أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة) - العواصم الثّقافيّة إلى أين؟

العواصم الثّقافيّة إلى أين؟

أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة)


لا شكّ أنّ فكرة التظاهرات الثقافية المتوافرة على ميزانيات عملاقة،وبرامج حاشدة متنوعة،ورؤى مستنيرة،وخطط ترويجية وتثقيفية تتناول في الغالب شتى مناحي الإبداع والمعرفة والفنون والثقافة،هي من ناحية تنظيرية فكرة رائعة ،وعملاقة وبناءة،ومنوط بها الكثير من الإصلاحات والتعديلات والإبداعات،وتحريك المشهد الإبداعي الثقافي العربي نحو الإنتاج والتواصل وتبادل الخبرات،ومدّ يدّ العون للمواهب والمبادرات المبدعة والإنتاجات عالية السويّة.
وفكرة العواصم الثقافية من أبرز الأفكار والخطط التنويرية الإبداعية الثقافية العربية التي تعد بالعطاء المستمر الدوري التفاعلي التشاركي عبر تناوب العواصم الثقافية على العواصم العربي بشكل دوري ومرتب ومعلن رسمياً،ومرتب له مسبقاً بتنسيق عربي عملاق.
ولاشكّ أن هذه الفكرة انبثقت أساساً من حضن العمل العربي المشترك،وتبادل المعارف والخبرات،وتسويق المواهب والأقلام الجديدة،والمبادرات البناءة،لاسيما في ظلّ وجود مظلّة مادية عملاقة بميزانيات كبيرة قادرة على إنتاج الكثير من الإبداعات،ودعم الكثير من المشاريع العملاقة،وتبني المبادرات التي تعوزها الميزانيات التشغيلية والترويجية والبنائية المطلوبة،وذلك كلّه سعياً إلى دعم المبدع،وإخراج منتجه إلى النّور،وتوفير الأرضية الإعلامية المطلوبة للتعريف بكلّ مبادرة جادة أو قلم موهوب أو منتج استثنائي.
ومنذ انطلاق فكرة العواصم الثقافية انتهاءً إلى انبثاقها عملياً بعدة دورات من العواصم تناوبت على أكثر من عاصمة عربية،ألحّت فكرة دعم الإبداع،وتنشيط المشهد الثقافي العربي في كلّ مناحيه ومناكبه.
وجاء الواقع العملي ليضع الصورة الحقيقية للفكرة المنشودة الممثلة في أرض الحقيقة،ويبدو أنّ فكرة العواصم قد استطاعت رغم التحديات والمصاعب والأخطاء أن تحقّق جملة طيبة من أهدافها المقرونة بحسن النية،وسوء التنظيم والإدراة في الغالب.
وبحق نشّطت تلك العواصم المشهد الثقافي العربي،وأذكت حراكاً محموداً لفت الأنظار إلى الكثير ممّا يجب لفت النظر إليه،كما قامت بإنتاج عدد عملاق من الأعمال بين إصدار كتب ومجلات وموسوعات وصحف ومواد فلمية ومسرحيات وأغانٍ ومواد دعائية وتعريفية،ونظّمت أعداداً خرافية من الندوات والمؤتمرات والحواريات والرحلات واللقاءات والمنتديات والجلسات المفتوحة على هامش تلك العواصم التي سمحت بظاهرة عملاقة من سفر الإعلاميين والموهوبين والمبدعين والمسؤولين والمنظمين بين العواصم الثقافية،وهو أمر يحمل الكثير من الفائدة غير الخافية على الثقافة والإبداع والتواصل العربي والإعلام والسياحة بل وحتى على الاقتصاد وتنشيط السياحة والتصنيع.
ومن منظور أو منطلق النظّارة المتفائلة أستطيع أن أزعم إنّ العواصم الثقافية قد قدّمت الكثير من الخدمات للإبداع والمبدع العربي،ولكن الحقيقة والحق تقتضيان أن نتوقّف عند الكثير من الأسماء المكرّسة والمخدومة في هذه العواصم،والتي تشير للأسف وبكلّ وضوح وجلاء إلى أنّ هذه العواصم خدمت أسماء إبداعية وإعلامية وثقافية بعينها،لما لها من قرب من الجهات المنظمة للعواصم،في حين بقيت الكثير من الأسماء العملاقة والمهمة بعيدة،ومضروب صفحاً عنها للسبب ذاته،وهذا يحيلنا إلى سؤال واحد ملحو لاهث و مكرور،وهو: متى ستتخلّص مؤسساتنا وتظاهراتنا من الشللية والعنصرية وخرائط المصالح ومفهوم العصابات،ليخلو المشهد الإبداعي لمن يستحقوه من المبدعين بعد إجهاض المتطفلين والمرتزقة وقطّاع سبيل الثقافة والإبداع؟؟!!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى