد إلى هوى الهوى وسقوط السرائر ، في زمن كثرت فيه أشباه بغلة الوهراني ، بغلة أعدل من القاضي، يستساغ نهيقها النشاز ،الذي هو أقرب إلى الحقيقة من اللحن، زمن تنظم فيه مقامات السجع ... (عفوا الوجع) على مقام الرَّشاوند .
في هذا الإطار، تصبح مقامة البغلة أكثر من مجرد نص طريف، لتصبح تجربة فكرية ممتعة، ونافذة على المجتمع، ودرسا في الأخلاق والوعي، حيث يلتقي المبنى مع المعنى، والطرافة مع النقد الاجتماعي، والضحك مع التأمّل العميق، لتبقى لغة الوهراني نافذة مشرّعة على عذوبة الحكاية وصدق الواقع .

ليلى تبّاني ـــــ الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى