ليست الحرب ما يسقط على المدن فقط.
الحرب تبدأ حين يُختار لها اسم.
“زئير الأسد”.
ليس صاروخًا.
ليس طائرة.
بل صوت.
الأسد لا يزأر وهو يعض.
يزأر قبل أن يقترب.
ليقول للغابة: أنا هنا.
ليعيد ترتيب الخوف قبل أن يعيد ترتيب الأرض.
لكن الاسم ليس بريئًا.
الأسد في المخيال التوراتي هو رمز يهوذا،
هو القوة التي ترى نفسها امتدادًا لتاريخ مقدّس.
هو ليس حيوانًا في غابة،
بل استعارة سيادة.
وفي الضفة الأخرى من المعنى،
الأسد ليس غريبًا عن الذاكرة الإيرانية.
“الأسد والشمس” كان يومًا شعار الدولة الفارسية،
رمزًا للقوة والهيبة والامتداد الإمبراطوري.
كل طرف يملك أسده في تاريخه.
لكن أحدهما اختار أن يطلق الصوت أولًا.
الزئير هنا ليس وصفًا عسكريًا.
هو إعلان نفسي.
هو محاولة لإقناع الداخل قبل الخارج
أن الهيبة ما زالت كاملة.
الاسم يخاطب ثلاث طبقات في وقت واحد:
للداخل الإسرائيلي:
نحن لسنا مهدَّدين، نحن المفترس.
للخصم:
هذا مجرد الصوت… فماذا عن المخالب؟
وللحلفاء:
نحن من يضبط إيقاع الإقليم.
لكن في ثقافات الحروب غير المتكافئة،
الصوت ليس دائمًا علامة قوة.
أحيانًا يكون علامة قلق.
الأسد يحتاج أن يُرى.
أن يُسمع.
أن يُخيف.
أما البعوضة — كما يقول مثلنا الفلسطيني —
فلا تحتاج أن تُرى.
تكفيها لحظة واحدة
لتصل إلى العين.
“البعوضة تدمي مقلة الأسد.”
ليس انتصارًا للبعوض،
ولا تقليلًا من الأسد.
بل تذكير بأن كل قوة، مهما علت،
تحمل في داخلها نقطة هشاشة.
حين تتحول الحرب إلى صوت،
فهذا يعني أن المعركة لم تعد على الأرض فقط،
بل في المخيال.
في الوعي.
في تعريف من يخيف من.
الزئير محاولة لإعادة تثبيت قصة:
قصة التفوق.
قصة الردع.
قصة من يملك الغابة.
لكن السؤال الأعمق ليس:
من زأر؟
بل:
هل ما زال الزئير يُخيف أحدًا؟
في زمن تتآكل فيه مراكز القوة،
قد يصبح الصوت أعلى من الفعل،
وقد يصبح الاسم أهم من النتيجة.
الحرب الحديثة ليست فقط مواجهة جيوش،
بل مواجهة رموز.
كل اسم يُختار بعناية.
كل استعارة تحمل مشروعًا سياسيًا.
كل كلمة تُطلق قبل القذيفة.
“زئير الأسد” ليس مجرد عنوان عملية.
هو محاولة لترميم صورة.
لإعادة تعريف من هو السيد ومن هو التابع.
لكن الغابات تغيّرت.
والأصوات لم تعد تكفي وحدها لإخافة العالم.
ربما ليست المشكلة في الأسد،
ولا في البعوضة،
بل في الغابة نفسها
التي لم تعد تعترف بملك واحد.
وحين تفقد الغابة قانونها،
لا يعود الزئير ضمانة…
بل يصبح اختبارًا.
لكن الاختبار الحقيقي لا يكون في الميدان فقط.
حين يقول من حاصر غزة باسم الأمن،
ومن برّر القصف باسم الدفاع،
ومن غلّف الإبادة بلغة القانون،
إنه جاء ليمنح شعبًا آخر الحرية،
فالمشكلة ليست في صدق الوعد.
المشكلة في طبيعة اللسان الذي ينطق به.
الحرية ليست خطابًا يُلقى من طائرة،
ولا بيانًا يُقرأ على أنقاض مدينة.
الحرية ليست مشروعًا يُصدَّر.
هي علاقة أخلاقية بين السلطة وشعبها.
ومن لم يعترف بحرية من يعيش تحت سلطته،
لا يستطيع أن يصبح فجأة راعي حريات الآخرين.
فاقد الشيء لا يعطيه.
لكنه يستطيع أن يُعيد تسميته.
يستطيع أن يبدّل المفردات حتى يختلط الدم بالمفهوم.
الكذب في زمن الحرب لا يُقال لإقناع الضحية.
الضحية تعرف.
الضحية تسمع الصاروخ قبل البيان.
الكذب يُقال لطمأنة الداخل،
ولإقناع الجنود،
ولمنح القائد صورة أخلاقية أمام المرآة.
حين تتشابه خطابات ترامب ونتنياهو
حتى تكاد تكون نسخة واحدة،
فهذا ليس مجرد تنسيق سياسي،
بل تنسيق سردي:
نحن لا نهاجم… نحن نحرّر.
نحن لا نقصف… نحن نحمي.
نحن لا نُخضع… نحن نمنح فرصة.
هذه الجمل أخطر من الصواريخ.
لأن الصاروخ ينتهي أثره عند حفرة،
أما الجملة فتمتد في الوعي.
في لحظة ما،
يتحوّل الكذب من أداة ظرفية
إلى بنية حكم.
يصبح جزءًا من آلية إنتاج المعنى.
لا يحتاج إلى دليل،
ولا يخاف من تناقض.
وحين تُسمّى الإبادة تحريرًا،
والعدوان وقاية،
والهيمنة رسالة أخلاقية،
فالمشكلة لم تعد من يربح المعركة،
بل من ينجح في إعادة تعريفها.
الزئير قد يخيف.
الضربة قد تدمّر.
لكن أخطر ما في الحرب
أن يُعاد تعريف الخير والشر داخل اللغة نفسها.
وعندها،
لا تعود الحرب صراع جيوش،
بل صراع مفاهيم.
والتاريخ لا يسأل من صرخ أعلى،
بل من غيّر معنى الكلمات.
وفي النهاية،
قد يسقط الأسد،
وقد تنجو البعوضة،
وقد تتغير الغابة كلها…
لكن أخطر ما يمكن أن يبقى بعد الحرب
ليس الركام…
بل القاموس الجديد
الذي يجعلنا نعتاد سماع الجريمة
وهي تُنطق
كفضيلة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
28/2/2026
الحرب تبدأ حين يُختار لها اسم.
“زئير الأسد”.
ليس صاروخًا.
ليس طائرة.
بل صوت.
الأسد لا يزأر وهو يعض.
يزأر قبل أن يقترب.
ليقول للغابة: أنا هنا.
ليعيد ترتيب الخوف قبل أن يعيد ترتيب الأرض.
لكن الاسم ليس بريئًا.
الأسد في المخيال التوراتي هو رمز يهوذا،
هو القوة التي ترى نفسها امتدادًا لتاريخ مقدّس.
هو ليس حيوانًا في غابة،
بل استعارة سيادة.
وفي الضفة الأخرى من المعنى،
الأسد ليس غريبًا عن الذاكرة الإيرانية.
“الأسد والشمس” كان يومًا شعار الدولة الفارسية،
رمزًا للقوة والهيبة والامتداد الإمبراطوري.
كل طرف يملك أسده في تاريخه.
لكن أحدهما اختار أن يطلق الصوت أولًا.
الزئير هنا ليس وصفًا عسكريًا.
هو إعلان نفسي.
هو محاولة لإقناع الداخل قبل الخارج
أن الهيبة ما زالت كاملة.
الاسم يخاطب ثلاث طبقات في وقت واحد:
للداخل الإسرائيلي:
نحن لسنا مهدَّدين، نحن المفترس.
للخصم:
هذا مجرد الصوت… فماذا عن المخالب؟
وللحلفاء:
نحن من يضبط إيقاع الإقليم.
لكن في ثقافات الحروب غير المتكافئة،
الصوت ليس دائمًا علامة قوة.
أحيانًا يكون علامة قلق.
الأسد يحتاج أن يُرى.
أن يُسمع.
أن يُخيف.
أما البعوضة — كما يقول مثلنا الفلسطيني —
فلا تحتاج أن تُرى.
تكفيها لحظة واحدة
لتصل إلى العين.
“البعوضة تدمي مقلة الأسد.”
ليس انتصارًا للبعوض،
ولا تقليلًا من الأسد.
بل تذكير بأن كل قوة، مهما علت،
تحمل في داخلها نقطة هشاشة.
حين تتحول الحرب إلى صوت،
فهذا يعني أن المعركة لم تعد على الأرض فقط،
بل في المخيال.
في الوعي.
في تعريف من يخيف من.
الزئير محاولة لإعادة تثبيت قصة:
قصة التفوق.
قصة الردع.
قصة من يملك الغابة.
لكن السؤال الأعمق ليس:
من زأر؟
بل:
هل ما زال الزئير يُخيف أحدًا؟
في زمن تتآكل فيه مراكز القوة،
قد يصبح الصوت أعلى من الفعل،
وقد يصبح الاسم أهم من النتيجة.
الحرب الحديثة ليست فقط مواجهة جيوش،
بل مواجهة رموز.
كل اسم يُختار بعناية.
كل استعارة تحمل مشروعًا سياسيًا.
كل كلمة تُطلق قبل القذيفة.
“زئير الأسد” ليس مجرد عنوان عملية.
هو محاولة لترميم صورة.
لإعادة تعريف من هو السيد ومن هو التابع.
لكن الغابات تغيّرت.
والأصوات لم تعد تكفي وحدها لإخافة العالم.
ربما ليست المشكلة في الأسد،
ولا في البعوضة،
بل في الغابة نفسها
التي لم تعد تعترف بملك واحد.
وحين تفقد الغابة قانونها،
لا يعود الزئير ضمانة…
بل يصبح اختبارًا.
لكن الاختبار الحقيقي لا يكون في الميدان فقط.
حين يقول من حاصر غزة باسم الأمن،
ومن برّر القصف باسم الدفاع،
ومن غلّف الإبادة بلغة القانون،
إنه جاء ليمنح شعبًا آخر الحرية،
فالمشكلة ليست في صدق الوعد.
المشكلة في طبيعة اللسان الذي ينطق به.
الحرية ليست خطابًا يُلقى من طائرة،
ولا بيانًا يُقرأ على أنقاض مدينة.
الحرية ليست مشروعًا يُصدَّر.
هي علاقة أخلاقية بين السلطة وشعبها.
ومن لم يعترف بحرية من يعيش تحت سلطته،
لا يستطيع أن يصبح فجأة راعي حريات الآخرين.
فاقد الشيء لا يعطيه.
لكنه يستطيع أن يُعيد تسميته.
يستطيع أن يبدّل المفردات حتى يختلط الدم بالمفهوم.
الكذب في زمن الحرب لا يُقال لإقناع الضحية.
الضحية تعرف.
الضحية تسمع الصاروخ قبل البيان.
الكذب يُقال لطمأنة الداخل،
ولإقناع الجنود،
ولمنح القائد صورة أخلاقية أمام المرآة.
حين تتشابه خطابات ترامب ونتنياهو
حتى تكاد تكون نسخة واحدة،
فهذا ليس مجرد تنسيق سياسي،
بل تنسيق سردي:
نحن لا نهاجم… نحن نحرّر.
نحن لا نقصف… نحن نحمي.
نحن لا نُخضع… نحن نمنح فرصة.
هذه الجمل أخطر من الصواريخ.
لأن الصاروخ ينتهي أثره عند حفرة،
أما الجملة فتمتد في الوعي.
في لحظة ما،
يتحوّل الكذب من أداة ظرفية
إلى بنية حكم.
يصبح جزءًا من آلية إنتاج المعنى.
لا يحتاج إلى دليل،
ولا يخاف من تناقض.
وحين تُسمّى الإبادة تحريرًا،
والعدوان وقاية،
والهيمنة رسالة أخلاقية،
فالمشكلة لم تعد من يربح المعركة،
بل من ينجح في إعادة تعريفها.
الزئير قد يخيف.
الضربة قد تدمّر.
لكن أخطر ما في الحرب
أن يُعاد تعريف الخير والشر داخل اللغة نفسها.
وعندها،
لا تعود الحرب صراع جيوش،
بل صراع مفاهيم.
والتاريخ لا يسأل من صرخ أعلى،
بل من غيّر معنى الكلمات.
وفي النهاية،
قد يسقط الأسد،
وقد تنجو البعوضة،
وقد تتغير الغابة كلها…
لكن أخطر ما يمكن أن يبقى بعد الحرب
ليس الركام…
بل القاموس الجديد
الذي يجعلنا نعتاد سماع الجريمة
وهي تُنطق
كفضيلة.
يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
28/2/2026