مصطفى فودة - قراءة فى "المقاعد الثلاثة والعشرون" مجموعة قصصية للكاتبة منال قابيل بقلم مصطفى فودة

لا بد أن يثير عنوان المجموعة القصصية تساؤل القارئ، لماذا المقاعد الثلاثة والعشرون؟ وما هو دلالة هذا الرقم؟ عنوان المجموعة هو عنوان القصة الأخيرة (الخامسة عشر)، وهى تدور حول شخص يبدو أنه مريض نفسى ويذهب إلى مستشفى لحضور جلسات علاجية وجواره مرضى يصحبهم مرافقون"هو الوحيد على المقاعد الثلاثة والعشرين الذى لا يصحبه أحد" ، وبمرور الوقت والجلسات يصبح فردا من العائلة الكبيرة ويتقدم فى العلاج ويتصالح مع نفسه وعندئذ يخبره الطبيب أنه لم يعد هناك حاجة إلى مجيئه والعلاج وصل إلى نهايته إلى أن يخبره الطبيب بأنه ليس هناك حاجة لمجيئه وأن مقعده سيكون لشخص آخر، ولا تجيب القصة عن دلالة هذا الرقم ولكن من الممكن تأويله بأنه رقم يشير إلى دلالة الوحدة حيث هو رقم أحادى وليس معه رفيق بالمستشفى، وهناك دلالة أخرى بعيدة نوعا ما إذا قرأنا المجموعة القصصية كلها كوحدة واحدة يفسر بعضها بعضا بأنه دلالة رمزية لثورة 23 يوليو والتى انتهت بأنها مجموعة من المرضى داخل مستشفى بموت جمال عبد الناصر والذى أشارت إليه القصة الثامنة بعنوان حزن عام .
تتكون المجموعة القصصية من خمس عشرة قصة قصيرة من منشورات دار الحكمة، يربط بينها خيطا رفيعا من الحنين إلى الماضى واستعادة الطفولة، فى قصة "البلكونة يستعيد الراوى مشهد إصلاح البلكونة على يد نجار ماهر يحب عمله ويتفانى به "لم يكن عم عبده (نجار) سوى نفحة من نفحات البلكونة التى لم تزل تهب علي محملة بخبراتها وناسها وعطر زكرياتها"ص1، وفى قصة الطائرة هناك استدعاء للماضى على صوت عبد الحليم حافظ حيث يستعيد الراوى صباه مع أصدقائه وفى قصة "طقس من الطفولة" يستعيد الراوى طفولته مع يوم الخميس يوم طقس الغسيل مع أم سيدة وابنتها سيدة لغسيل ملابس أسرته وبالقصة اشارات ومجازات جنسية بين السارد الصغير والفتاة سيدة وهى أمام طشت الغسيل " تقرصنى فى ركبتى لتعطى نفسا للوابور ليزداد لهيبه ويعلو صوته ووشوشته تلك التى أيقظت فيّ كل ماهو حسيّ وتنقلنى إلى عالم آخر"ص ، كذلك فى قصة كارت معايدة تستعيد الساردة وقت إقامتها فى بلد غريب فى السكن الطلابى وقد أرادت الساردة وزميلاتها تقديم كارت معايدة بمناسية عيد الميلاد إلى جوانا(الخادمة) التى تقوم بتنظيف حجرتها والحمام المرفق بها تقديرا لها إلا أنها فوجئت بها فى إحدى الليالى تقوم بالبحث فى صندوق القمامة وتخرج منها أشياء تبدو ثمينة مثل زوج أحذية وعروس فى حجم جسم رضيع"وبالقصة تعبير عن الفقر والحاجة وكذلك عن المفارقة ففى الوقت التى تظهر فيه الخادمة الأجنبية بمظهرالمعتدة بنفسها تكون فى حقيقتها فى غاية الفقر والعوز، وفى قصة "أكان لابد أن تأتى يا ليان" يستعيد السارد قصة حبه مع الفتاة ليان والتى تركها فى بلده وسافر فى بلد غربب وبعد سنوات طويلة يراها فى سوبر ماركت فيصاب بصدمة نفسية ويختل توازنه، كذلك فى قصص، لمسة نور، الفراشة، حزن عام والعرافة .
عبرت بعض القصص عن طقوس ومفردات قديمة وتكاد تكون فلكلورية فى الوقت الحاضر، مثل طقس إعداد كحك العيد فى قصة "كحك العيد" والاهتمام بتفاصيل إعداده وخبيزه وارساله فى صاجات إلى الفرن لإنضاجه واستعمال عبارات شعبية قديمة مثل أروانة والعجين وريحة الكحك والعادات القديمة مثل سماع القرآن بالمذياع فى الصباح الباكر وبرامج ربات البيوت وأبلة فضيلة وكلمتين وبس وأغنيات الجيل القديم مثل عبد الحليم وشادية ومها صبرى وغيرها، كذلك صقس قراءة الفنجان فى قصة "العرَّافة" حيث تقوم العرافة بقراءة فنجان القهوة للساردة وهى من الفراسة لتحدثها عن أمانى تتمناها كانتظارعريس وتتساءل السيدة عن مالذى يمنعه من الحضور وتختتم القصة بجملة بارعة"لا شئ يمنعه ولكنه لا يقوى على الهوى"ص16 كذلك طقس يوم الغسيل فى قصة "طقس من الطفولة" واستخدام المفردات الشعبية التى تكاد تنقرض مثل وابور الجاز، طشت الغسيل، كرسى الغسيل، وغلى الغسيل بإناء فوق الوابور واستخدام عصا طويلة لتقليب الغسيل والجاز وصابون نابلسى وغيرها .
