لحسن أوزين - عندما تصير الكتابة ياقوت، في رواية: "ياقوت" لأسماء معيكل (1/2)

(1/2)


ليس سهلا أن تكون ياقوت، أو أن تدرك الكتابة، الإنسان، الحيوان، الحياة، بوصفها ياقوت، جوهر نادر ثمين. لا بد أن تدفع من لحمك الحي، من روحك، من حياتك ثمنا باهظا. أن تقبل حصة الشر كقدر محتوم لا مفر منه، كجزء من جدلية الموت والحياة التي عليها أن تواصل سيرورتها، بغض النظر عن أحلام وأماني وآمال البشر. طريق ياقوت مفروش بالمعاناة والآلام والعذابات والمخاضات الرهيبة التي تجعل ولادة الحياة مشروطة بالألم والموت ودفع الثمن الغالي. في هذا الواقع الاجتماعي التاريخي المشوه القاسي، والمفعم بالقهر والهدر شرقا وغربا، ليس سهلا أن تكون ياقوت، نقيا نظيفا، عميق الخلق والروح الإنساني والايكولوجي الجامع لكل الخلق بشرا وحيوانات وكائنات...
لكي تدرك هذه المقامات، وتكون وتصير ياقوت، أو أهلا لحمل الروح والعمق الإنساني، وتكتسب قيمة وجودك الإنساني البشري، قد تدفع عمرك أو جزءا منه، لكي تولد الحياة من جديد.
أولا: قراءة في العنوان والصورة
هكذا هي رواية ياقوت لأسماء معيكل الناقدة والروائية السورية. فمن غلافها وعنوانها تتأسس جمالية الياقوت الثمين، في كونها كتابة/ ياقوت تنسج جماليتها الفنية الأدبية، من خلال عمق وشمولية المنظور لرؤية فكرية تعرف كيف تقول ماذا تقول. نحن أمام صورة لامرأة تحتضن دلالات رمزية قوية في كونها تعبر عن الذات الإنسانية الجامعة بين الحسي والروحي، الصمت والقهر المانع لحق الكلام/الحياة، في وضعية اليد على الفم. كما تجمع بين عري يحمل نبل الصدق والهشاشة وتحدي الأقنعة. الى درجة التجرؤ على انتهاك المحظور وطلب اختراق لعنة الصمت" احك لي حكايتي".
امرأة ترتب داخلها المتشظي الممزق، وهي تغمض عينيها في تأمل وحفر عميق في الذات بعيدا عن جبروت العالم الخارجي. المشحون في خلفيتها بالتباسات ضباب الماضي المسكون بالمعاناة النفسية والعاطفية، والجسدية، والاجتماعية، لصراعات تحكمها جدليات الحضور والغياب، الظهور والانكشاف، القول والصمت، الذات والآخر...
والعنوان ياقوت في دلالاته الساحرة والحارقة في الوقت نفسه، بين كونه حجرا كريما لا يقدر بثمن وتشظيه الى حد التمزق الهووي، المعبر عن صورة المرأة المقهورة الى درجة هدر الكلام، وقمع حق السرد في أن تكون وتصير قادرة على الوجود الحر المستقل. هكذا تعبر عن حاجة امتلاك حق تحرير السرد من الاختناقات المانعة للصوت. تفعل ذلك من خلال توسط فني جمالي ( القارئ/ الكاتب: احك لي حكايتي. تترابط ايحاءات الصورة والعنوان في خلق مفارقة الصمت/المرأة الغارقة في تأمل تشظيها الداخلي، والحاجة الى الكلام المعبر عن نشأة مستأنفة للكلام/ السرد. كما لو أننا أمام بوح مؤجل بتعبير جاك دريدا. يحاصره في الصورة ذلك الصراع أو التعارض بين الطبيعة الرحبة المضيافة المفتوحة النهايات، والجسد المنكفئ والمنغلق على نفسه. إننا أمام انكشاف الجسد الذات وغياب الصوت المخنوق والمكتوم. وذاكرة لم تعد تقبل بالصمت لغة مألوفة، بسبب القهر الاجتماعي الثقافي. هكذا يتحول جسد المرأة بتعبير رولان بارت الى أسطورة ثقافية اجتماعية. إننا إزاء ذات مغيبة فاقدة لصوتها الخاص، علها تجد ساردا يمكنها من استرداد صوتها المهدور.
هكذا تتضافر صورة امرأة فقدت صوتها، والعنوان "ياقوت" بدلالاته الثمينة، لتعبر عن رواية ذات قيمة جوانية، كجوهر نفيس. في تكامل وتوتر رائع يتولد المعنى بين عنوان يعري صمت الصورة، وصورة تعكس الرغبة في السرد والحكي. التي أهدرها سياق اجتماعي قاهر وضاغط، أقرب الى قدر الموت، وألم الفقدان المتخطي لإرادة الانسان. لذلك يأتي فعل السرد كتحدي ومقاومة للواقع، في عنفه المتعدد الأشكال والصور، من القهر الى الموت و ألم الفقدان. لهذا يمكن القول إن من بين ايحاءات ودلالات ومعاني علامة ياقوت، هو اشتغالها كذات تحرر نفسها وتستعيد وجودها المغيب، بتوسط جمالي أدبي.
إننا أمام صورة جسد بقدر ما يكشف ويعري، فهو يتستر في الظل على هوية سردية لتجربة الحكاية. ففي الوقت الذي يصر العنوان على الحكي لم غاب في طيات القهر والصمت: احك لي حكايتي. فإنه يكشف حضورا، لا يكتمل إلا في الحجب الكامن في أثر الغياب بلغة جاك دريدا، الذي على القارئ أن يتولى مهمة استخراجه. باعتبار الكتابة /الرواية ياقوت لا يناله إلا من تمرسوا على حرقة الأسئلة الجمالية لاشتغال الشكل الفني الروائي، في صياغته ألم عذابات القهر والقمع والكبت، وسمو الروح الإنساني في تجاوز رعب الموت ومحنة القدر.
هذا يعني أن الحكي المرغوب في كشف حجبه واستحضار أثره، ليس في متناول اليد. إنها حكاية مؤجلة لا تنكشف إلا في صمتها وحجبها، ولا تحضر إلا في غيابها، القابع في الظلال والطيات والشقوق. في نوع من الاقتراب من المستحيل الذي أعاقته سياقات وسيرورات لها منعطفاتها القهرية. هكذا تلامس الرواية الغياب دون القدرة على امتلاكه. يظل منفلتا بوصفه: الصمت، الحجب و الغياب، شرطا للكتابة والسرد.
ثانيا تفكيك الخطاب الجندري بوصفه بناء اجتماعي ثقافي
تحكي الرواية تجربة امرأة اسمها ماريا عاشت طفولة الفضول المعرفي، والاسئلة الحارقة العلمية والاجتماعية والثقافية. وكان السؤال روح وجودها وكينونتها وبنائها الذهني والشخصي. تحسبا لما سيأتي من مفاجآت القهر الاجتماعي والثقافي، في ظل نظام أبوي ونزعة مركزية ذكورية، لا ترحم حضور النساء وبروزهن في مختلف مجالات الحياة المجتمعية. وهذه اليقظة الفكرية والصحوة النفسية الوجدانية والقيمية الإنسانية تقاسمتها ليس فقط في علاقاتها الاجتماعية بالبشر، بل أيضا مع الحيوانات. من الدجاج والطيور والماعز. فكانت عنزتها ياقوت أشبه وأقوى في علاقتها الوجدانية والنفسية، من علاقاتها بالبشر. وقد أدى بها فضولها العلمي الى التعرف عن قرب بعلم الاحياء. الشيء الذي ورطها عن طيبة خاطر، في الكثير من المواقف والتجارب التطبيقية، الى حد تشريحها للحيوانات، قصد التعرف على أعضائها الداخلية. لذلك عاشت تجربة نوعية عاطفية وأخلاقية مع العنزة ياقوت، كما لو أنها ابنتها. وفي سياقات هذا الارتباط والتعلق بالحيوانات مرت بتجارب مؤلمة من الألم والفقدان، وهي تحضر لحظة موت العنزة الام في لحظة مخاض مرعبة عاشت فيها الابنة، في الوقت الذي فارقت العنزة الأم الحياة. كما أن ماريا تألمت بشكل فظيع يوم ذبحت الأسرة ابنتها العنزة ياقوت. الشيء الذي جعلها منها إنسانة نباتية كارهة الاعتداء على الحيوانات بالذبح. وكان هذا سببا لتتخذ موقفا حازما وصارما من أفراد أسرتها الذي لم يتورعوا من أكل لحم ابنتها ياقوت. بين الموت والذبح عاشت ماريا مرارة وألم ورعب الفقدان. الى درجة الاستبطان لفوبيا التكرار القهري، لموت المخاض المرافق للولادة من جديد للحياة.
وبفضل ميول ماريا واهتماماتها العلمية والمعرفية تمكنت من تحقيق نتائج دراسية أهلتها لولوج كلية الطب. و استكملت دراستها في لندن. حيث تعرفت هناك على أستاذها مايكل الذي أحبها بصدق واحترام وتقدير ذاتي، خال من القهر والهيمنة الابوية بنزعتها الذكورية. ورغم الحب الذي تكنه لمايكل فإنها رفضت اجتماعيا وثقافيا وهوويا الارتباط به. لذلك عادت الى بلدها ومارست مهنة الطب بكفاءة وجدارة ورفضت الزواج القهري الذكوري الذي لا يحترم ذاتها وقيمتها الإنسانية. ورغم حرصها على تفادي ثقافة وعقلية الذكورة الشرقية، فإنها تزوجت برجل شرقي حتى النخاع في تشوهه بين ظاهر منفتح وحداثي، وتقليداني متسلط وعدواني ثقافة وقيما، غارقا في ازدواجية مقرفة، حسب المصلحة والمنفعة السلطوية للقهر الذكوري للنظام الأبوي. وخرجت من هذه التجربة بالطلاق من زوجها، بعد أن فقدت ابنتها التي فارقت الحياة لأسباب صحية ارتبطت بالولادة المتعثرة بشكل أو بآخر. ولاعتبارات شخصية نفسية واجتماعية اختارت العمل في إحدى دول الخليج. وهناك بالصدفة التقت بأستاذها وحبيبها مايكل. فعاشت معه تجربة زواج رائعة مفعمة بالحب والصدق والتقدير والاحترام. لكن التكرار القهري لتجربة الفقدان، ستجعل من ماريا ضحية هذه المرأة لتعيش الصغيرة، التي أخذت اسم ياقوت صحبة أبيها مايكل الذي كان لها أبا وأما، هوية وذاكرة، ماضيا وحاضرا، ساردا مقاوما للصمت والنسيان، وعذابات سلسلة التكرار القهري لألم الفقدان.
وفي سياقات ومنعطفات سيرورة السرد، كانت الراوية تعمل على تفكيك التمثلات والتصورات والمعتقدات، التي عمل هابتوس الافتراضات المسبقة، للنظام الثقافي الاجتماعي الأبوي الذكوري على تشكيله وتكريسه، ومعاودة إنتاجه في ممارسات وعلاقات اجتماعية عمودية تسلطية أبوية. مشحونة بالقهر والظلم والتحطيم للإنسان والحيوان والطبيعة...
تخلخل الرواية الكثير من المسلمات الذكورية، التي تشربها الفرد منذ ولادته كحقائق طبيعية مُغيبة لحقيقتها الاجتماعية الثقافية. تكشف وتسائل الكتابة هذا التشوه الذي حال دون إدراك الانسان لجوهره الثمين، وهي تورط قارئها في مواقف وتجارب حياتية تستفز ما استقر في ذهنه من تمثلات وتصورات اجتماعية ثقافية تلبست قناع الطبيعي. تفكك الكتابة هذا الهابتوس الذي يحدد الرؤى والأفكار، ويمنح المعنى ويسقط الدلالات، ويوجه بصيرة الفهم والتأويل وجهة تعيد إنتاج القيم والأفكار والمعاني السلطوية والتمييزية. فالأدوار الجندرية المنزلة كحقائق وقوانين طبيعية في علاقة ماريا بزوجها الأول تتفكك و ينهار معيارها الأخلاقي القيمي، والثقافي الاجتماعي، في علاقتها بزوجها الثاني مايكل. خاصة حين نراه يكسر وينتهك جدار رعب الطبيعي الذي سيج التقسيم التقليدي للأدوار الجندرية. فالرجل يمارس أدوار العناية والرعاية بفخر واعتزاز دون أي شعور بالدونية والنقص، أو المس بقيمته وكرامته كإنسان يجمع بين الأم والأب. والجميل في الرواية وهي تخلخل وتفكك الكثير من الرؤى والأفكار المفعمة بالثنائيات النمطية رجل امرأة، أو شرق غرب، لا تسقط في الفهم والتأويل التبسيطي للعلاقات الاجتماعية الإنسانية، بل تعمق النقد الفكري وتوسع المنظور، لفهم وإدراك الإمكانات الإنسانية التي يحفل بها الوجود البشري، بعيدا عن قوالب الانتماءات الجغرافية والقومية والدينية. كما أنها لا تهاجم القارئ في أفكاره وتصوراته وتمثلاته على أنها زائفة وخاطئة، بل يجد نفسه أمام مثال حي يناقض كل الهابتوس الذي تربى في ظله، وبذلك يتزلزل تصوره للرجولة. وهنا تكمن جمالية الرواية في أنها تمنح القارئ أفقا للتفكير والتمحيص والنظر النقدي. وليس التأثير عليه ودفعه الى تغيير تصورات ومعتقدات وممارسات وقناعات بأخرى. فهدفها ليس إعادة الوعظ والتوجيه الى قناعات وتصورات أخرى جاهزة، بل تحرير الوعي من سطوة التحكم القهري في العقل والحرية والإرادة والاختيارات...
الامر لا يتعلق بالهدم للمسلمات أو خلخلتها فقط، بقدر ما تزج بالقارئ في معمعة الشك، كنمط تفكير وأسلوب حياة. هكذا تعاش التجربة، من خلال تفاعل القارئ مع الرواية. وهو يسهم في بناء قطبها الجمالي الفني، وخصائصها المعنوية والفكرية، عبر بناء المعنى. حيث يعيد النظر ويمعن التفكير في مفاهيم جاهزة كالأمومة والقدر والتضحية والزواج والحب...، خارج نمطية القوالب المريحة والموروثة.
هكذا هو عمق الياقوت الذي تستهدفه الرواية، حين تتجاوز التحديدات والتعريفات البيولوجية الضيقة. وبذلك تتوخى الوصول إلي الياقوت في جماليته الإنسانية القصوى. تحفر في الطبقات الاجتماعية الثقافية والدينية التي تراكمت عبر التاريخ. بشكل دائري مشحون بالمعاناة والألم وعذابات الفقد من جيل لآخر.
" بعد اكتمال العش، وضعت الأنثى البيض، ولاحظت تشاركهما في العمل؛ فحينما ينزل أحدهما لتناول الطعام والشراب، يتولى الآخر حضن البيوض نيابة عنه. بنيا العش معًا، واحتضنا البيض معًا، وحرساه معًا. كانا يعملان بشكل متساوٍ تمامًا.
فمن أين جاءت إشكالية الذكر والأنثى؟!"
وهذا سؤال عميق تطرحه الرواية، سؤال يخلخل ويشكك في مسلمات القارئ، الذي يعيش تحت سيطرة هيمنة ثقافية ذهنية تسلطية. ليس ضد المرأة فقط، بل ضد إمكانية مجتمع عادل وأكثر إنسانية للفرد والجماعة والمجتمع. فغالبا ما يبرر النظام الأبوي الذكوري القهر والتسلط الجندري، على مستوى تقسيم العمل والأدوار، بحجج واهية يستند فيها على الطبيعة. لكن هذا المشهد الشفاف الصريح الذي يكاد يفقأ عيون الذكورة، يظهر بأن التكافؤ والتقاسم والتشارك والتعاون والمساواة والعدالة هو الأصل. لذلك فما يعتبره النظام الأبوي السلطوي طبيعيا هو غير طبيعي إطلاقا، مقارنة بما يحدث في الطبيعة. وهذا المشهد يتكامل مع مشهد إرضاع مايكل لطفلته ياقوت.
والنظام الأبوي السلطوي يحقق هذه الهيمنة ويُسيّد مسلماته، من خلال ثقافة الإرهاب والصمت المشحونة بالعيب والعار، والجهل والخوف من المعرفة والنقاش، والتواصل النفسي والمعرفي، والوجداني الاجتماعي. فجهل البنات بأبسط الأشياء من التغيرات الجسدية كالعادة الشهرية، يبقى دليلا على الكم الهائل من القهر والصمت والخوف. والتبخيس والاحتقار للعلم والمعرفة والتربية وكرامة الإنسان. فالبنت التي صارت مسخرة في المدرسة بسبب علامات دم العادة الشهرية، يمثل أقصى درجات الإرهاب النفسي. الناتج عن نظام ثقافي اجتماعي مشوه ولده الجهل المقصود والمنظم، لبنية أخلاقية غير عادلة، يسود فيها الخوف والقلق بدل الفهم والوعي. فحين تضع ماريا قطعة قماش في محفظتها خوفا من أن يحدث لها ما عانته منه زميلتها، يجعلنا نفهم كم يكون جسد المرأة مصدر إرهاب وتهديد دائم. الشيء الذي يدل على رعب نظام الصمت والقمع والكبت، والجهل المقدس لبنية أخلاقية يعتقد أهلها أن ذلك هو الحياء ومكارم الأخلاق.
والرواية لا ترمي الى القول بأن الأبعاد الجندرية ليست بيولوجية إطلاقا، بل هناك ترابط ما بين البيولوجي كالولادة والرضاعة، وبين ما تؤسسه وتبنيه الأنظمة الثقافية الاجتماعية الأبوية، من تصورات وأدوار ومعاني، وتوزيع ظالم للسلطة. وهذا الجدل في الرواية كامن في العلاقات بين الجسد /الأمومة/ الرعاية/ الذاكرة، المشاعر و الأحاسيس.
والمسألة لا تنحصر في العلاقات بين البشر، بل هناك توازي رهيب لوحدة المعاناة والألم بين الإنساني والحيواني. فموت العنزة بعد الولادة، وموت ماريا في لحظة المخاض، يهدم جدار الحدود والعزل، ويكشف عن وحدة الألم والفقد واستمرارها الفظيع.
ثالثا: ما بعد الاستشراق
لا تتورط الرواية في معاودة إنتاج الأفكار والرؤى الاستشراقية، من خلال علاقة ماريا بمايكل. فحكاية علاقة الحب الصامتة المحبوسة في جوف القلب، تؤكد أن الرواية لا تمجد نموذجا ثقافيا، بقدر ما تسعى الى تعرية وتفكيك الخلفيات الفكرية والثقافية، والدينية لمنطق آليات التسلط والهيمنة السائدة، في العلاقات الاجتماعية الإنسانية. والكتابة بهذا الشكل تنفتح على القارئ وتدفعه للسؤال والتفكير النقدي، فيما ترسب في الأعماق من أحكام وقوالب معيارية. رسخها الجهل المقدس والتكرار القهري لآليات الهيمنة الثقافية الاجتماعية. هذا هو القلق الجميل الذي لا يقف عند حكاية ماريا، بل يتسلل عبر سيرورة القراءة، حيث لا شيء يميز مايكل عن ماجد جغرافيا. فالقيم الإنسانية النبيلة يمكن للذات الإنسانية اكتسابها وعيشها، كما يمكن للفرد إعادة تكوين وتشكيل ذاته، متحررا من قوة وتجذر الهابتوس القهري السلطوي الذي تشربه مع حليب الطفولة. فتنفجر الأسئلة في ذهن القارئ دون أن تجبره على تغيير تمثلاته وتصوراته للتقسيم الجندري للأدوار. ولمكانة وقيمة المرأة في سياق علاقات اجتماعية قاهرة وظالمة. فما يستفزه ويزعجه أثناء القراءة: هل الهابتوس الذي تشربته هو الفهم الوحيد الممكن للعلاقات الاجتماعية في نظرتها الدونية القهرية ليس للنساء، بل أيضا في حيلولتها دون وصول الفرد الى الياقوت الثمين لبعده الإنساني؟ ما الذي أخشاه وأخاف من تفككه هل القيم الإنسانية النبيلة، أم نظرتي وصورتي التي تلقيتها عنها بفعل شفرة اللاشعور الثقافي الاجتماعي الجمعي أبا عن جد؟
فالرواية لا تنتصر لنموذج ثقافي غربي، بل تضع القارئ في منطقة القلق والتوتر والسؤال، فاسحة المجال لحريته وإرادته واختياراته في التغيير والحسم. وهي بذلك تؤسس معه علاقة بناء المعنى وتوليد الدلالات، حين تضعه وسط تجارب إنسانية مؤلمة مرعبة وحارقة، شديدة التعقيد والتركيب.
فزواج ماريا الأول برجل شرقي لا يعني حكما قاسيا في حق الشرق كما هو متداول، بل الامر يتعلق بنموذج أبوي ذكوري تسلطي مشبع بالتناقضات، والازدواجية بين العمق التقليداني المتخلف، وظاهر سطحي مخادع مغلف بقشور الانفتاح والحداثة. هذا يعني أن الرواية لا تسقط في فخ الاستشراق والاستشراق معكوسا كما نبه الى ذلك صادق جلال العظم. فهي لا تعوض صورة سلبية عن الشرق، بصورة نمطية براقة وغاية في المثالية عن الغرب. وبين طيات الرواية وشقوقها تتشكل معاني تتجاوز الاختزال الجغرافي، لتفكك بنى السلطة وشكل توزيعها غير العادل وسط العلاقات الاجتماعية، خاصة في العلاقة بالمرأة. وبالمقابل فعلاقتها بمايكل لا يعني الدلالات المثالية النمطية المرتبطة بالغرب، الى حد الانبهار، بقدر ما يعبر عن إمكانية إنسانية لا تختلف عن صورة ماجد الحب الأول المكبوت الذي عاشته ماريا بصمت قاتل. لهذا الرواية تؤرقها أسئلة ترتبط بمدى إمكانية فصل الجندر عن السلطة في العلاقات الاجتماعية، أم أن الامر أعقد من ذلك، حيث العلاقات تعيد إنتاج أشكال مختلفة من التسلط والهيمنة تبعا لسياقات فردية وجماعية ومجتمعية. وهل حقا يستطيع الحب في صورته الإنسانية تخطي ما هو بنيوي ثقافي اجتماعي أم ينتهي به المطاف الى إعادة تكييفه وضبطه تبعا لإكراهات تلك البنى القاهرة؟ وما الذي يجعلنا نتورط في فهم وتقييم والحكم على تجاربنا من منطلقات زائفة ومضللة يفرضها منطق آليات التفكير الثنائي الجاهز شرق /غرب، ذكر/ أنثى؟
الرواية تفكر خارج دائرة إيديولوجية الاستشراق النمطي، ولا تبشر بعكسه. فالسرد يشتغل بعمق حكائي جمالي على تفكيك التصورات الجاهزة، والقوالب المهيمنة، وليس على استبدالها بأخرى بعيدا عن الرؤية الضيقة أيهما أحسن وأفضل وإنساني الشرق أم الغرب؟ وما يؤكد اهتمام الرواية بالعمق الإنساني في العلاقات، هو توسيع القيم الإنسانية لتشمل ما هو حيواني وكوني. بمعنى إيكولوجي جامع وشامل لإمكانية أن يكون الفرد أكثر إنسانية.
تبعا لهذا الوعي تطرح الرواية الوجوه المتناقضة لعلاقات اجتماعية تبنى في ظل رجولة سلطوية، تخشى العاطفة وتمارس لعبة الأقنعة. ورجولة إنسانية تشعر بالفخر والمعنى والامتلاء، وهي تمارس الرعاية والعناية. لكن أفق سيرورة القراءة يبني سؤالا حارقا حول مدى إمكانية أن تتحول العلاقة الإنسانية الى قاعدة، أم أن الأمر ليس أكثر من حالة استثنائية معزولة ولدها الألم وعذابات الفقد؟
رابعا : الهويات تبنى لا تعطى
بناء على ما سبق يمكن القول إن الرواية تفتح أفقا نوعيا للتفكير النقدي في الهوية على أنها ليست ثابتة ولا جاهزة، بل هي في سيرورة تطور ونماء وتحول وبناء لا تتوقف فيها عملية الإضافة والحذف والتغيير والتعديل، أو استبدال القوالب النمطية القهرية التي تتحكم في الممارسات والتصورات والمعتقدات في إنتاج المعنى وتوليد الدلالات. وبناء وتشكيل العلاقات الاجتماعية في الحب والصداقة والزواج...
يتخلى مايكل عن اعتقاده الديني الموروث ويعتنق بحب الدين الإسلامي. ولا يقف الامر عند هذا الحد يغير اسمه الى محمد مايكل. ويمارس الطقوس والشعائر والعبادات، بنفس مطمئنة خاشعة قابلة بالطاعة ومشيئة القدر. فقام بالعمرة والحج انسجاما مع اختياراته الجديدة. خاصة وهو يتخلص من الهيمنة الإعلامية الغربية الثقافية والسياسية في تقديمها لصور استشراقية مشوهة للدين الإسلامي وأهله. فالنبل الإنساني والقيم الإنسانية في الاحترام والأخلاق ، والتقدير للمرأة والأخر ليس حكرا على الغرب. فالرواية، من خلال ماجد صديق ماريا، حريصة على تجاوز هذه الثنائيات المضللة للوعي، والمانعة للتفكير النقدي الإنساني، المتحرر من مختلف أشكال التمييز والتفاضل الجغرافي، والهووي والانتمائي والاثني والديني. وإبرازها الإمكانيات الإنسانية الممكنة سواء في الشرق، أو في الغرب.
ومايكل يواصل مع ماريا كسر الحدود وبناء الجسور المضيافة الحاضنة للتفاعل، وتبادل تمرير المعنى المخصب لولادة الإنسان الجديد. المتحرر من القوالب الجندرية، والهويات المفروضة قسرا، اجتماعيا وثقافيا، حارمة الرجل من التواصل والتفاعل، مع أجمل وأثمن ما فيه من نبل إنساني، الجوهر النفيس: ياقوت.
ففي اللحظة التي يمارس مايكل دور الأم، حين يحتضن الطفلة ويطعمها رغبة في تعلم كيف يمنحها الحياة، تنهار الأدوار التقليدية وتهتز المسلمات الجاهزة، وتعلن الذات عن سؤال الهوية كحرية وفعل اختيار نابع من حماية الحياة، والقدرة على تعلم منحها للآخر. وهذا ما فعلته العنزة أيضا في إطعام الصغيرة. والشيء نفسه حصل مع ماريا وهي تحكي عن تجربتها. وبالتالي فلا شيء يميز الانسان على هذا المستوى. حيث الأمومة والرعاية سلوك غريزي، نابع من بنية الحياة. ولا حدود تفاضلية بين جميع الكائنات. هذا ما نلمسه أيضا في مشهد الحياة الزوجية بين الطيور.
فهويات مايكل تتداخل مع هويات أخرى لحظة إطعامه للصغيرة ياقوت، فهو من خلال الشعور والأحاسيس التي انفجرت في أعماقه، وعبر ثنايا الجسد، يصير ماريا بشكل أو بآخر. كما يصبح العنزة، من خلال فعل الإرضاع البدائي. إننا أمام هوية ثرية تجمع الأب والأم والحيوان، وتعمل على مقاومة الموت والفقد لضمان استمرار الحياة عبر الجسد.
خامسا : الأبعاد الرمزية لجدليات التكرار
بفعل جدلية الحب والالم، الحياة والموت، تتغير الدلالات العميقة في الرواية، فهي ليست حكاية اجتماعية مفجعة المصائر، بل فعل سردي مقصود لإنتاج المعاني الرمزية، من خلال بنية التكرار.
تموت العنزة ياقوت بعد الولادة وتخلف وراءها صغيرتها، وهذه الأخيرة، ياقوت، تذبح ذات يوم فظيع، مما خلف جرحا دفينا في جسد وذاكرة ماريا، التي ستعيش التجربة نفسها وتموت أثناء الولادة، فتترك صغيرتها ياقوت. وهذا يحمل دلالة أن غياب المعنى وسيادة الالتباس وعسر الفهم وعدم شفاء الألم يؤدي، فيما يشبه سطوة القدر الملعون إلى استبطان حتمية التكرار القهري، و عودة الألم بشكل معقد ومركب. هكذا تجتمع وحدة المعاناة واجترار المأساة نفسها بين الانسان والحيوان. فالفقد والموت والأمومة خاصية مشتركة بين كل الكائنات. لكن الإنسان يعيش الموت بشكل مضاعف وشرس في تدميره البعد النفسي، ووشم الذاكرة بالحديد. فالعنزة تموت بيولوجيا لكن ماريا تموت عشرات المرات مند ذبح ياقوت الاولى صغيرة العنزة. فتحمل ماريا في جوفها جرحا تأسيسيا فظيعا. كما لو أن الرواية من عنوانها الى آخر صفحة تقول: إن ياقوت، أجمل ما نملك هو ما نفقده في حتمية قدرية تتجاوز الاختيار والإرادة. فالياقوت هو الحياة التي تولد من رحم الألم والمعاناة، وتظل مستمرة تحت سطوة سيف الألم الذي يهددها باستمرار. إما بسبب العنف البشري حين ذبحت العنزة ياقوت، أو حين ماتت ماريا بسبب عنف القدر/ الطبيعة، حيث لا يمكن للإنسان أن يفلت وينجو من حصة الشر، التي تتربص به، وتترصده، الى أن تفتك به ذات لحظة من حيث لا يحتسب، دون شفقة ولا رحمة، مخلفة ألم الفقد الفظيع. هكذا تتكرر التجربة عبر المشاعر والأحاسيس، وعبر الذاكرة والجسد، وعبر الحكي. يتواصل التكرار من الحيوان الى الانسان، ومن ماريا الى مايكل، ومن خلال الحكاية داخل الحكاية. وبالتوازي مع هذا تتكرر الأسماء (ياقوت). وفي هذا السياق الرمزي الجميل ندرك أن الحياة تستمر في أشكال مختلفة، سواء من خلال الولادة، أو عبر التجربة الإنسانية. وما يكتنفها من مفارقات تجمع بين تناقضات غامضة، وشفافة أنيقة غاية في النقاء، الى حد الألم. تبعا لهذه السيرورة يتكرر جدل الحب والألم، حافرا في طيات ذاكرة جسد النص جراحات السرد العاري.
وتكرار موت الأم بعد الولادة بالنسبة للحيوان والإنسان، يرمز فنيا الى ما يحجبه عطاء الأم من تضحيات لا تقدر بثمن، تحت تهديد سيف الفقد المحتمل في أي لحظة. فالأمومة بوضفها ياقوت لا تراه الرجولة السلطوية والنظام الأبوي الذكوري. وفي ايحاءات أخرى للبعد الفني الرمزي للرواية، يتضح لنا بأن إصرارنا على استرجاع ما خسرناه وفقدناه، في صورة أقرب الى تصحيح الماضي، دون الشفاء من جراحاته الرهيبة الحافرة في الأعماق، يُنتج العكس وتعاد المأساة بشكل شرس وعميق و فظيع. فما يبقى خارج دائرة المعنى والوعي والحسم الصريح، يتكرر قهريا كقدر محتوم. الشيء الذي يثير أسئلة الحد الفاصل بين ألم القدر التكراري، و نمط حياة نسهم من خلاله في إعادة إنتاج الألم دون وعي منا؟ وهل نستطيع حقا ترميم جدران الماضي المهترئة، من خلال أفق المستقبل؟ وما مدى مصداقية هذه الإمكانية؟
هكذا تورطنا الرواية في جنون الحب والعشق والرغبة في التعويض بحثا عن الخلاص، الشيء الذي يؤدي بنا الى معاودة إنتاج الفاجعة.
وتبعا لهذا الإيقاع الجهنمي يشتغل التكرار في الرواية، كصدمة خارج دائرة الوعي، مما يسد أفق تجاوزها. لذلك فإن ما يعسر على الفهم والإدراك وأخذ المعنى، يبقى محبوسا موشوما وعلى استعداد للعودة في الجسد والذاكرة والحكي السردي.

الهامش
أسماء معيكل: " ياقوت " احك لي حكايتي" منشورات رامينا ط1 س2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى