مرثاة شَخصيّة.
وكنتُ أرجِّي من حكيمٍ قيامه
عليَّ إذا ما النَّعشُ زالَ ارتدانيا
فقَّدم قَبلي نَعشهُ فارتديتُهُ
فيا ويح نَفسي مِن رداءٍ عَلانيا.
أبو حكيم المرّيّ.
"1".
هَل جئْتُ وسواي
الى العالم لنكون غَنيمة للدودة؟ تَخيَّلْتُ
على الدَوام أن فقْداني لعائلتي وذَويّ،
مُجرَّد أمْثولة للمَوت الذي لا يأْبه لغيظنا
مِنْه. هَل لي أن آخذ الوَقْت الكافي لخياطة
كَفني قَبل أن يَغْتمّ المَرض ولا يَتَعفَّف عَن
الحاق الهَزيمة بي؟
أهْلاً وَسَهْلاً: تَقول الحُفْرة، لكن ما يبْقيني
أتَلَمَّس الرَجاء. هو اسْرافي في محاباة ما
اعْتقدته للتَقرّب مِن الله ونَيل غُفْرانه.
"2".
كلّ ما يَتَجهَّم في محاولتنا لتَخْليصه مِن الشراك، يطوي نَفْسه وُيقلّل حاجَته
الى التَغنَّي بمَوته. بَراهين واهنة دمَّرْنا في تَملّكنا لَها كلّ إرادة في صَداقة
الحجارة الرنَّانة. يُنظِّمُ مَن لا شَبَح لَهُ في الطَبيعة حَياته بإفراط عَظيم
للتَشابه مَعَ اللامرئي وَفي تَخلّيه وَعَدَم إحْسانه لما يَنْدَثر ببؤسه. أبَّهَة
ملوك يَتَحاشون الزائل برهابهم مِن الزَمَن. لحفظ حَياة المرء في الميزان
الأزرق للطبيعة، طرق استئصال للأسْقام مُتَعِّدَدة، وَالفَن والأدَب ينْتهكان
حرمة المَوتى في اقتراضهم الدَراهم مِن المَلائكة في يَوم الدَيْنونَة. كلّ
نَغمة وَكلّ كلمة تُدمِّر مَن يَسْتَقل عنّا وَتطيح بموارده القليلة. نُراعي في
خرافتنا عَن الذين أبْحَروا الى مَثْواهم المُتَّضع، مَحبّتنا لَهُم وَتراجيديا نَقْلهم
بالمَراكب الى أرض اللاعوَدَة، وفي اعتمادنا على المَبادىء التي تنْسينا
أيّامهم بَيْننا لا نَسْتَهْدف كَرامتهم والعلوم التي ما كان بإمكانهم تَمحِّصها.
الحمق وَالعَته أنْجع للانسان في إدامَته لسروره بَين النفايَة من المعرفة
المُفْسدة للعافية دائماً.
"3".
شوهِدتْ شياههم ترعى بحديقة ابنة الملك. الحرّاس اختُطِفوا
ولا أحد يعرف سرّ اختطافهم. عَلَت الداهية في الليل والذين
هرعوا لانجادنا مِن ختان السلطة لفتيات رعاتنا، تَمسَّحوا
بالنجوم وزعموا أن الله يُنجَّي الكفّار في تلقينهم للملائكة
كلمات الجماع. تناسوا ندبات عض الفزع بجباهنا ومحاولة
الملك وهو يغلظ القول لنا ويمزَّق مواثيقه مَعَنا وانسلَّوا يدقّون
طبولهم وصنَّاجاتهم ايذاناً بالتعدَّي على أبكارنا واعتبارهنَّ
رهائن لحين تسديدنا الضرائب الثقيلة.
حجبوا أنفسهم بأقنعة انتسابهم الى الغير واحتفظوا بشرابهم
وأرديتهم وأسرَّة الجريد التي تَبخَّرت فيها الدَّوامة المحتدمة
لغضبات الذي أبدى النفور ولم يقبل الصلح.
"4".
فتياتنا بَكين عشّاقهن القتلى واشترطنَ على الذين ينكرون
عليهنَ جزعهنَ أن يصونوا كرامتهم ليستسلمنَ للسلوى وعدم
تَبكيتهنَّ لذواتهنَّ بما يندثر في الفناء. عرَّافات طائفتنا بَكينَ
أيضاً على الشَباب الذين لاقوا حتفهم بملامستهم للشجرة التي
أخفى الشمس فيها ملكنا الخؤون، وجدَّفنَ على المتسلَّطين في
في العالم. ادلهمَّت أرضنا في مناحاتنا على الغرقى واستهجن
الرؤساء شرْبنا البيرة وَرَقْصنا أيَّام العزاء كلّها مَعَ الكهنة الذين
لا يتورَّعون مِن تَلمَّظهم وهم يغرون الفتيات بكشفهن لأشفار
فروجهنَ لهم.
"5".
أدلاَّء سذَّج أحبطوا وصولنا الى الكوَّة المُشعّة للأبدية.
زعيم عصبتهم أقسم ليُفجِّرنَ الشهب ويعود بشرارة،
ويضرب بها القباب المعوَّجة لقبور الشعوب في وهاد
الأرض، لكنَّ أخشاب توابيتنا تتبدَّدُ مُحكِّكَة الوعد الالهي
ويصعد منها بخار المآتم، ولا حلم لنا يستوجب الايمان
بما عقدنا عليه النية في أخوّتنا للملائكة والذين عبروا
ينضحون عَرَق تَصادفهم مَعَ الآلهة التي خرجت تلتمس
الصيد بحقولهم. صنوف فظيعة للعّذاب نرتاع فيها مِن
الجموع التي احتشدت تنافح عَن ضلالها الذي يُمليه عليها
الواجب، والموتى على موائدهم يسيئون الظنّ بكلّ
ما آمنوا به. أفعالهم الشائنة في حياتهم وهم يتعرَّضون
للدغ الرغبات، تقتطع منها آلهتهم غبطتهم الضئيلة ولا
تُطبَّب جروحهم التي ادخروها في تضرَّعاتهم المشينة
للغفران. يُسمح للموتى بالعودة الى ذويهم اذا سدَّوا آذانهم
عَن حنق الكهنة وسخريتهم مِن حرّية الانسان وذاته
الجَزِعة.
"6".
شاطرهم طائر العندليب تحَمَّلهم للإثم وضحَّى بتغريده
للصيَّادين الذين يفزعون نظائرهم بسلبهم مِن الطريدة
عقيق نومها. صفوف قبور أسلافهم في الشمس، تتلقَّى
الأريج الحلو لثمار الطماطم التي يشوونها في أعقاب كلّ
احتفال، وهم ليسوا بمخلَّدين مثلهم ولا تؤثر فيهم الشُعَل
العظيمة لاحسان الطبيعة. أصهارهم اللؤماء لجَّوا في غلوهم
مِن كراهية النعمى التي أغدقها عليهم إلههم في الربيع،
وراحوا يوسَّعون الهوَّة بينهم وبين الأقلَّيات التي تشترك
في العيش معهم بأرضهم وتسارع الى ارضاء آلهتها بأوّج
الحاجة الى القوت. ثمار مشاعة للخليقة في العالم، لكنَّهم
بابادتهم للأجناس الأخرى بسبب جشعهم، اقترنوا بما يهمَّه
مزج حلم الانسانية في الرماد الذي تتغطَّى به المصائر في
ازدراء الخواء الكلّي لنهاية كلّ ما يدبّ على الأرض.
"7".
قُيِّضَ للذين نجوا مِن نعمة الطوفان ونحروا أدعيتهم الى
آلهتهم الوطنية، أن يستروا جثامين الغرقى بما تحاشاه الله
في سخطه على البشرية. هدر الأوقات في الصلاة وطلب
المعونة مِن المفتونين بانزلاقهم صوب الهاوية التي يستسلم
فيها الانسان الى حتفه، أكثر شيوعاً لدى الأقوام التي تنعى
نفسها ولا تتحمَّل العيش بعيداً عَن الذي يتبرَّم مِن الكلّ في
نسيان فرد واحد لصلاته له. ليس للفرد الذي تُرك وحيداً
في البرَّية ما يعتذر عنه، ونكثه لعهوده المزعومة معَ كلّ
إله، فِرْية تتَّخذها الآلهة لتدمير الحياة، لكن الإفادة التي لا
ينكر فيها المرء مشاركته للمذنبين خلو بالهم مِن المرجعيات
الدينية، فعل جليل ولا تعافه النفس في ارتيابها مِن رقاعة
الكهنة وأربابهم الأجلَّاء.
"8".
أسباب كثيرة دعتنا الى ذمَّهم في ارتكابهم للمحرَّمات
واحاطتهم قبور الموتى بفتات ما يتساقط مِن النجوم.
ميزة أخرى لهم نعجز فيها عن كبح جماحهم في دأبهم
المستمر للتخلَّص مِن الخصال التي ورثوها عن زمنهم
في العيش بالكهوف والغابات. اقصاؤهم الغير مِن حديقة
الصلاة وعدم استجابتهم الى ما تطلبه منهم الطريدة وهم
يطلقون صوبها العوائق ويبرمون لها أسرارهم، فعلان
فظيعان يجردانهما مِن حصَّتهم التي منحها الله للبشرية.
طوائف تحاذيهم تُجمِّل يومها بأشياء لا تحصى ولا تنتهك
القواعد الخيّرة للسلوك، تلجم الميت عن ذرَّه لتراب حياته،
وشعائرها تستهوي الشرَّاح والملائكة التي تغلط في
الرياضيات.
"9".
توَّاقون بتلهَّفهم لمصاهرة المخاليط أبدوا أسفهم على كلّ
شاذّ الخلقة في الطبيعة. قُبالة صَوامعهم تَجمَّعت الطيور
تتلمَّس إشارة مِن يَد الرسول المرخاة، لكنّه في ذهوله مِن
تظليل أشجارهم لهم بافزاعهم للثمار الفَتية، تَملَّكه الخوف
في تقاضيهم للأجور مِن إلههم الذي لا يؤمنون به ولا
يأبهون بتدنيسهم لمتلكاته الفقيرة. ألقى ما جاء به في البئر
الذي تضع فيه قبائلهم الأعضاء الجنسية للموتى وقالَ:"
عتوَّكَ يا ربّ لا يبالي به المتقوَّل ضدّ خليقتكَ زوراً وأنتَ
تحتاج لإيمانهم بكَ الى تغريدة طائر مِن الفردوس تُذاع
عَليهم في الصباح والمساء". تَكدَّست فوق أكواخهم الغيوم
وظهر مِن بين تجاويفها النور العظيم للفضل الإلهي. عظَّموا
شأن ذواتهم وصالحوا الفاسق والملحد والغادر وكفَّوا عَن
نزاعهم مَعَ ما يستلبهم كرامتهم الانسانية.
"10".
ألْزَمتْنا مشاركتهم الموعظة للموتى في تَهْشيمهم لمراقدهم،
على اعطاء الفدية الى الذين فرَّطوا بعهدهم مَعَ الأقوام التي
رَهَنت قرابين أعيادها لدى السَحَرة والمُتكهَّنين الذين ينتزع
الفَزَع منهم جروحهم المُغطاة بغبار السياسة والدين والاقتصاد.
عباداتهم الخرقاء حَوَت الكثير مِن الشعائر المشؤومة لشعوب
ما قبل التاريخ، وفي معبدهم الذي يربطون فيه دواب آلهتهم
ظلال سود لشجر الخيزران، يضطجع فيها السقيم مِن أجل
الغيبوبة واستنباط المغزى لاجتلاب الآلهة الموت الى العالم.
انطراح الانسان وهو يتشبَّث بالنسيم على صخرة قبره، فعل
أخرق للاختباء مِن الدودة المتورّمة التي تزّم فمها وتتلقَّى
البركة مِن الله.
وكنتُ أرجِّي من حكيمٍ قيامه
عليَّ إذا ما النَّعشُ زالَ ارتدانيا
فقَّدم قَبلي نَعشهُ فارتديتُهُ
فيا ويح نَفسي مِن رداءٍ عَلانيا.
أبو حكيم المرّيّ.
"1".
هَل جئْتُ وسواي
الى العالم لنكون غَنيمة للدودة؟ تَخيَّلْتُ
على الدَوام أن فقْداني لعائلتي وذَويّ،
مُجرَّد أمْثولة للمَوت الذي لا يأْبه لغيظنا
مِنْه. هَل لي أن آخذ الوَقْت الكافي لخياطة
كَفني قَبل أن يَغْتمّ المَرض ولا يَتَعفَّف عَن
الحاق الهَزيمة بي؟
أهْلاً وَسَهْلاً: تَقول الحُفْرة، لكن ما يبْقيني
أتَلَمَّس الرَجاء. هو اسْرافي في محاباة ما
اعْتقدته للتَقرّب مِن الله ونَيل غُفْرانه.
"2".
كلّ ما يَتَجهَّم في محاولتنا لتَخْليصه مِن الشراك، يطوي نَفْسه وُيقلّل حاجَته
الى التَغنَّي بمَوته. بَراهين واهنة دمَّرْنا في تَملّكنا لَها كلّ إرادة في صَداقة
الحجارة الرنَّانة. يُنظِّمُ مَن لا شَبَح لَهُ في الطَبيعة حَياته بإفراط عَظيم
للتَشابه مَعَ اللامرئي وَفي تَخلّيه وَعَدَم إحْسانه لما يَنْدَثر ببؤسه. أبَّهَة
ملوك يَتَحاشون الزائل برهابهم مِن الزَمَن. لحفظ حَياة المرء في الميزان
الأزرق للطبيعة، طرق استئصال للأسْقام مُتَعِّدَدة، وَالفَن والأدَب ينْتهكان
حرمة المَوتى في اقتراضهم الدَراهم مِن المَلائكة في يَوم الدَيْنونَة. كلّ
نَغمة وَكلّ كلمة تُدمِّر مَن يَسْتَقل عنّا وَتطيح بموارده القليلة. نُراعي في
خرافتنا عَن الذين أبْحَروا الى مَثْواهم المُتَّضع، مَحبّتنا لَهُم وَتراجيديا نَقْلهم
بالمَراكب الى أرض اللاعوَدَة، وفي اعتمادنا على المَبادىء التي تنْسينا
أيّامهم بَيْننا لا نَسْتَهْدف كَرامتهم والعلوم التي ما كان بإمكانهم تَمحِّصها.
الحمق وَالعَته أنْجع للانسان في إدامَته لسروره بَين النفايَة من المعرفة
المُفْسدة للعافية دائماً.
"3".
شوهِدتْ شياههم ترعى بحديقة ابنة الملك. الحرّاس اختُطِفوا
ولا أحد يعرف سرّ اختطافهم. عَلَت الداهية في الليل والذين
هرعوا لانجادنا مِن ختان السلطة لفتيات رعاتنا، تَمسَّحوا
بالنجوم وزعموا أن الله يُنجَّي الكفّار في تلقينهم للملائكة
كلمات الجماع. تناسوا ندبات عض الفزع بجباهنا ومحاولة
الملك وهو يغلظ القول لنا ويمزَّق مواثيقه مَعَنا وانسلَّوا يدقّون
طبولهم وصنَّاجاتهم ايذاناً بالتعدَّي على أبكارنا واعتبارهنَّ
رهائن لحين تسديدنا الضرائب الثقيلة.
حجبوا أنفسهم بأقنعة انتسابهم الى الغير واحتفظوا بشرابهم
وأرديتهم وأسرَّة الجريد التي تَبخَّرت فيها الدَّوامة المحتدمة
لغضبات الذي أبدى النفور ولم يقبل الصلح.
"4".
فتياتنا بَكين عشّاقهن القتلى واشترطنَ على الذين ينكرون
عليهنَ جزعهنَ أن يصونوا كرامتهم ليستسلمنَ للسلوى وعدم
تَبكيتهنَّ لذواتهنَّ بما يندثر في الفناء. عرَّافات طائفتنا بَكينَ
أيضاً على الشَباب الذين لاقوا حتفهم بملامستهم للشجرة التي
أخفى الشمس فيها ملكنا الخؤون، وجدَّفنَ على المتسلَّطين في
في العالم. ادلهمَّت أرضنا في مناحاتنا على الغرقى واستهجن
الرؤساء شرْبنا البيرة وَرَقْصنا أيَّام العزاء كلّها مَعَ الكهنة الذين
لا يتورَّعون مِن تَلمَّظهم وهم يغرون الفتيات بكشفهن لأشفار
فروجهنَ لهم.
"5".
أدلاَّء سذَّج أحبطوا وصولنا الى الكوَّة المُشعّة للأبدية.
زعيم عصبتهم أقسم ليُفجِّرنَ الشهب ويعود بشرارة،
ويضرب بها القباب المعوَّجة لقبور الشعوب في وهاد
الأرض، لكنَّ أخشاب توابيتنا تتبدَّدُ مُحكِّكَة الوعد الالهي
ويصعد منها بخار المآتم، ولا حلم لنا يستوجب الايمان
بما عقدنا عليه النية في أخوّتنا للملائكة والذين عبروا
ينضحون عَرَق تَصادفهم مَعَ الآلهة التي خرجت تلتمس
الصيد بحقولهم. صنوف فظيعة للعّذاب نرتاع فيها مِن
الجموع التي احتشدت تنافح عَن ضلالها الذي يُمليه عليها
الواجب، والموتى على موائدهم يسيئون الظنّ بكلّ
ما آمنوا به. أفعالهم الشائنة في حياتهم وهم يتعرَّضون
للدغ الرغبات، تقتطع منها آلهتهم غبطتهم الضئيلة ولا
تُطبَّب جروحهم التي ادخروها في تضرَّعاتهم المشينة
للغفران. يُسمح للموتى بالعودة الى ذويهم اذا سدَّوا آذانهم
عَن حنق الكهنة وسخريتهم مِن حرّية الانسان وذاته
الجَزِعة.
"6".
شاطرهم طائر العندليب تحَمَّلهم للإثم وضحَّى بتغريده
للصيَّادين الذين يفزعون نظائرهم بسلبهم مِن الطريدة
عقيق نومها. صفوف قبور أسلافهم في الشمس، تتلقَّى
الأريج الحلو لثمار الطماطم التي يشوونها في أعقاب كلّ
احتفال، وهم ليسوا بمخلَّدين مثلهم ولا تؤثر فيهم الشُعَل
العظيمة لاحسان الطبيعة. أصهارهم اللؤماء لجَّوا في غلوهم
مِن كراهية النعمى التي أغدقها عليهم إلههم في الربيع،
وراحوا يوسَّعون الهوَّة بينهم وبين الأقلَّيات التي تشترك
في العيش معهم بأرضهم وتسارع الى ارضاء آلهتها بأوّج
الحاجة الى القوت. ثمار مشاعة للخليقة في العالم، لكنَّهم
بابادتهم للأجناس الأخرى بسبب جشعهم، اقترنوا بما يهمَّه
مزج حلم الانسانية في الرماد الذي تتغطَّى به المصائر في
ازدراء الخواء الكلّي لنهاية كلّ ما يدبّ على الأرض.
"7".
قُيِّضَ للذين نجوا مِن نعمة الطوفان ونحروا أدعيتهم الى
آلهتهم الوطنية، أن يستروا جثامين الغرقى بما تحاشاه الله
في سخطه على البشرية. هدر الأوقات في الصلاة وطلب
المعونة مِن المفتونين بانزلاقهم صوب الهاوية التي يستسلم
فيها الانسان الى حتفه، أكثر شيوعاً لدى الأقوام التي تنعى
نفسها ولا تتحمَّل العيش بعيداً عَن الذي يتبرَّم مِن الكلّ في
نسيان فرد واحد لصلاته له. ليس للفرد الذي تُرك وحيداً
في البرَّية ما يعتذر عنه، ونكثه لعهوده المزعومة معَ كلّ
إله، فِرْية تتَّخذها الآلهة لتدمير الحياة، لكن الإفادة التي لا
ينكر فيها المرء مشاركته للمذنبين خلو بالهم مِن المرجعيات
الدينية، فعل جليل ولا تعافه النفس في ارتيابها مِن رقاعة
الكهنة وأربابهم الأجلَّاء.
"8".
أسباب كثيرة دعتنا الى ذمَّهم في ارتكابهم للمحرَّمات
واحاطتهم قبور الموتى بفتات ما يتساقط مِن النجوم.
ميزة أخرى لهم نعجز فيها عن كبح جماحهم في دأبهم
المستمر للتخلَّص مِن الخصال التي ورثوها عن زمنهم
في العيش بالكهوف والغابات. اقصاؤهم الغير مِن حديقة
الصلاة وعدم استجابتهم الى ما تطلبه منهم الطريدة وهم
يطلقون صوبها العوائق ويبرمون لها أسرارهم، فعلان
فظيعان يجردانهما مِن حصَّتهم التي منحها الله للبشرية.
طوائف تحاذيهم تُجمِّل يومها بأشياء لا تحصى ولا تنتهك
القواعد الخيّرة للسلوك، تلجم الميت عن ذرَّه لتراب حياته،
وشعائرها تستهوي الشرَّاح والملائكة التي تغلط في
الرياضيات.
"9".
توَّاقون بتلهَّفهم لمصاهرة المخاليط أبدوا أسفهم على كلّ
شاذّ الخلقة في الطبيعة. قُبالة صَوامعهم تَجمَّعت الطيور
تتلمَّس إشارة مِن يَد الرسول المرخاة، لكنّه في ذهوله مِن
تظليل أشجارهم لهم بافزاعهم للثمار الفَتية، تَملَّكه الخوف
في تقاضيهم للأجور مِن إلههم الذي لا يؤمنون به ولا
يأبهون بتدنيسهم لمتلكاته الفقيرة. ألقى ما جاء به في البئر
الذي تضع فيه قبائلهم الأعضاء الجنسية للموتى وقالَ:"
عتوَّكَ يا ربّ لا يبالي به المتقوَّل ضدّ خليقتكَ زوراً وأنتَ
تحتاج لإيمانهم بكَ الى تغريدة طائر مِن الفردوس تُذاع
عَليهم في الصباح والمساء". تَكدَّست فوق أكواخهم الغيوم
وظهر مِن بين تجاويفها النور العظيم للفضل الإلهي. عظَّموا
شأن ذواتهم وصالحوا الفاسق والملحد والغادر وكفَّوا عَن
نزاعهم مَعَ ما يستلبهم كرامتهم الانسانية.
"10".
ألْزَمتْنا مشاركتهم الموعظة للموتى في تَهْشيمهم لمراقدهم،
على اعطاء الفدية الى الذين فرَّطوا بعهدهم مَعَ الأقوام التي
رَهَنت قرابين أعيادها لدى السَحَرة والمُتكهَّنين الذين ينتزع
الفَزَع منهم جروحهم المُغطاة بغبار السياسة والدين والاقتصاد.
عباداتهم الخرقاء حَوَت الكثير مِن الشعائر المشؤومة لشعوب
ما قبل التاريخ، وفي معبدهم الذي يربطون فيه دواب آلهتهم
ظلال سود لشجر الخيزران، يضطجع فيها السقيم مِن أجل
الغيبوبة واستنباط المغزى لاجتلاب الآلهة الموت الى العالم.
انطراح الانسان وهو يتشبَّث بالنسيم على صخرة قبره، فعل
أخرق للاختباء مِن الدودة المتورّمة التي تزّم فمها وتتلقَّى
البركة مِن الله.