اللغة والسرد والحوار :
اتسمت اللغة بالنعومة وبالتعبير الرومانسى الرقيق والجميل مثل "ونقلنى صوت عبد الحليم إلى البلكون الواسعة وداعبتنى نسمات شهر أكتوبر الخريفية ، هواء رقيق ، تتمايل معه الأغصان، يتسلل فى الليل محملا برائحة الفل لينقل همسات الأحبة"ص3، وكانت لغة السرد بالعربية الفصحى البسيطة ، وكان الحوار بالفصحى فى مواضع مثل الحوار فى قصة العرافة ص16 وبالعامية فى مواضع أخرى مثل الحوار بالعامية بين الجدة وأمينة الخادمة (أم سيدة)
"عندنا جاز يا أمينة؟ وترد أمينة بهدوئها المعتاد "باين ياستى"، باين برضه يا أمينة، احنا اللى نبات فيه نصبح فيه وبعدهالك، "ماتشغليش بالك يا ستى عندنا رابسو وسافو وصابون نابولسى وزهرة تكفينا شهر وزيادة ، والجاز يا أمينة"ص24 .
وقد غلب التعبير بضمير المتكلم المفرد على قصص المجموعة، كما استخدمت الكاتبة ضمير الغائب العليم بدرجة أقل، ولم توفق بالتعبير بضمير المتكلم المذكر فى قصة فى الطائرة إذ غلب الحس الأنثوى بالسرد مثل"استكنتُ قليلا ومازلتُ أسمع دقات قلبى صاخبة ، لا أقوى على تهدئتها، يتملكنى الاحساس بالاضطراب والخجل والتوجس"ص32 ، كما اتسم السرد بالمشهدية والحركة فى كثير من المواضع وكان مشهد طقس الغسيل ص34 ومشهد كحك العيد ص22 ومشهد الحزن فى قصة حزن عام ص 18 ومشهد قراءة الفنجان فى قصة العرافةص16 وسأورد جزءًا صغيرًا من مشهد قراءة الفنجان" ضيقت المرأة عينيها وأدارت الفنجان فى يدها وبنيرة حيرة قالت..." وغيرها من أروع المشاهد السردية والتى تشبه مشاهد الأفلام السينمائية مما أضفى على السرد الحركة والجاذبية والتشويق.
ومن تقنيات السرد الغالبة كسر الزمن الخطى والعودة للماضى(الفلاش باك) والاحتفاء بفترة الطفولة فى كثير من قصص المجموعة "نقلنى صوت عبد الحليم إلى البلكونة البحرية...كما فى الأيام الخوالى فيتراءى لى ثلاثتنا "ص3 ،"لم أستطع مقارنة جوانا فى مخيلتى بأم محمد التى كانت تأتى لمساعدة والدتى فى أعمال البيت"ص5 وغيرها من الأمثلة الكثيرة .
توظيف الحواس والألوان فى التعبير عن المشاعر :
من جماليات المجموعة توظيف الحواس والألوان فى وصف المشاعر والأحاسيس النفسية "، فالصوت حاسة شائعة فى كثير من القصص مثل صوت عبد الحليم وهمسات الأحبة والرائحة فى رائحة الفل استدعى الماضى عند الساردة ، وصوت الوابور فى قصة طقس من الطفولة وما أيقظ فيه من إحساس جنسى "لتعطى نفسًا للوابور فيزداد لهيبه ويعلو صوت وشوشته تلك التى أيقظت فيّ كل ما هو جنسى ونقلنى إلى عالم آخر"ص25 ، وصوت الشيخ رفعت فى قصة حزن عام، كذلك كانت الروائح وحاسة الشم فى قصة "كحك العيد" "وريحة الكحك الذى عبق بها المنزل لا تخطئها حاستى"ص22، "وتداخلت الروائح وعكست رغباتنا"، كذلك حاسة اللمس فى قصة "لمسة نور" والأيد الخشنة فى "قصة البلكونة" "وكلما شاهدت أيد خشنت من كثرة الشغل أو تغيرت هيئتها من وطأة العمل استشعرت أن ثمة علاقة قرابة تربطنى بصاحب هذه اليد" (وبالوصف عين ووعى أنثوي لافت)، كذلك حاسة الصوت والبصر فى قصة العرافة التى تقرأ الفنجان للسيدة ، كذلك أجادت الكاتبة توظيف الالوان مثل اللون الاسود فى قصة حزن عام "رأيت سوادًا. أمى الشابة المشرقة ارتدت رداء أسود" ص16 واللون الأبيض فى الملابس البيضاء فى قصة طقس من الطفولة، والبنى والأحمر والأسود فى وصف يدى النجارالخشنة وغيرها ، كذلك كان براعة الوصف من السمات الجمالية بالمجموعة مثل وصف النجار فى قصة البلكونة وكانها ترسم بورتريه له"رجل متوسط الطول. تحيط بوجهه هالة من الشعرالمشعث. بدت إحدى عينيه شبه مغلقة كما لاحت كفاه متسختين، لونهما بنى به احمرار وثمة سواد حول أظافره"ص1.
رغم أن المجموعة القصصية المقاعد الثلاثة والعشرون هو العمل الأول المنشور للكاتبة فإنها نجحت فى تقديم مجموعة قصصية جميلة بسرد مشهدى جذاب ولغة فنية رشيقة واحتفاء بالعودة إلى الطفولة وبطقوس ومفردات قاربت على الغياب من حياتنا مثل طقوس عمل كحك العيد ويوم الغسيل وقراءة الفنجان فكانت تسجيلا فنيا بارعا لها .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى