أمل إسماعيل - إنّهم يحلمون بالإنجليزيّة يا أبي!

لا يغيبُ عن خاطري مشهدٌ تدخل فيه ابنتي مُجلّلةً بابتسامةٍ عريضةٍ قائلةً باندهاشٍ طفوليّ: "ماما، أنا شفت فيلم في عيوني!". حينها فهمتُ بتعبيرها البريء -الذي أعجبني جدًّا- أنها رأت لأوّل مرّةٍ حُلُمًا، وما زالت تتذكَّرُه، وقد جاءت لتقصُّ عليَّ الحلم وتشاركني بهجة الفيلم الحصريّ المتجدّدِ كلَّ ليلةٍ بتذكرةٍ مجّانيّةٍ ومقعدٍ في الصفّ الأوّل إلى الأبد!

عرفَتْ ابنتي معنى "الحُلُم"؛ نعمةُ الخيال الغالية التي حبانا الله إياها. طوّرتها مع الزمن وصارت بين يديها قصصًا وحكايات تُكتب، يشاركها في غزلِها (تشات جي بي تي)، وإخوته من تطبيقات ذكاءٍ اصطناعية. لكنني لم أسألها أبدًا عن لُغة أحلامها، ولم يخطر على بالي أبدًا أنها قد تحلمُ بغير العربية. كيف لا، وأنا التي تحلمُ بالعربية، وإن صدَفَ وحلُمَتْ بأنها تشاهدُ فيلمًا أجنبيًّا في الحُلُم فإن الترجمة العربية تنزِل تحتَ الصورة، وبدقّةٍ مُدهِشَة!

"أيُعقَلُ أن تكون أحلامُ ابنتي بالإنجليزيةِ هي أيضًا!". هكذا جاءَ ردِّي مرعوبًا على زميلٍ قال إنَّ ابنَهُ يحلُمُ بالإنجليزية. ابنُهُ الذي شرعَ يَبني لنفسه عالمًا مُغايرًا عن أفراد أسرته الذين لا يتحدّثون الإنجليزية بطلاقةٍ مثله في البيت، وصار يجدُ راحةً مُطلقةً في العِراك والشَّتم بالإنجليزية، بينما يُلجَمُ لسانُه إنْ حاولَ العكس. شُلَّ دماغي في محاولةٍ لاسترجاع عبارةٍ قالها لنا أستاذ مادة علم اللّغويات في الجامعة، لكنني تذكَّرتُها أخيرًا في حسرةٍ وأسى: "لكي تعرفَ اللغةَ المُهيمنةَ على دماغِك، اسأل نفسكَ بأيِّ لغةٍ تشتُمُ في ذروة غضبِك". قلتُ لزميلي: يا إلهي! لا بدَّ أن أسأل بناتي -وقد كبرن- لأعرفَ بأيِّ لغةٍ يحلُمن؟

جمعتُ فتياتي، وسألتهنّ واحدةً تلو الأخرى، قالت الكبرى: "أحلامي بالإنجليزية، لكنها تُصبحُ عربيّةً عندما تكونينَ فيها!" ثم قالت الصغرى: "كلُّها إنجليزية.. لا أعرفُ كيف يحلُمون بالعربية أصلًا!" أمَّا الوسطى فقالت إنها لا تتذكَّر أحلامها كلَّها.. ولا تولي اهتمامًا للُّغة إنما للصورةِ تتسيَّدُ المشهد!

لقد وقعنَ في الفخّ، ودارت رحى الأيام فطحنَتْ قمحَ اللغة الذي بذرته في ألسنتهنّ وحصدَتهُ المدارسُ الأجنبية. صرتُ لهنّ حارسة اللغة -وربما بُعبُعها- فكيف أردُّهنّ إلى حظيرة اللغة العربية الآن وقد قطعن شوطًا طويلًا حتى باتَت العربيةُ غريبةَ القلبِ واليدِ واللِّسان! إنّهنَّ يقرأن، أجل! يقرأن كتبًا ضخمةً يشترينها من مصروفهن، وعيديّاتهنّ، ويحرصن على زيارة معارض الكتب، ومحال بيع الكتب في مراكز التسوّق وغيرها. فخرٌ لأيّ أمٍ -فكيف لي تحديدًا!-أن تقول إنّ بناتها (دودات قراءة).. إنما.. بناتٌ يقرأن بالإنجليزية.

هل تأخّرتُ وراحت عليّ وعليهن؟ هل ماتت ذكرى "التحدّث بالمكسيكية" التي كان جيلنا يتندَّرُ بقولِها لأنّ كلَّ دَبلجات المسلسلات المكسيكية حينها كانت بالعربية الفصيحة لا باللهجات المحكيّة، وكانت تزيدنا فصاحةً وطلاقةَ لسان -بوعي ودون وعي- إنصاتًا واستيعابًا وتقليدًا لأبطال تلك المسلسلات.

ما الذي حدث وجعل جيلًا كاملًا يحلمُ بالإنجليزية؟ أيكون الحلُمُ في المنام فحسب أم أنه ينسحبُ على واقع الحياة وتفاصيلها الـمُعاشة يوميًّا؟ أتكون دميةٌ تافهةٌ مثل (لابوبو) جزءًا من هذا الاستلاب هي الأخرى؟ هل سيحلمُ أحفادُنا غدًا بالكوريَّةِ والصِّينيَّةِ -تبعًا للمُهيمن؟

في مرحلةٍ من مراحل طفولتي ومراهقتي داومتُ على تسجيل أحلامي في دفترٍ خصَّصتُهُ لها. اعتقدتُ -ولا زلتُ- أنَّ الأحلامَ منجمٌ للأفكار الأدبية، ورؤيةٌ بديعةٌ لا تُقتنصُ على أرضِ الواقع. كنت أهبّ من نومي لأحمل دفتر أحلامي الموضوع إلى جانب السرير فأدوّن من فوري الحُلُم قبلَ أن يطير، ثم أعود من حينٍ لآخرٍ فأقرأ ما كتبتُ، أحلّلُ وأنتقي، أضحكُ لغرابة بعض الأحلام، وأتفكَّرُ فيما تحمله معاني بعضها الآخر. لم يكُن غريبًا أن يحظى كتابُ "تفسير الأحلام لابن سيرين" بحبّي الجارف، الحب الذي جعلني أحتفظُ بنسخة الكتاب القديمة الممزّقة إلى يومنا هذا معي، وأضعها في مكتبتي بعدما أخذتها من مكتبة أبي في بيت العائلة. تفسيرُ الأحلام كان مرتعًا خصبًا لقلمي، مرتعًا خصبًا لعبارةٍ قالتها ابنتي الصغرى (لين) عفوَ الخاطر في يومٍ لم تكد تبلغ فيه خمسة أعوام، إذْ قالت: "قبل أن يخلقَ اللهُ الكَونَ خلقَ الخيال". هذا الخيالُ الذي صار إنجليزيًّا الآن.. أو فلنَقُل: صارَ ينزِلُ -بإعداداتِ المصنَع- بالإنجليزيةٍ.. مع إمكانيّة إضافة ترجمةٍ أو دبلجةٍ للُغاتٍ أخرى قد تُتاحُ إن أصررنا على توافرها في قائمة الخيارات!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى