ناصر العزبي - »فاعلية السرد في رباعية نشأت المصري» كتاب يُنير تجربة روائية مصرية

يتناول هذا الكتاب موضوع فاعلية السرد في رباعية روائية للكاتب الكبير نشأت المصري، في إطار نظرية القراءة والتلقي وما بعد الحداثة، فالكتاب؛ وعنوانه (فاعلية السرد في رباعية نشأت المصري : مقاربة في مرآة النقاد)، يشرح في بدايته مصطلح الفاعلية السردية، ويعرّف السرد بوصفه نشاطًا روائيًّا وقصصيًّا يتجاوز مجرد الحكي إلى إنتاج الدلالة وبناء العالم المتخيَّل ، ويعرض أشكال السرد وتقنياته وآلياته ، قبل أن ينتقل إلى التعريف بالكاتب ومسيرته، ثم إلى متن الكتاب حيث التطبيق العملي على الروايات الأربع (اللحن المكسور، الكلاب لا تنبح عبثًا، كائن رمادي، بونابرتة) التي اختيرت من منجز نشأت المصري الروائي الواسع والمتنوع.
ومن خلال ذلك يقدّم المؤلف، الأستاذ الدكتور صبري فوزي أبو حسين، مشروعًا نقديًّا محكمًا في دراسة فاعلية السرد في هذه الرباعية، عبر مقاربة دقيقة في مرآة قراءات النقاد وتلقيهم للنصوص، مستندًا إلى أفق واسع من نظريات القراءة والتلقي في مرحلة ما بعد الحداثة، ومبرزًا كيف يتحول القارئ إلى شريك فعّال في إنتاج دلالة الرواية المصرية المعاصرة، لا متلقٍّ سلبي يكتفي باستقبال المعنى، ما يُظهر مساحة تعدد مستويات التلقي وفق تعدد ثقافات المتلقين مستويات. فالكتاب لا يقرأ النصوص في ذاتها فحسب، بل يقرأ ما دار حولها من خطابات نقدية، ويحلل اتجاهاتها، ويوازن بين رؤاها، كاشفًا عن طبيعة الحوار الدائر بين النص والناقد والقارئ في سياق ثقافي متغير.
وهكذا يفتح الكتاب أفقًا جديدًا لقراءة هذه التجربة بروح علمية ومنهج رصين، يمتزج فيه العمق النظري مع ثراء الأمثلة التطبيقية، بلغة تجمع بين الدقة الأكاديمية وسلاسة السرد، من غير تعقيد مصطلحي يرهق القارئ، ولا تبسيط مخلّ يفرغ الفكرة من محتواها. إن هذا عمل يمكن أن يُعدّ مرجعًا للمتخصص في الدراسات السردية ونظرية التلقي، وفي الوقت نفسه نصًّا ممتعًا للقارئ العام المهتم بالرواية والثقافة، بما يقدمه من مدخل واضح لفهم عالم نشأت المصري، وبما يتيحه من إعادة النظر في طرائق قراءة الرواية المصرية المعاصرة. ومن هنا فإنه يُثري مكتبتنا العربية، ويستحق أن يُقرأ بعناية، وأن يُعتمد عليه طويلًا في دراسات التلقي ونقد النقد الروائي في مصر؛ بما يستوجب تقديم التحية الخالصة لهذا الباحث القدير الجاد.
والكتاب، الذي صدر - أواخر 2024 عن مكتبة ومطبعة الغد - في نحو أربعمائة صفحة من القطع الكبير (17×25 سم)، ألحق مؤلفه بخاتمته مجموعة من الشهادات كتبها خمسة وثلاثين أديبًا وناقدًا، من بينهم: د. عزة بدر، د. عبد الرحيم درويش، د. حسن علي دبا، أ. هشام العطار، د. محمد عبدالعظيم طلب، د. عيد صالح، أ. ثريا السيد، أ. ليلى حسين وغيرهم، وهو ما يضفي على العمل بُعدًا توثيقيًّا مهمًّا، ويجعله وثيقة نقدية تجمع أصواتًا متعددة حول هذه التجربة، وتمنح القارئ فرصة الاطلاع على تنوع زوايا النظر إليها.
وحقيقة الأمر – مدعاة مقالي هذا - أنني أعكف حاليًّا على إعداد كتاب عن الكاتب الكبير "نشأت المصري"، غير أن هذا الكتاب ـ بما يمثّله من مرجع راسخ في قراءة تجربته الروائية، وبما ينطوي عليه من جهد نقدي وتوثيقي واضح ـ وضعني أمام صعوبة حقيقية في مقارعته بكتاب يُوازيه أو يتحاور معه على المستوى ذاته ؛ الأمر الذي جعلني أبطئ في الإنجاز، وأعيد التفكير في منهجي وخطتي، وأعود مرة أخرى إلى قراءة أعمال نشأت المصري برويّة وتأمل، محاولًا أن أكتشف مناطق لم تُضأ بعد ، أو زوايا يمكن أن تُرى منها التجربة على نحو مختلف، بحيث يكون العمل القادم إضافة لا تكرارًا، خاصة وأن هناك كتاب (روايات نشأت المصري؛ بأقلام النقاد) دراسةً وتقديمًا للدكتور صلاح شعير، كتجربة سابقة، صدر في أواخر عام 2022، وتناول سيرة نشأت المصري وبعض قراءات النقاد لرواياته.

Messenger_creation_A772DAC6-9837-449B-848A-9BFA8592A532.jpeg

ونشأت المصري صاحب تاريخ طويل مع الإبداع الأدبي، وخبرات حياتية وإنسانية ثرية انعكست في رصيد واسع من الأعمال بين الشعر والقصة والرواية والسيناريو والحوار، حتى تجاوزت إصداراته المائة والعشرين كتابًا، يغوص فيها في النفس البشرية كاشفًا ومواجهًا، وحالمًا بعالم أكثر استقرارًا وإنسانيةً وجمالًا. وتتسم أعماله بتنوع موضوعاتها وتعدد مستوياتها الفنية، إذ تمتح من الواقع اليومي كما تنفتح على الرمز والدلالة، وتوازن بين البعد الاجتماعي والتأمل الوجودي، في صياغة سردية تميل إلى الوضوح وإلى العمق دون أي غموض.
ومن رواياته: (ملائكة في الجحيم، دماء جائعة، المهزوز، كوتشينة، خاص جدًّا، اللحن المكسور، كائن رمادي، الكلاب لا تنبح عبثًا، شوقي إلى ليلى، وغيرها)، فضلًا عن أعماله الموجّهة للأطفال مثل: (جوتة، قاهر الروم، للأطفال أجنحة، مدينة القطط، نفرتيتي): (أسطورة الجمال، تاوسرت، بلباي)، على حائط جودي، سميرة موسى، فاطمة بنت إسماعيل، وغيرها، وهي أعمال تؤكد إيمانه العميق بقيمة الكتابة للطفل وأثرها في تشكيل الوعي والخيال.
يكتب نشأت المصري بلغة أدبية شفافة تستعين بمفردات إنسانية عذبة، وتنطق بالحكمة بما يوافق طبيعته الهادئة المتأملة، وتدفع القارئ إلى إعادة التفكير في العالم والحياة، ومراجعة المسلَّمات، حتى تكاد أعماله تشكّل مرجعًا فلسفيًّا ودلاليًّا لدراسة النفس الإنسانية في أعمق تجلياتها. ومن هنا يبدو كتاب "فاعلية السرد في رباعية نشأت المصري" ليس مجرد دراسة نقدية لأربع روايات، بل مدخلًا مهمًّا لقراءة مشروع روائي متكامل، وإسهامًا جادًّا في ترسيخ تقاليد نقدية تنصف النص وتحتفي بالقارئ معًا؛ تقدير خاص لهذا الأديب الكبير نشأت المصري، وتحية مستحقة للناقد الذي أنصف تجربته قراءةً وتحليلًا وتوثيقًا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى