أ. د. عادل الأسطة - ماذا خربشت في ١٨ شباط من كل عام

١
- صباح الخير يا عادل اﻷسطة
- صباح الخير يا عزيزي
- أود أن أسألك سؤالا
- تفضل .
- هل تعرف من منحك الدكتوراه ؟
- أمس أخبرني د . جبر أنه هو من منحني الدكتوراه .
- هل هذا صحيح ؟ وهل لديه قدرات سحرية يؤثر بها على اﻷلمان ؟
- ربما ! إسأله .
- أريد رأيك أنت .
- معقول ، فالدكتور صاحب كرامات ونبوءات .
- هل لديك دليل على هذا وهل اﻷلمان سذج؟
- من يدري ! ربما فالدكتور جبر قال لما سقطت بغداد إن ما سقط هو بغداد الظاهرة وأن بغداد الحقيقية لم تسقط فهي تحت اﻷرض وهي تقاوم .
- وما رأيك أنت بما قال ؟
- بما أن د . جبر بنيوي ، والبنيوية نتاج غربي ، فهناك بنية ظاهرة وأخرى عميقة ، وربما لهذا أخذ برأيه اﻷلمان ومنحوني الدكتوراه . ثم ألا تلاحظ أن بغداد لا تزال تقاوم ؛ التي تحت اﻷرض والتي فوقها بل ، وبغداد السماء .
ألم أقل إن د . جبر صاحب مقامات ونبوءات ووساطات !
- ولكنهم اﻷلمان !
- اﻷلمان بشر وقد فهمتهم رورو وطبخت لهم حتى يحصل كاسب على الدكتوراه . إنهم أيضا بشر ويحبون الطبيخ .
- صل على النبي يا عادل اﻷسطة
- اللهم صل عليه وسلم تسليما وأقولها حتى يرضى عني الله وحتى لا يرفع في كتاب إلى إدارة اﻷوقاف بأنني كافر فتأتي داعش عما قريب وتعدمني .
- يعني ألا تخاف من إدارة الجامعةو؟
- لا . لا أخاف . يمكن أن آخذ حقوقي وأغادر إلى هونولولو .
- أصلا أنا سمعت أن الألمان لم يمنحوك الدكتوراه ؟
- ما حاجتي إليها ؟
- مادام د . جبر منحك الدكتوراه ، فأنت جاحد وناكر للجميل .
- ربما وسأعترف لك بأن د . جبر هو من يكتب لي مقالاتي وأبحاثي ، ولكن أرجو أن يبقى اﻷمر سرا بيننا حتى لا تسحب منه شهادته بحجة التزوير والكتابة للغير
- أمرك يا عادل اﻷسطة . اﻷمر سر بيننا .
صباح الخير
( رحم الله الدكتور جبر ).
خربشات ٢٠١٥
٢
الحق كل الحق على النقابات :
حول إضراب المعلمين :
أمس ، في السيارة العمومي ، دار جدل كان دافعه تجمع طلاب أمام مديرية التربية والتعليم في نابلس .
كنت جلست إلى جانب رجل ستيني أخذ يتكلم إذ اختلط اﻷمر علينا ، فقد ظننا أن التجمع الطلابي هو للتضامن مع إضراب المعلمين ، لا للاحتجاج حول أمور تخص الطلاب .
الرجل الستيني تحدث عن أموال السلطة التي تدفع رواتب مرتفعة لبعض موظفيها وتهمل قطاعات أخرى مثل المزارعين .
كان الرجل مزارعا فأخذ يقارن بين ما كان عليه وضع المزارعين ، قبل مجيء السلطة وبعد مجيئها .
خلص المتكلم إلى أن اﻷمور كانت قبل 1993أفضل ، وضرب مثلا حول السيارات العمومي ودخلها في العهدين .
أنا عقبت على كلامه قائلا :
- ولكن لا تنس أن الاحتلال يصادر اﻷرض ، وهو مصدر سوء وضعكم .
ولم يصمت الرجل ، فقد واصل مدح الاحتلال ، ذاهبا إلى أننا نحن من يستحق اللوم ، فالاحتلال لا يصادر اﻷرض إلا بعد أن يشتري جزءا منها ، وهنا يصادرها والمزارعون يجدون أنفسهم محاطين بالمستوطنين ، فيتركون أرضهم ، ويقوم المستوطنون بزراعتها ، جنبا إلى جنب اﻷراضي المشتراة ، وهكذا تضيع اﻷرض .
لست متأكدا من مدى صدق كلامه وصحته ، ثم إنني لا أعرفه ولا أعرف نواياه . ولكن الرجل ضرب مثلا على ارتفاع رواتب موظفي السلطة ممن يعملون في بعض أجهزتها .
الصحيح أنني تذكرت إشكالية ازدواجية الوظيفة لدى موظفي السلطة وفائض النقود التي تذهب إلى بعض الموظفين ممن حصلوا على وظائفهم بسبب ماضيهم وأخذوا يعملون في وظائف أخرى ، وإلى كثيرين يعينون في وظيفة ﻷشهر أو لثلاث أربع سنوات ، ثم يعودون إلى وظيفتهم اﻷولى ، وهكذا يصبحون من ذوي الراتبين ، مثل معلمي ما قبل 1967 الذين كانوا يرضون براتب الاحتلال على هزله ..
مرة عاشرة أكتب :
على السلطة أن تعيد النظر في رواتب موظفيها ممن يقبضون راتبين ، وأول هؤلاء الوزراء المقالين الذين عادوا إلى وظائفهم اﻷولى القديمة ، وأن تدفع رواتب هؤلاء للمعلمين الفقراء .
ربما تكون هذه وسيلة أفضل من اعتقال أعضاء النقابات الذين ناضل بعضهم زمن الاحتلال من أجل مجيء السلطة .
ربما أنا مخطيء فرئيس الوزراء قال :
" الحق،كل الحق ، على النقابات " .
خربشات 18 / 2 / 2016
٣
تشكيل لجنة من خبراء النقد الأدبي للنظر في رواية الروائي عباد يحيى وموافقة وزارة الثقافة .
قرأت الخبر في صفحة الروائي أحمد حرب .
تذكرت معين بسيسو ومسرحيته " محاكمة كتاب كليلة ودمنة " وسخريته من الأمر ، وتذكرت اللجنة التي شكلتها إدارة جامعة النجاح لي في العام 1993 للنظر في نص " ليل الضفة الطويل " ، وقد كتبت على إثر هذا الجزء الثاني من " ليل الضفة الطويل " .
قرأت دراسة لدكتور في الأدب العربي من غزة هو يوسف شحدة الكحلوت عنوانها : " جوانب الانحراف العقدي و ( الأخلاقي ) في شعر محمود درويش " .
يعني ببساطة إن سيطرت قوى إسلامية متشددة فسنمنع من تدريس أشعار محمود درويش بحجة انحرافه .
على فكرة منعت مرة أشعاره في السعودية ومرة في الأردن لسبب سياسي .
حين عرضت على الشاعر ، وكنت التقيت به يومها في جريدة الأيام ، أن ينشر لي في مجلة " الكرمل " نص "ليل الضفة الطويل " قال :
- اصبر حتى نصدر بعض أعداد . هل تريد أن تمنع المجلة من بداية إعادة إصدارها .
خربشات 18 / 2 / 2017
٤
ما رأي سكان مدينة القدس بالآتي :
" دخلنا إلى مطعم اسمه ( الخمريات ) ويقع في حي الباشورة ، وبالقرب من مقهى الباشورة المواجه تماما لباب العمود " .
٢٠١٧
٥
تسألني السيدة :
" ماذا ستكتب عني ؟ "
منذ أسابيع وأنا استحضر قصة الطاهر وطار " الرسام الكبير ... والشاعرة الناشئة ".
أتذكر مقالاتي فقد كنت كتبت عنها ، وقد أدرجت على صفحتي مقالا ورد فيه ذكر القصة " كتابة لمناسبة ما ".
لم أبلور فكرة كاملة لما سأكتب ، ولكنني بعد مراسلات مع السيدة - مراسلات على بعد سنة ضوئية - قررت أن أعكس العنوان " الكاتبة الكبيرة والرسام الناشيء " ، ذلك أن كتابة الكاتبة تحتاج إلى جهودي أنا كي أصحح لها لغتها وأسلوبها .
من قال إن الكاتب الكبير بحاجة إلى امتلاك اللغة.
كنت أمازح الكاتبة الكبيرة قائلا :
" سأعلمك الكتابة والنحو والصرف ونحن نقش الدرج معا "
أحيانا أكون مثل إميل زولا " أدرس الآخرين لأكتب عنهم " وأدفع ثمنا باهظا .
كله من أجل عيون بهية .
خربشات 18/ 2 /2018
٦
دارسون و محكمون :
أن يكتب دارس دراسة عن المقالة الساخرة ولا يلتفت إلى كتاب محمد يوسف نجم " فن المقالة " وإلى كتاب شاكر عبد الحميد " الفكاهة والضحك " فهذا يقلل من قيمة الدراسة .
ولكن ...
ألا يلفت نظره أساتذة الأدب الحديث إلى الكتابين وهم يحكمون الدراسة ، فهذا يقلل من قيمة أساتذة الأدب الحديث ومن قيمة المجلة التي تتعامل مع أساتذة كهؤلاء ، بل ومن قيمة الجامعة التي يدرس فيها هؤلاء ..
وقال
قال " بدهم يفتحوا " برنامج دكتوراه .
والله الدكاتره " بدهم " تأهيل من جديد ، مثل ما فعلت ألمانيا الغربية مع القادمين إليها من ألمانيا الشرقية أيام كانت ألمانيا دولتين .
Rehabilitation
خربشات 18 / 2 / 2018
٧
الياس خوري " نجمة البحر" : 15
" ظل الحكايةو: محمود درويش وريتا "
حين يسترجع آدم ، بعد أربعين عاما ، حياته في حيفا ، يبدو حقيقة خارجا من معطف محمود درويش . كما لو أنه حقا يخترع حكاية نصفها من رواية ( ا.ب.يهوشع ) " العاشق " ونصفها الثاني من حكاية الشاعر محمود درويش وريتا وفتيات يهوديات أخريات عرفهن .
في رواية ( يهوشع ) يحب نعيم ابنة آدم اليهودي صاحب الكراج ، وتكون العلاقة بين آدم وزوجته مأزومة ، مثل علاقة غابرييل بزوجته في " نجمة البحر " ، وتقيم الفتاة المراهقة علاقة حب مع الشاب العربي المراهق ، وتنتهي العلاقة العابرة بالفراق . ثمة تواز واضح .
ولكن الياس خوري لم يستطع أن يتخلص نهائيا من قراءاته لمحمود درويش ، فهو لم يبد أحكاما نقدية في شعره وحسب ، وإنما يتمثل مراحل من حياته .
أحب درويش في حيفا فتاة يهودية وانفصل عنها ، وكتب فيها غير قصيدة ، ورحل عن حيفا ، وبعد عشرين عاما من البعد عن حيفا والانفصال عن الفتاة التي أحبها ، عاد وكتب فيها قصيدته " شتاء ريتا الطويل " .
يحب آدم رفقة وينفصل عنها ويعود وهو في المنفى ، ليتذكر قصتهما معا ، ويكتب عن علاقة جسدية حارة .
لم يستسغ والد الفتاة اليهودية التي أحبها محمود درويش العلاقة بينهما ، في حين تقبلتها الأم ، وحين يعلم غابرييل بعلاقة ابنته مع العربي آدم يغضب ، فكيف تقيم علاقة مع عربي ولا يتقبل الأمر ويطرد آدم .
الطريف في " نجمة البحر " أن غابرييل اليهودي الذي فقد أخاه شلومو يتبنى الشاب العربي آدم ويعتبره شقيقه ، بل ويستضيفه في بيته ثم يوفر له سكنا ويدخله إلى مدرسة يهودية .
آدم في الرواية فيه من محمود درويش الكثير : حب القراءة و إتقان العبرية والميل لكتابة الشعر لدرجة أنه يفكر في كتابة قصيدة حب في رفقة ، ويعيش معها لحظات حب ، كما عاش درويش لحظات حب مع فتيات يهوديات .
وكما قرأ محمود درويش ( لوركا ) و ( ايلوار ) و( اراغون ) فإن آدم وهو في السادسة عشرة من عمره قرأ ( اراغون ) وديوانه " عيون الزا " ، بل وقرأ شعر الحلاج الشاعر الصوفي وتلا بيتا منه على مسامع رفقة .
كان آدم أول عربي أقام علاقة حب مع فتاة يهودية ، ولم تكلل العلاقة بالنجاح ، وكان عمره ستة عشر عاما .
يا لعشاق حيفا !
٢٠١٩
٨
صورة الفلسطيني في الرواية العربية : ادوارد سعيد نموذجا
" بعد عام تقريبا من هذا الحدث جاءني صوت زينب نصري مختلفا على التلفون :
- هل تعرف ... مات ادوارد سعيد ؟
شعرت بحزن كبير ، شعرت بأن الأرض مادت تحت قدمي وتخلخلت ، لقد تذكرت تلك الأيام التي عصفت بنا : نظريات ادوارد سعيد و أفكاره ، صوره وكتبه ، مقالاته ومناظراته ، حروبه وانتقاداته ، لقد كان سعيد يمثل ما كان يمثله كارل ماركس للجيل القديم ، وسارتر نسبة للجيل الستيني في العراق ، وكان يمكن أن يكون أكبر بكثير لولا التحولات السربعة والمتلاحقة ، ولولا خلو أفكاره من الرموز والشهداء " .
من مقالي القادم عن صورة الفلسطيني في الرواية العربية .
الثلاثاء ١٨ شباط ٢٠٢٠ .
٩
معين بسيسو " نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة" :
صدرت الطبعة الأولى من كتاب معين بسيسو " نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة " في العام ١٩٧٠ ، وأعيدت طباعة الكتاب عن دار الفارابي ثانية في العام ٢٠١٤ .
يعد معين بسيسو ثاني كاتب فلسطيني يلتفت إلى أدب العدو ، وكان الكاتب الفلسطيني الأول هو غسان كنفاني الذي أصدر في العام ١٩٦٦ كتابه الذي شاع وصار مرجعا " في الأدب الصهيوني " وقد نشر الكتاب من مؤسسة فلسطينية في بيروت يزينها شعار " اعرف عدوك " ، ودشن مركز الأبحاث الفلسطيني سلسلة جديدة ، كما أعرف ، لم تألفها الدراسات العربية التي كانت ترفض أي توغل في جبهة العدو الأدبية أو حتى الإعلامية بشكل عام ، فقد كان الاستماع إلى إذاعة العدو الصهيوني محرما على المواطن العربي .
لم يعرف كنفاني أو بسيسو اللغة العبرية ، ولكنهما أتقنا اللغة الانجليزية التي مكنتهما من قراءة أدبيات الآخر ؛ الصهيوني والاسرائيلي ، وأنا استخدم هذين المصطلحين بوعي تام وبقصد أيضا .
قرأ غسان كنفاني الأدب الصهيوني لا الأدب الإسرائيلي ، فكتب عن روايات صهيونية الطابع كتبها يهود ومسيحيون أوربيون أو اميركان انحازوا لإسرائيل وتبنوا الفكر الصهيوني ودافعوا عنه وحرضوا على العرب وأبرزوا لهم صورة بشعة جدا ؛ شكلا وسلوكا وطريقة حياة ، وأعلى الكتاب من اليهودي الصهيوني ونفخوا فيه وجعلوه الوحيد الذي يمتاز بالجدارة .
لاحظ كنفاني أن الأدب الصهيوني أدب يغلب عليه العنصر الدعائي والتحريضي الذي كتب تأييدا ودعما للمشروع الصهيوني .
ما كتبه كنفاني شاع وانتشر وصار شعارات يرددها قراء وكتاب حين يتحدثون عن الآخر وأدبه ، دون أن يلحظوا أن هناك أدبا جديدا يخلق في إسرائيل يختلف عن الأدب الصهيوني والنصوص التي عالجها كنفاني في كتابه .
ما غاب عن الكتاب العرب الذين شكلوا فكرة عن الأدب الصهيوني من خلال كتاب كنفاني التفت إليه معين بسيسو الذي قرأ نماذج من الأدب الإسرائيلي الذي كتب في دولة إسرائيل لا في الغرب ، وهو من لاحظ أن هذا الأدب الجديد غائب عن أنظار العرب ، فقام هو بقراءته وتقديم نماذج منه ، لافتا النظر إلى أهميته ، ولاحظ أن الذي يجب أن نفهمه ونعيه هو " أن الواقع الموضوعي للأدب والفن الإسرائيليين لا يقوم كله على أسس دعائية ، ولا يقوم كله للمرة الثانية على أساس السلعة التي تصنع خصوصا للتصدير الخارجي " .
إن المقدمة التي كتبها المؤلف لكتابه الذي نادرا ما التفت إليه ، قياسا إلى الالتفات إلى كتاب كنفاني ، مقدمة مهمة جدا ، فهي تتناول العديد من الإشارات القيمة .
رأى بسيسو أن الكتاب العرب يجلسون في بيوت بلاستيكية فيما يخص الكتابة عن القضية الفلسطينية ، فما أنجز عنها قليل جدا ، علما بأن المخيمات الفلسطينية لم تكن مثلا تبعد عن القاهرة كثيرا ، فلم يزر الكتاب المصريون الكبار هذه المخيمات ليعيشوا تجربة اللجوء ويعرفوا معاناة سكانها وآلامهم وآمالهم ، بخلاف الكتاب الصهيونيين الإسرائيليين الذين عاشوا في الكيبوتسات وخدموا في الجيش وكتبوا نصوصهم عن الإسرائيلي الجديد .
على أن النقطة السابقة ليست هي النقطة الأهم في مقدمة الكتاب . ثمة قضايا أخرى مهمة تمس الأدب الإسرائيلي تكمن في أهميته في بناء الدولة العبرية ، الأدب الذي يتكيء على عناصر عديدة .
لا يقلل بسيسو من العوامل السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية والدور الغربي في بناء إسرائيل ليرى فقط في الأدب العامل الوحيد الذي عليه بنيت الدولة . إن العوامل المذكورة كان لها الدور الأساس في إنشاء إسرائيل وانتصارها ، ولكن هذا ربما ما كان ليحدث لولا بناء المقاتل الإسرائيلي الذي اندفع ليحارب من أجل كيانه وانتصاره . يقول معين في هذا :
" غير أننا نرتكب خطأ فادحا وربما يكون قاتلا لو أسقطنا العنصر الأدبي والفني من معادلة تكوين الرجل الإسرائيلي " ف " الأدب الإسرائيلي في صلب تكوينه يهدف إلى إعطاء المحارب الإسرائيلي تلك الفرحة الروحية التي يحس بها الإنسان - الذي كان منتميا إلى أرض أو جنسية أو لغة عبر الدهور - ثم أصبح ذلك المنتمي إلى أرض وجنسية ولغة ... والأدب الإسرائيلي يتجه أول ما يتجه إلى تقديم أدب وفن لمجتمع إسرائيلي ، كان أناسه يرتبطون تاريخيا ونفسيا بآداب وفنون المجتمعات المختلفة التي عاشوا فيها عبر القرون ، ولأول مرة يصبح لهم أدب خاص " .
ويتوصل بسيسو بناءعلى ما سبق إلى أن الأدب الإسرائيلي ليس كله للدعاية وإن كانت الدعاية في صلب تكوينه .
واتكاء على رأيه السابق يبدي رأيا آخر جريئا فيما يخص جماليات الأدب الإسرائيلي .
كان المعروف أن الأدب الصهيوني أدب دعائي لا قيمة جمالية وفنية له ، ولاحظ معين أن الكتاب والأدباء الإسرائيليين يقدمون " لأول مرة قاموسا أدبيا وفنيا خاصا بالإسرائيليين ، ويرى أن القراء العرب أو الكتاب العرب الذين يرون فيه أدب دعاية وأدبا عنصريا ، وأنه يفرض نفسه على دور النشر الغربية للنفوذ الصهيوني ، هم كتاب يقتعدون " الارائك في حجرة من البلاستيك ".
لقد أسهم الكتاب الإسرائيليون في بناء وجدان المواطن الإسرائيلي فيم أخفق الأدباء العرب ، باستثناء محاولات كنفاني ، في بناء وجدان المواطن الفلسطيني .
ويخلص بسيسو إلى الآتي :
" إن العدو الإسرائيلي ليس ذلك الكيس التقليدي المحشو بالرمل الذي اعتدنا تعليقه في خطاف حديدي في حجرنا ، وتصويب الحراب إليه .. إنه ذلك العدو الذي يجب أن نعرفه كشرط رئيسي من شروط الاتتصار عليه " وعليه يقدم لنا الكاتب قراءته لنماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة .
١٨ / ٢ / ٢٠٢٠
١٠
الست كورونا : حجر منزلي بسبب الأمطار ( 195 )
أمس لم تكن الكورونا سببا في الإغلاق . كانت أمطار شباط قوية وعنيفة فألزمتنا البيوت ، وفي أوسلو كتبت الصديقة Hanan Bakir إنها رهينة الكورونا والثلوج معا ، ولم تأت على " أبو العلاء " المعري رهين المحبسين إلا بالتلميح .
ثمة أسباب عديدة لانتشار الوباء وأول أمس عرفت أن أختي مصابة بالفايروس ، ومن خلال حالتها يمكن تشخيص الأسباب :
- التواصل الاجتماعي والتقارب الجسدي ، ف " الموت بين الناس رحمة " و " جنة بلا ناس ما بتنداس " .
- العمل في الأرض المحتلة في العام ١٩٤٨ . هل ثمة بديل وصندوق وقفة عز الفلسطيني كان كريما جدا ، فصرف للعمال مبلغ ٧٠٠ شيكل لمرة واحدة ، وهذا مبلغ كبير جدا ولكن العمال طماعون ؟
- " يا هارب من قضاي مالك رب سواي " .
أمس لم أخرج من البيت ، فقد أخذت أقرأ فصلا من رسالة ماجستير ، وكان هذا أمرا حسنا .
إن كانت الأمطار هي ما أنسانا الوباء ، فهذا يعني أنه لا بد من قوة طبيعية ما تنهكه فتنهيه ، كما قضت البراكين على الديناصورات .
منذ ١٩٤٨ وكثيرون من أبناء الشعب الفلسطيني الذين غلبوا على أمرهم وشردوا من ديارهم وعاشوا في الخيام وبيوت الصفيح وارتكبت بحقهم المجازر وأيديهم تتوجه إلى السماء يدعمها دعاؤهم .
الأجواء شديدة البرودة والناس نيام والبرتغال هزمت إيطاليا ، فانتصر بورتو ٢ على يوفنتوس ١ ولا جماهير في الملاعب ، فالفايروس " ابن حرام " ولا ينام .
لا جديد .
خربشات ١٨ شباط ٢٠٢١ .
١١
قراءات في روايات عربية
" ما رواه الرئيس " : " هل إن عربت خربت؟ "
( مقالي الأحد ٢٠ / ٢ / ٢٠٢٢ في جريدة الأيام الفلسطينية متوسعا فيه )
وأنا في ألمانيا لإنجاز الدكتوراه التقيت بجزائريين كان قسم منهم يردد " إن عربت خربت " وقد أوردتها في روايتي " تداعيات ضمير المخاطب "(١٩٩٣) .
لم تفاجئني العبارة ، إذ أخذت منذ ١٩٧٧ أقرأ الأدبيات الجزائرية التي صدرت في فلسطين للطاهر وطار وأتى في قسم منها على واقع الجزائر بعد الاستقلال ، ولطالما استشهدت بقصص وطار " الشهداء يعودون هذا الأسبوع "(١٩٧٤) وروايته " الزلزال "(١٩٧٧) تقريبا.
في ٩٠ القرن ٢٠ تابعت روايات أحلام مستغانمي وقد أتت فيها ، كما وطار ، على حرب التحرير والاستقلال والواقع الجزائري إبان الحكم الوطني ، كما قرأت بعض روايات واسيني الأعرج ومنها " شرفات بحر الشمال " .
في العام الأخير قرأت خمس روايات للحبيب السايح الذي لم أقرأ له من قبل وكتبت عن روايتين منها " أنا وحاييم " و" الموت في وهران " .
آخر ما وصلني من رواياته " ما رواه الرئيس " ( ٢٠٢١) و" نزلاء الحراش "(٢٠٢١) ، وفي الأولى يروي الجنرال المتقاعد صالح الزغبي الذي بلغ الثمانين على الأستاذ الجامعي معين العروي - سنعرف في نهاية الرواية أنه زوج ابنة الرئيس الوحيدة فضيلة دون أن يعرف أنها ابنته - يروي عليه قصة حياته منذ كان فتى يافعا ؛ يروي عن علاقته غير الطيبة بوالديه وعن التحاقه بالثورة وسجنه في زمن الاستقلال لوقوفه ضد انقلاب هواري بومدين على أحمد بن بللا ، وكان يمكن أن ينفق بقية عمره في السجن ، بل وكان يمكن أن يعدم لولا صديق له تدخل في القضية وطلب منه التبرؤ من موقفه والوقوف إلى جانب بومدين ، فيفعل ويصبح ركنا من أركان النظام الجديد .
يروي الرئيس على الأستاذ ليكتب له مذكراته ، فقد وقعا معا عقد شرف مقابل مبلغ من المال . ويغدو الرئيس مثل ( شهرزاد ) يروي دون خطة محكمة ، بل بقدر من التداعيات والانتقال من موضوع إلى آخر فهو " شخص متبدل الأطوار مثل الرئيس المتميز بقدرة عجيبة على التحول السريع من نقطةإلى أخرى ، الرئيس الذي يملك طاقة خارقة على جعلك تشعر أنه يتكلم بلسان كأنه لسانك !" ، يروي في جلسات - حصص من حصة - قصة حياته وقصة الثورة الجزائرية وما آلت إليه الجزائر منذ استقلالها حتى حراك ٢٠١٩ الذي رفع فيه الجزائريون شعار " العهدة الخامسة لا ! ارحل " في وجه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة الذي أراد تجديد عهدته الخامسة وهو في وضع صحي لا يمكنه من الحكم . يروي الرئيس وما يرويه بسبب تأنيب ضميره هو " في جانب منه ، شهادة اعتذار لمن أخطأنا بحقهم "( ص ٢٥٣ ) .
دال " الرئيس " في العنوان قبل الولوج إلى المتن الروائي يصرف ذهننا إلى الرئيس الذي يحكم الجزائر ، ويذكرنا بروايات عديدة من روايات أميركا اللاتينية التي كتبت عن الدكتاتور في ٧٠ القرن ٢٠ ، ومنها رواية ( استورياس )" السيد الرئيس " ، وقصة ( ماركيز ) " ليس لدى الكولونيل من يكاتبه " ، ولا تخلو روايات عربية عموما من دال الرئيس أو الزعيم ، فلنجيب محفوظ رواية عنوانها " يوم قتل الزعيم " ولليمني علي المقري رواية عنوانها " بلاد القائد " وقد تتقاطع الأخيرة مع " ما رواه الرئيس " في طلب الرئيس من كاتب أن يكتب له سيرته .
ونحن نقرأ الرواية نتوقف أمام دالين " الرئيس " والزعيم " والثاني هو الرجل الأول في الجزائر ، وإن نعت في نهاية الرواية ب " الرئيس " ( ص ٢٦٠ و ٢٦٢ ) . والحقيقة أنني في القراءة البدئية للعنوان انصرف ذهني إلى أن المقصود بالرئيس رئيس البلاد لا الجنرال ، والجنرالات عموما رؤساء ذوو سطوة " ، بل أكثر من ذلك فإن الجنرالات الرؤساء هم من يعينون الزعيم / رئيس البلاد " :
- " الظرف الحالي ، كما تقول يا محسن ، هو امتداد لأكثر من نصف قرن من اختصاص المؤسسة العسكرية في صناعة كل الرؤساء الذين تداولوا على الحكم "(ص ٢٦٠) .
الرئيس الذي يروي يروي الكثير ، وهو سليط اللسان بذيئه لديه قدر من السادية والاستعلاء والغطرسة واحتقار الآخرين ، علما بأنه مثقف ثقافة واسعة اكتسبها من تجاربه ومن قراءته ، فهو قاريء ممتاز يشعر من يحدثه أنه أكثر ثقافة منه حتى لو كان أستاذا جامعيا متخصصا في الإعلام والاتصال مثل الأستاذ معين نفسه يرى أن كثيرين ممن كانت لهم صلة به " قذرون وأنذال وديوثون ومثليون ، من أجل منصب أو إفلات من فضيحة أو طمع في مأرب يرهن الواحد منهم شرفه . أقول لك يا أستاذ ، لأني أعرف بعضهم ، وبعضهن من عائلات محترمة جدا "( ص ٢٤ ) .
العبارة السابقة عبارة مهمة ، إذ تحفل الرواية بشخصيات ثانوية عرفها الرئيس معرفة مباشرة تنطبق على كل واحدة منها صفة من الصفات السابقة ، ولقناعته بما قال عن الآخرين وعدم ثقته بهم فقد مر عليه وقت لم يكن يحدث فيه أحدا سوى كلبه :
"- كنت لا أجد غير فوكس أبثه شجني مما يسببه لي أولئك الذين يطنون كالذباب حول براز . وكان أشهرهم فريد العكون "(ص ٧٨ ) . وفريد هذا كان القائم على إنشاء صرح الزعيم طرد العمال الذين رفضوا تحويل عشرة بالمائة من اجورهم إلى حسابه الخاص .
مثل فريد هذا الطبيب نذير المحلبي وهو عينة من النخبة . نذير متزوج من ظريفة حرثاني المدعوة كاميليا تعرض نفسها على الرئيس وتراوده عن نفسه بمعرفة زوجها ، فلولا الرئيس ما كان لنذير " أن يعين في مستشفى مصطفى باشا " ولا حصلت هي على وظيفتها الحالية .( ص ١٦٠) .
ويمكن أن آتي بمثال على كل صفة وردت في عبارة الرئيس .
ما يلفت النظر في الرواية هو علاقة الرئيس بالنساء ، فقد أقام علاقات مع غير امرأة ؛ تزوج وطلق منذ الليلة الأولى حين اكتشف أنها بلا غشاء بكارة ، ولم يحترم من النساء إلا واحدة أحبها وتزوجها وتوفيت يوم أنجبت ابنته الوحيدة التي أعطاها لامرأة تربيها وظل يتابع أخبارها وصارت زوجة الأستاذ معين .
من النساء اللافت حضورهن في الرواية صونيا التي تعمل في رئاسة الجامعة ، وهي ابنة وزير تقرب إليها يوم ذهب ليعزي في وفاة والدها وقد نجح في إقامة علاقة جنسية معها على الرغم من أن الفارق الزمني بينهما أربعون عاما . أغراها وعدد لها المساعدات التي قدمها لوالدها واستمرت علاقتهما حوالي عشر سنوات ، وحين علمت بأن معين سيكتب لصالح الزغبي مذكراته اتصلت بمعين وأفشت له سرا بيولوجيا يعاني منه وهو أنه بخصية واحدة ، وقالت لمعين إنها كانت تتحدث معه بندية وأكثر وكانت تناديه باسمه ، فلم تكن تراه رئيسا . كانت تراه " صالح " و " الزغبي " فقط . " " تمرغ عند قدميها مثل جرو روضته "( ص ١٠٢)
رواية " ما رواه الرئيس " رواية ممتعة تقرأ بشغف ، ولعل ما كتب فيها عن الجزائر ينطبق على دول عربية كثيرة حيث الفساد والرشوة والواسطة والحاكم الوحيد حتى الموت .
الجمعة والسبت ١٨ و١٩ شباط ٢٠٢٢
١٢
بوظة في الإسراء والمعراج في نابلس :
يبدو أن الأجواء المعتدلة هذا النهار أسهمت بالاحتفال بمناسبة الإسراء والمعراج بطريقة مختلفة .
في رأس السنة الهجرية وفي ذكرى الإسراء والمعراج غالبا ما يوزع بعض تجار نابلس وبعض أصحاب المحلات فيها التوفة والملبس . اليوم كان الأمر مختلفا ، ما جعلني أفكر في السبب .
عندما رأيت " أبو الحكم " - مروان جاموس على الدوار ، وهو زميل عمل في جامعة النجاح الوطنية ، عندما رأيته يأكل البوظة اندهشت . بوظة في شباط ؟!
الشمس تسطع في كبد السماء والمواطنون " فارعين دارعين " يتجولون ويشترون والشوارع مكتظة بهم .
لم أسأل " أبو الحكم " مبينا استغرابي ودهشتي ، ولقد سألته سؤالا واحدا فقط إن كان ما زال على رأس عمله محاسبا في الجامعة ، فأجاب بالإيجاب .
ما إن سرت أمتارا ثلاثة حتى لاحظت العشرات يأكلون البوظة ، وسرعان ما عرض علي شاب قرطوسا ، فلم آخذه ، علما بأنه قال لي إن تناولها مقبول وكثيرون أخذوا ، وسرت ولم أتناول القرطوس ، فقد كان لدي إحساس بأن نسبة السكر في دمي مرتفعة .
بوظة في شباط بمناسبة الإسراء والمعراج . بوظة توزع مجانا . نعم توزع احتفاء بالمناسبة ، وذهبت مخيلتي للبعيد . أهي بوظة كاسدة أم ... ، فإذا عرف السبب بطل العجب ، ولم أتأكد ، فثمة خبر أهم أردت أن أتأكد منه ، وهو معرفة اسم الصراف النابلسي الذي استشهد ليلة عيد في ثمانينيات القرن ٢٠ ، وعرفت أنه من عائلة الطقطوق وكان بالفعل الذكر الوحيد لأسرته بين مجموعة إناث .
السيد عبد المجيد حمدان " أبو وديدة " بدأ اليوم يكتب سلسلة حلقات عن إمكانيات ارتكاب المستوطنين مجازر بحقنا لمواصلة تفريغ فلسطين من الفلسطينيين . هل النكبة الثانية على الأبواب ؟
كان لي زميل يفكر في شراء الأراضي أكثر مما يفكر في تطوير نفسه علميا وكنت ألقبه " أبو عايد " وكل من حضر التغريبة الفلسطينية يعرف ما ألم ب " أبو عايد " .
اللهم اقطع لساني ومد في عمر زميلي وشمته بي وإن شاء الله لا تكون نكبة ثانية ودير ياسين وقبية وطنطورة ثانية .
خربشات ١٨ / ٢ / ٢٠٢٣ .
١٣
مجانين بيت لحم تقول لي :" أنت ابن عاق "
الليلة في المنام وجدتني في مخيم الدهيشة . الأصح وجدتني في شارع مدينة بيت لحم الرئيس . ربما كنت أشارك في مؤتمر من مؤتمرات الجامعة التي غالبا ما أشارك فيها .
كان الشارع طويلا وكنا نتمشى ، ذاهبين لحضور مهرجان يقيمه أهل المخيم ، لشرح قضيتهم لقناصل الدول الغربية . بدوت ، ومن كنت اسير معه ، غير مكترثين .
وجدتني أقف امام مكتبة أتفحص الكتب وبطاقات المعايدة ، وآتي ، مع صاحبها ، على ذكر رواية أسامة العيسة " مجانين بيت لحم " ، وسأقول لصاحبها :
- كم أنا عاق !
كم من مرة زرت بيت لحم ، ولم أزر مخيم الدهيشة ، ولكني أخيرا سأشارك في حضور مهرجان فيه .
والطريف أنني كنت أسير باتجاه الكنيسة والساحة العامة ، وكان المخيم خلفنا ، ولم نفكر في زيارته ، فقد اكتفينا بالنظر إليه نظرة عابرة قائلين :
- كان الله في عون أهله وفي عون اللاجئين .
أفقت من نومي وجسدي كله معكوك .
كم مرة بالفعل زرت بيت لحم ، ولم أزر مخيم الدهيشة ؟
مرة في العام 2004 قدمت ورقة تعد من أفضل ما كتبت تحت عنوان " جبرا ابراهيم جبرا والقصة القصيرة " ، وكان ينبغي أن أشارك في المؤتمر الذي أدرج في برنامجه زيارة البيوت التى سكن فيها جبرا في طفولته وكتب عنها في سيرته " البئر الأولى " ، ولكنني ، يومها ، كنت عينت حديثا ، على مضض ، رئيس قسم ، فاخترت أن أسير القسم على المشاركة في المؤتمر ، والثانية أجدى وأمتع ، كما يعرف الذين يشاركون في المؤتمرات ، خلافا لأصحاب المعالي والكراسي والمناصب الذين لم يكتبوا أبحاثا إلا ما ندر ...الخ.
ترى هل سيكافئنا أسامة العيسة بعقد ندوة في مخيم الدهيشة ، يطبخ لنا قبلها المسخن والمبرد والوسط ، فنزور المخيم أم أنه يخشى علينا من أن نصاب بلوثة الدهيشة والهيشة ؟
خربشات الصباح
١٤
فجر ( ١٣٥ ) :
باطل الأباطيل .. كل شيء زائل ... الفنان فتحي غبن : بدي أتنفس .. لا أطالب بشيء .. مخنوق بدي أتنفس يا عالم
الليلة نمت على ما قرأته في لافتة " حنظلة .. حنظلة " وصحوت على مقطع شريط يصور حالة الفنان التشكيلي الغزاوي فتحي غبن .
اختار " حنظلة .. حنظلة " خلفية حمراء لكتابته على لسان شاب غزاوي يروي ساخرا أنه نجا من الأحزمة النارية والفصف المدفعي والقناصة وتسوية البيت بالأرض و .. و .. و .. وهو الآن سيهلك جوعا .
ما قاله ذكرني بمقولة القائد الإسلامي خالد بن الوليد الذي خاض المعارك ثم مات على فراشه فأحزنه هذا .
وفجرا صحوت على مقطع شريط فيديو أدرجه الكاتب شفيق التلولي على صفحته يظهر فيه الفنان التشكيلي فتحي غبن موجوعا يكاد من صعوبة التنفس أن يموت اختناقا .
كانت ابنة فتحي تحكي عما ألم بأبيها ومنزله ولوحاته الفنية وكيف انعكس هذا كله على صحته ، ولما طلبت من جهات ما أن تهتم به وبلوحاته قاطعها قائلا :
- بديش اشي . بس بدي أتنفس . مخنوق بدي أتنفس يا عالم .
وكان بيده جهاز ما يساعده ، بصعوبة ، على التنفس .
لم يفكر فتحي غبن في لحظة تشرده ومرضه بشيء ، فكل شيء باطل .. باطل الأباطيل باطل ، وعندما أراد محمود درويش أن يخلد نفسه صنع له جدارية من الكلمات .
هل رسم فتحي غبن لنفسه جدارية أم أنه رأى في لوحاته جداريات له ؟
وماذا تجدي في حالته التي بدا عليها الجداريات كلها ؟
" بديش اشي . بدي أتنفس . بس بدي أتنفس " .
في إحدى مقطوعات محمود درويش " حالة حصار " ( ٢٠٠٢ ) وظف مسرحية ( شكسبير ) " تاجر البندقية " وتساءل على لسان " شايلوك " :
- أليس لليهودي قلب ؟
ليس للحمام في وزارة الدفاع قلب .
يبدو أنني بعد أن شاهدت شريط الفيديو سأسكت ، مثل شهرزاد ، عن الكلام المباح ، فقد صاح الديك وأدركني الصباح .
خربشات ١٨ / ٢ / ٢٠٢٤
فجر اليوم ( ١٣٥ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة .
١٥
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
" التشبث بالوطن في الرواية الفلسطينية قبل العام ١٩٤٨ "
هل بدت فكرة التشبث بالأرض ، في الرواية الفلسطينية قبل ١٩٤٨ ، واضحة ؟
صدرت قبل ١٩٤٨ روايات عديدة أولاها " الوارث " لخليل بيدس ( ١٩٢٠ ) و " الحياة بعد الموت " لإسكندر البيتجالي ( ١٩٢٠ ) ، تلتها روايات تاريخية واقعية ورمزية . كتب الأولى نجيب نصار ، فأصدر " في ذمة العرب " و " شمم العرب " ، وكتب نفسه الثانية " مفلح الغساني " و " أسامة العدناني " وكتب جمال الحسيني " على سكة الحجاز " و " ثريا " ومحمد العدناني " في السرير " ، وكتب الثالثة إسحق الحسيني " مذكرات دجاجة " .
وباستثناء روايتي " على سكة الحجاز " ( ١٩٣٢ ) و " مذكرات دجاجة " ( ١٩٤٣ ) يمكن القول إن الرواية لم تقارب موضوع الأرض . وإذا ما عرجنا على المسرحية فإنها قاربته ، وهنا أشير إلى " الملاك والسمسار " لمحمد عزة دروزة ( ١٩٣٥ ) وقد ضاعت ، و " وطن الشهيد " لبرهان الدين العبوشي ( ١٩٤٦ ) .
عندما صدرت " الوارث " و " الحياة بعد الموت " لم تكن فكرة فقدان الأرض تدور في خلد الفلسطينيين إلا أقلهم ، وربما نظروا إلى فكرة تهجيرهم منها على أنها ضرب من الخيال الأقرب إلى الخرافة . لقد اختار بيدس القاهرة مكانا لروايته ولم يكتب عن الصراع الفلسطيني الصهيوني ، وكتب البيتجالي عن فلسطين تحت حكم الدولة العثمانية في سنوات الحرب العالمية الأولى .
مع صدور وعد بلفور وازدياد الهجرة اليهودية وشراء الأراضي وتفاقم الأوضاع في عشرينيات القرن ٢٠ بدأ الخوف يدب في قلوب بعض الكتاب والأدباء فكتبوا في الموضوع .
أبرز رواية أتت على خطر التفريط بالأرض هي روابة " على سكة الحجاز " . اختار جمال الحسيني قرية ستة الفلسطينية التي باعها صاحبها الإقطاعي إميل بك إلى اليهود مكانا ، القرية التي هجر سكانها المزارعون ، في نهاية الأمر ، منها ، ليهيموا في المدن ويتحسروا على أيامهم ، وليعود بائع الأرض في أيامه الأخيرة ، وقد قارب الجنون ، إليها ، ليزورها فيراها عالما آخر .
لقد ظلت هذه الرواية من ١٩٤٨ حتى العام ٢٠٠٠ تقريبا ، حيث أعيدت طباعتها ، ذات تأثير شبه معدوم في الأدب الفلسطيني لضياعها وقلة اطلاع الكتاب عليها ، وحين قرأ الشاعر علي الخليلي طبعتها الجديدة ولاحظ عدم احتفاء دارسي الرواية بها شط بعيدا وزعم أن السبب يعود إلى خوف النقاد من الاقتراب منها ، بسبب موضوعها الخطير ، ولا أذهب إلى ما ذهب إليه . لقد ضاعت الرواية إلى حين حتى اكتشفت ، شأنها في ذلك شأن أعمال روائية فلسطينية أخرى لم تحظ بالدراسة ، مع أن موضوعها لا يشكل خطورة على من يقاربه .
إبراهيم الابن الشرعي لإميل يحب أخته غير الشرعية من أبيه دون أن يعرف أنها أخته ، وحين يريد الزواج منها ويعرف الأب يصارحه بالحقيقة ، فيكتشف أنه " إنما هو ضحية من ضحايا والده . بل ذبيحة تقدم للتكفير عن ذنوبه . هذا ما كتب له . هذا حظه في الدنيا . هل كان أسوأ حظا من أولئك الفقراء التعساء الذين أخرجهم أبوه من ديارهم وناولهم إلى يد البؤس والشقاء ؟ إذن فمصيبته في والده ، وظلم والده ، وكيد والده ! ومتى كانت هذه المصائب ؟ ومتى كان هذا الظلم ؟ ومتى بدأ هذا الشقاء ؟ يوم أن باع ستة ، ويوم أن نثر بأهل ستة بالفضاء الواسع فإذا كل منهم يدعو الله
عليه ويطلب الانتقام منه ... " .
الرواية الثانية هي " مذكرات دجاجة " التي حظيت بانتشار واسع وتلق لافت توزع بين معجب بها وناقد لطروحاتها حد الاتهام بالخيانة ، كما ذهب الناقد فاروق وادي ، على الرغم من رمزية الرواية التي تقول الواقع من خلال معادل رمزي له في عالم الدجاج وصراعه فيما بينه على المأوى - أي فلسطين .
ثمة دجاج غريب طاريء ودجاج مقيم ، معادلان لليهود الغربيين والفلسطينيين ، وما تقترحه الدجاجة هو التخلي عن المأوى وإصلاح العالم كله وبذلك تحل المشكلة .
الطرح السابق لا يختلف عن رؤية رشيد بك في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " ( ١٩٠٢ ) حيث يبيع أرضه دون إكراه لليهود ليستأجرها منهم ، ويعيش معهم ، فهم الشعب الذي جلب النور إلى فلسطين .
لنقرأ في " مذكرات دجاجة " :
" سيحوا في الأرض ، وتوزعوا بين الخلق ، وانشروا بينهم المثل العليا ، والمباديء السامية . وإني لواثقة بأننا سنلتقي في مأوانا هذا بعد أن نطهر العالم أجمع - لا وطننا الصغير فحسب - من هذه الضلالات " ( الصفحة قبل الأخيرة ) ، والدجاجة الحكيمة ستسلك مسلكهم بعد " وإني لن أتخلف عنكم فسأعمل كما تعملون " .
في العام ١٩٦٢ كتب ناصر الدين النشاشيبي رواية " حفنة رمال " وأتى فيها على ما جرى ، في قرية النعامي قرب الرملة ، قبل العام ١٩٤٨ . إن الرواية من حيث زمنها الروائي ترتد في كثير منها إلى ما قبل ١٩٤٨ ، خلافا لزمنها الكتابي الذي لم يكن بعيدا .
تعرض العصابات الصهيونية على ثابت أن يبيع أرضه . يرفض إغراء المال ، فترسل له العصابات سارة ، يهودية الأم عربية الأب ، لتغويه ، فيتحرك فيها دمها العربي وتعلمه بالحقيقة وتقف إلى جانبه ، ومع ذلك يقتله اليهود في أرضه ويجرون جثته إلى أرض المستوطنة ، زاعمين أنه تسلل إليها واعتدى على سارة .
وعموما يمكن القول إن الرواية الفلسطينية لم تقارب هذا الموضوع ، قبل العام ١٩٤٨ ، مقاربتها له بعد النكبة حيث حضر حضورا لافتا وهو ما لاحظناه لدى غسان كنفاني وإميل حبيبي وغيرهما ، ولدى الشعراء والقصاصين .
ولعلني أواصل الكتابة ، فالتهجير هو مطلب الدولة الإسرائيلية في هذه المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة الدائرة .
(.مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية في ١٨ / ٢ / ٢٠٢٤ )
السبت والأحد والاثنين والثلاثاء والأربعاء ١٠ و ١١ و ١٢ و١٣ و ١٤ / ٢ / ٢٠٢٤ .
١٦
" أنا صامد صامد على بكسة حامض " :
في صفحة الصديق رياض عواد Riyad Awad قرأت قبل ثلاثة أربعة أيام أن حوالي ١٠٠ ألف فلسطيني أغلبهم من النخب قد غادروا قطاع غزة دافعين رشى حتى يسمح لهم باجتياز الحدود والخلاص من جحيم الحياة تحت القصف .
كنت أتابع يوميات الروائي عاطف ابوسيف أولا بأول وأسهم في إعادة نشرها . اليوم قرأت أنها صدرت في كتاب عن الدار الأهلية في عمان / الأردن " وقت مستقطع للنجاة : يوميات الحرب في غزة " ، ولا أعرف إن كان الروائي أضاف إلى ما نشره في صحيفة العربي الجديد أية كتابة ، بخاصة ما يخص خروجه . ولقد قلت من قبل إن كتابته لن تكتمل ما لم يضف فصلا عن الخروج .
وللعلم فإن الروائي هو وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية ، وكان قبل ٧ أكتوبر يقيم في رام الله وغالبا ما كان يزور أهله في مخيم جباليا ، وعندما اندلعت الحرب كان مع ابنه ياسر عرفات في غزة ، فيما بقية أسرته - أي زوجته وبقية أبنائه - يقيمون في رام الله .
لقد شطرت الحرب عائلات كثيرة . تماما كما حدث في عام النكبة الأولى ١٩٤٨ ، ثم التقت ، ولا أقول اجتمع شملها ، إثر هزيمة حزيران ١٩٦٧ التي ولدت كتابة أدبية جديدة تخص موضوع اللقاء . من سداسية الأيام الستة والمتشائل لإميل حبيبي حتى عائد إلى حيفا لغسان كنفاني ، وقد خيض في هذه الأعمال الكثير الكثير .
شخصيا لا أعرف ماذا سيكون موقفي لو كنت هناك وكيف سأتصرف . هل سأبقى وارتقي مثل كثيرين من الكتاب والصحفيين والإعلاميين أم سأغادر .
عند الامتحان يكرم المرء أو يهان . يقولون و " اللي بوكل العصي مش زي اللي بعدها " .
أنتظر الحصول على نسخة من يوميات الروائي لأرى ، وأظن أنني وغيري مثل Majdi Ashour و Asmaa Alghoul وغيرهما خضنا في هذا ، وقد أتى عليه الدكتور رياض عواد مرارا .
الفقراء يبقون كما كتب أمل دنقل . إنهم لا يملكون ثمن رغيفهم ، فمن أين لهم خمسة آلاف دولار وقد تصل إلى تسعة عن كل فرد ؟ " للغنى رب غفور " قال الشاعر الجاهلي الصعلوك عروة بن الورد .
أتمنى أن لا أكون كالعادة أخطأت في كتابة الاسم عواد أم عوض والصواب عواد . في الحرب صار الواحد منا ملطوشا مخبولا لا يركز و " الله يجيب العواقب سليمة " .
العنوان " أنا صامد صامد على بوكسة حامض " من رواية سحر خليفة " الصبار " ومقالي الأحد القادم لدفاتر الأيام الفلسطينية ٢٥ / ٢ / ٢٠٢٤ عن رواياتها ورواية عزمي بشارة ورواية يحيى السسنوار .
متى تضع الحرب أوزارها ؟
خربشات ١٨ / ٢ / ٢٠٢٤
( ١٣٥ ) من المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة
١٧
من فلسطين كاملة إلى دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة إلى ... تصريح لزيارة القدس :
كم أصبحت أحلامنا صغيرة !!؟
" بث مباشر "
رن جوالي ظهرا وجاءني صوته جذلا واثقا ومنتصرا وضاحكا :
- أتحدث إليكم من ساحة المسجد الأقصى .. ومعي جميع أفراد العائلة الكريمة .
اعتاد صديقي أن يحدثني بغضب وانكسار عن أن ابنه وابنته اللذين لم يتجاوزا التاسعة لم يسبق لهما أن دخلا القدس ، وأنه هو وزوجته لم يدخلا المدينة منذ ١٢ عاما . واعتاد أن يصرخ :
- هل هذا معقول ؟
تبعد رام الله عن القدس ١٦ كم ، ولا يستطيع ابني وابنتي أن يريا ما يقرآن عنه ويشاهدانه على التلفزيون .
وواصل بثه المباشر :
- دخلنا تهريب ... لم تكن هناك طريقة أخرى ... سأقضي طوال اليوم هنا ، سأعرفهم على كل شيء أعرفه في القدس ، وسأعود ليلا ولو اعتقلونا عندها فلا يهم ، فأخيرا زرنا القدس .
توقف عن الحديث لحظات ثم عاد صوته ينطلق بحزن ومرارة :
- كم أصبحت أحلامنا صغيرة . "
( أكرم هنية ، شارع فرعي في رام الله ، ٢٠١٧ ، صفحة ٣٥ ) .
١٨
نابلس : أجواء دافئة وشوارع خالية
وأنت تسير في شوارع المدينة في منتصف النهار تمشي براحة وهدوء ، فلا ازدحام ولا ضجيج . أو هذا هو ما بدا لي .
في الثالثة عصرا سرت في شارع حطين وجلست في محل صديق حوالي نصف ساعة . لم يكن هناك تزاحم أقدام ولا حركة بيع أو شراء ، علما بأن الجو اليوم كان دافئا ويشجع سكان نابلس وقراها على الخروج من بيوتهم .
تركت شارع حطين خلفي وسرت باتجاه خان التجار . لم يكن الأمر مختلفا ، ولأن الوقت كان وقت صلاة العصر ، فإن كثيرا من الباعة تركوا محلاتهم وذهبوا ليؤدوا الصلاة . وأنا أمعن النظر في المحلات دهشت ، فقد تركت على حالها دون أصحابها . كما لو أن نابلس اليوم كانت مدينة فاضلة وسكانها فاضلين تماما . لا خوف على البضائع أو أن بعض أصحاب المحلات ممن لم يتركوها لتأدية الصلاة كانوا يراقبون محلات جيرانهم إن كان الجيران أوصوهم قائلين :
- أعط لي عينك على المحل .
والعبارة شائعة وقد تنطق مكانها عبارة ثانية :
خل عينك ع المحل خمس دقائق بس أصلي وأرجع .
الحياة اليوم في المدينة هادئة والجيش والمستوطنون مشغولون بقرى مجاورة للمدينة مثل قصرة التي عاث الإسرائيليون في بعض بيوتها خرابا .
في وسائل التواصل الاجتماعي تقرأ عن الحواجز وحركة السير حول نابلس ذهابا وإيابا ، وتقرأ أيضا عن استعداد المؤسسات مثل البلدية وغيرها لاستقبال الزائر الأبيض وحركة الرياح التي ستهب في الأيام القادمة . الناس ينتظرون الأمطار والثلوج ويبدو أن شباط سيعوض الكوانين ؛ الأول والثاني .
لا شيء يبعث على ترداد سطر محمود درويش :
" على هذه الأرض ما يستحق الحياة "
وسطره :
" ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا "
والسبب هو وجع الحياة في ظل الاحتلال وحرب غزة ، وهذا يجعلنا نردد سطرا من قصيدته " لا شيء يعجبني " :
- أنا مثلهم . لا شيء يعجبني ، ولكني تعبت من السفر .
هل اتعبتنا السنون ؟ هل اتعبنا العيش تحت الاحتلال ؟
الحياة ضبابية والأفق لا يبدو ورديا .
خربشات ١٨ / ٢ / ٢٠٢٥
عادل الأسطة عادل الاسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى