ا. د. عادل الأسطة - خربشات ٧ آذار من كل عام

١

الليلة في المنام رأيت أخي درويش في حفلة تنكرية بثياب عروس ولحية حمراء كلحية المتنبي .

الليلة كتبت مقالي " محمود درويش .. امرؤ القيس والمتنبي وأبو فراس " في ساعة متأخرة .
أركنته في غرفة الضيوف ، وأسندته بمقال آخر لي نشر في زاوية الأحد في " الأيام " ، وذهبت إلى الفيس أخربش تعليقات على ما أقرأ .
في الحادية عشرة والنصف ذهبت إلى النوم ، ونمت نوما عميقا ، وصحوت في الثالثة والنصف على منام .

منذ ثلاثة أيام سألني أخو صديق لي عن سر أحلامه الكثيرة ، وأراد تفسيرا ، ولم أقل له أكثر من الآتي :
- ما نفكر فيه في النهار ، نحلم به في الليل ، أو ما نشاهده أو ما نقرؤه في المساء نراه في الليل ، ولم أقل المثل :
" اللي على بال أم حسين بتحلم فيه بالليل ".

الليلة رأيتني في رحلة في حافلة .
كنا في فلسطين الداخل نتجول في مدنها وحدائقها الغناء ، وأزف موعد العودة إلى الضفة ، وجاء من يسأل عن السائق ليقل الباص ويحركه من مكانه ، وأخذنا ننتظر أخي درويش الذي مات في حادث طرق في العام 1973 في اليوم الذي ذهبت فيه أمي لتخطب له .
كان أخي في ثياب عروس ليلة زفافها وقد تزيا بالثوب الابيض ، وتقنع به ، وقد صبغ لحيته بالحناء الحمراء ، كان أخي كأنه المتنبي ، كما نرى الصورة المتخيلة له عادة ، وكان الكل ينتظر مجيئه فرحا به . وكنت أنا في الحافلة في المقعد الأول أرحب به ، ولما صحوت في الثالثة والنصف فجرا أخذت أكتب ما رأيت ...

كنت كتبت مقال الأحد عن تماهي محمود درويش مع المتنبي وأبي فراس الحمداني واختلافه عن امرئء القيس ، ورأيت أخي في المنام فارسا في زي عروس ليلة زفافها . أهو محمود درويش في ذكرى عيد ميلاده في يوم الثقافة الوطنية؟

ما فتحت الفيس على الموقع الرسمي وعلى الحائط العام ، لا الخاص ، حتى رأيت صورة محمود درويش وقصيدة له أدرجها الصديق الفيسبوكي د . عبد الرحمن البرقاوي بمناسبة يوم المراة العالمي والقصيدة من دواوين محمود درويش الأولى ...

إن هي إلا خربشات خربشتها ،
2012

٢
" هنا باقون " للشاعر توفيق زياد

القسم الثاني
2-
تشابهت موضوعات شعراء المقاومة وتشابهت أيضا أساليبهم بالتعبير ، فقد امتازت القصائد بالبساطة والوضوح ، ولعل السبب في ذلك يعود إلى فهمهم للواقعية الاشتراكية في حينه ، الواقعية الاشتراكية التي تدعو إلى حزبية الأدب والأديب وجماهيرية الفن ، فكيف إذا كان جمهور الشعر في فلسطين من فقراء القرى وفقراء من تبقى من عرب في المدن الفلسطينية ؟ولعل مقطع محمود درويش الشهير خير تعبير عن هذا الفهم ، فقد قال ما نصه :
" قصائدنا \ بلا لون بلا طعم \ بلا صوت \ إذا لم يفهم البسطا معانيها \ فأولى أن نذريها ونخلد نحن للصمت " ، ومطلب الوضوح كان أيضا مطلبا حزبيا ، فحين أخذ درويش ، بعد 1967 ، يميل إلى الرمز والغموض طالبه رفاقه في الحزب ممن كانوا ذوي ميول أدبية ، أن يكتب كما كان يكتب في ديوانه الأول " أوراق الزيتون " - طبعا أسقط الشاعر الديوان الأول " عصافير بلا اجنحة " - .
كان الشعراء يذهبون إلى القرى ليقرأوا قصائدهم على أهلها - أي القرى - وكانوا يعبرون عن آلامهم وآمالهم وتطلعاتهم . كانوا يعبرون عن هذا بلغة لا تختلف كثيرا عن لغة الجمهور ، وكان الجمهور يحفظ كثيرا من القصائد عن ظهر قلب .
وحين ينظر المرء إلى قصائد زياد ودرويش والقاسم وسالم جبران فانه يجدها متشابهة إلى درجة كبيرة ، ولو استبدلت اسما بآخر لما شككت بان هذه القصيدة كتبها هذا الشاعر أو ذاك ، وسيعترف درويش في مرحلة متأخرة من حياته أن الشعراء في حينه كتبوا قصيدة واحدة - يعني أنهم لم يتمايزوا عن بعضهم كثيرا .
إن دراسة أية قصيدة مما كتبوا في حينه تعطي انطباعا وافيا تقريبا عن شعر تلك المرحلة ، ولذلك سأختار قصيدة توفيق زياد نموذجا لدراسته .

٣
توفيق زياد في قصيدته " هنا باقون "

1-
شعراء المقاومة في فلسطين المحتلة العام 1948.
يعد توفيق زياد من شعراء المقاومة في فلسطين المحتلة في العام 1948. راشد حسين ومحمود درويش وسميح القاسم وسالم جبران وسميح صباغ هي أسماء شعرية قل من لم يعرفها من القراء العرب بعد العام 1967 ، وكان غسان كنفاني قد عرف بهم وبنتاجهم في كتابيه المعروفين عن أدب المقاومة ، وقد أورد نماذج من أشعارهم بعد أن درسها ، وسيلتفت الشاعر يوسف الخطيب إلى هذه الأسماء وسيجمع في العام 1969 ما توفر لديه من أشعارها وسيصدرها في " ديوان الوطن المحتل " ومن خلاله سيقرأ القراء العرب أكثر أشعار شعراء المقاومة قبل أن تبدأ دور النشر العربية بإصدارها تباعا .

2 - كانت أكثر أشعار شعراء المقاومة تعبر عن الواقع الفلسطيني بعد النكبة ، وهو واقع مأساوي تشرد فيه الفلسطينيون ومن لم يتشرد عاش في وطنه غريبا محاصرا ، عاش تحت الحكم العسكري الإسرائيلي حتى العام 1966 ، وما إن تنفس الصعداء قليلا حتى وقعت هزيمة العام1967 ، وهكذا وجد الشعراء أنفسهم يكتبون في موضوع الأرض والاحتلال والتشرد والضياع والاغتراب وهزيمة حزيران .
في كتابه عن شعر المقاومة يكتب غسان كنفاني عن ثلاثة أبعاد لهذا الشعر ، هي البعد الوطني والبعد القومي والبعد الإنساني ، ولا ينسى الكتابة عن البعد الاجتماعي وأهمية الكلمة في المعركة ، ويقصد غسان بما سبق أن شعراء المقاومة لم يكتفوا بالتعبير عن الموضوع الفلسطيني وما يعيشونه وحسب ، وإنما كانت لهم امتداداتهم العربية والعالمية ، فبقدر ما كتبوا عن مذبحة كفر قاسم ودير ياسين واللجوء وقانون أملاك الغائب والحكم العسكري والمتعاونين ، كتبوا أيضا عن حالة المد الثوري التي شهدها العالم العربي ، فتغنوا بانتصارات مصر والجزائر واليمن والعراق ، وتغنوا أيضا بانتصارات الثورات العالمية ضد الامبريالية . ولأن أكثر هؤلاء الشعراء آمنوا في حينه بالفكر الماركسي وانضووا تحت لواء الحزب الشيوعي أو كانوا قريبين منه ، فقد آمنوا بأهمية الكلمة ودورها في المعركة ، وبأن كتابة الشعر ليست من باب الهواية ، وهكذا حفلت كتاباتهم بمقطوعات تعزز دور الكلمة بالتغيير ، وقد أثر الفكر الماركسي على كثير من قناعاتهم ، وهكذا لم يعودوا يتماثلون مع المعتقدات الاجتماعية الموروثة ، بل إنهم أخذوا يسخرون منها ، بل وينتقدونها ، من ذلك قصيدة لراشد حسين عن احتفال العرب في القرى العربية بالمولود الذكر الذي سيغدو في كبره راعي ذباب لا أكثر.

2012

٤
" آن أن تنصرفوا " :

هذه عبارة وردت في قصيدة محمود درويش الشهيرة " عابرون في كلام عابر " قالها للإسرائيليين الذين طردوا شعبنا من أرضه ، وطال احتلالهم .
هل يجوز للجيل الشاب أن يستعيرها ليقولها لجيل الكبار ممن تجاوزا الخامسة والستين من العمر وما زالوا يقاتلون من أجل البقاء في مناصبهم ؟
في أوروبا حين يمددون فترة العمل لسبعين عاما يفعلون ذلك لأن لهم المبررات الكافية والأسباب المقنعة ، فلماذا نقلدهم وليس لنا الأسباب والمبررات نفسها ؟
أعتقد أن الجيل الشاب يريد فرصته في الحياة ، يريد الوظيفة والبيت والأسرة و .. و .. ومن حقه أن يقول لمن تجاوز ال 65 من العمر :
" آن أن تنصرفوا " ، فلنا في المؤسسة ما نفعل .
أنا مع صرخة الجيل الشاب هذه لأسباب تخصه ولأسباب أخرى هي أن أكثر الذين تجاوزا ال 65 عاما لم يقدموا شيئا يذكر يجعلنا نتمسك بهم . إن ما قدموه فكريا يساوي صفرا ، ولكن على الجيل الجديد أن يثبت نفسه .
2013

٥
" طشاري "..... لانعام كجه جي

أكاد أقترب من إنهاء الرواية التي تأتي على مأساة العراق . كم من رواية عراقية تصور مأساة العراقيين منذ 70 ق 20؟
هل فاقت قسوة منفى العراقيين قسوة منفى الفلسطينيين ؟
أعتقد أن فكرة المنفى في الأدب الفلسطيني واللبناني والعراقي هي الأكثر حضورا في الأدب العربي الحديث ، ولكن ما يمتاز به الأدبان العراقي واللبناني يكمن في تفتيت نسيج المجتمعين بسبب الدكتاتور والحرب الأهلية ، وبروز الطائفية والقتل على الهوية ، وهذا ما لا يبرز في الأدب الفلسطيني ، ليس لأن الاحتلال الاسرائيلي أقل قسوة من النظام العربي ، وإنما لأن المجتمع الفلسطيني تماسك أمام العدو الصهيوني الذي اضطهد جميع الفلسطينيين كونهم عربا ، ولأن المجتمع الفلسطيني لا يتشكل من طوائف كثيرة متعددة ، هذا اجتهاد ، وهذه فكرة تستحق أن تناقش حقا .
هل كان لشيوع الفكر الماركسي وتبني فلسطينيين كثر له دور في تماسك الشعب الفلسطيني ؟
الروايات العراقية واللبنانية تصور خراب النسيج الاجتماعي للبلدين ؛ الخراب الذي وصل إلى مرحلة أدت إلى رحيل أكثر الأقليات في العراق ، وإلى تقسيم لبنان مناطقيا حسب الطائفة .
هل ستحفل الرواية السورية بما تحفل به الروايتان العراقية واللبنانية ؟
روايتا خالد خليفة " مديح الكراهية " و "لا سكاكين في مطابخ هذه المدينة " تقولان لنا هذا .
وأنا أقرأ في " طشاري " تذكرت سنان انطون وروايته " يا مريم " . الروايتان تتشابهان تقريبا في تصوير واقع المسيحيين في العراق ، وثمة حنين إلى الماضي الذي كانت فيه الطوائف تحتفل فيه معا بالمناسبات الدينية .
تركز " طشاري " على هذا ، فالدكتورة وردية اسكندر كانت تذهب إلى احتفالات الشيعة والسنة بالمناسبات الدينية وتشاركهما طقوسهما ، بل إن الطبيبتين وهما تولدان كانتا تقرآن الآيات الدينية الإسلامية والمسيحية ، فالرب واحد ،
وما هو مشترك أيضا أن الروائيين يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك . تعايش المسيحيين والمسلمين واليهود ، وثمة تشابه في النسق امل أن أكتب عنه بعد أسبوع .

كانت أم كلثوم تغني ، هذا المساء ، " أقبل الليل " ، ويبدو أنني حين كتبت نص " ليل الضفة الطويل " لم أكن ذا بعد نظر ، فنحن الآن نحيا " ليل العرب الطويل " .
" أقبل الليل يا حبيبي وناداني حنيني " إلى أزمنة السحل وما قبل السحل ، فقد كانت أخف وطأة .
2014

٦
شكسبير :
" ثمة رائحة عفن في مملكة الدنمرك " .

ثمة رائحة نتنة . ثمة فساد ما .
ثمة لعب ما .
ثمة حياكة شيء ما .
ثمة لعب ما .
ثمة مزاح ما .
ثمة تمثيل ما .

كيف يمكن أن تظل صاحيا 24 ساعة .
غالبا ما أتذكر رواية " المزحة " ل ( ميلان كونديرا ). أو رواية " المحكمة " ل ( فرانز كافكا ).
وعلى الذين يمزحون أو يلعبون أو يمثلون أو يحاولون الإيقاع أن يتذكروا أنهم يمزحون ويلعبون ويمثلون ويحاولون الإيقاع أيضا إنهم ليسوا بريئين من اﻷمر .
ثمة رائحة نتن في مملكة ...... الوطن .
في المؤسسة . في ... المحيط . في العائلة . في مكان العمل .

7 / 3 / 2016

٧
من الذي يحرك الدمى ؟

ثمة دمى محددة تحركها جهات ما .
ليس لرام الله وجه واحد . قلت لرام الله وجوه كثيرة .
جريمة أمس تحتاج إلى عمل روائي .
أحد القراء طلب مني أن لا استغل اسم الشهيد .
تفضلوا يا كتاب رام الله . تفضلي يا أيتها الكاتبة واكتبي. استغلي أنت اسمه .

7 / 3 / 2017

٨
الياس خوري " نجمة البحر " : 28

" كل نقاد الأدب هم أدباء فاشلون " و " كمن يمشي على الكلمات " :



هل صحيح أن كل نقاد الأدب هم أدباء فاشلون ؟
ترد هذه العبارة في الرواية على لسان إحدى الشخصيات اليهودية ، وهي ( أوري ) ، حيث خاطب ( فريدكا ) وهما في ( وارسو ) يسألها السؤال الآتي :
" أخطأت يا عزيزتي ، لماذا اخترت هذا الأستاذ الأبله كي يقود الطلاب في هذه الرحلة ؟ نحن لم نأت إلى هنا كي نستمع إلى فلسفة أستاذ أدب فاشل. كل نقاد الأدب هم أدباء فاشلون " ( ص224 ) .
وتحفل الرواية بآراء نقدية ، وهذا ذكرته مرارا ، بحيث يمكن أن تدرس ككتاب نقدي ، وهي بذلك تقدم نموذجا أدبيا جيدا للمهتمين بفكرة تداخل النصوص الأدبية ، إذا اعتنبرنا النقد نصا .
هل صحيح أن كل نقاد الأدب هم أدباء فاشلون ؟
عموما لا تصدر العبارة في الرواية عن أديب محترف ، وأغلب الظن أن ناطقها سمعها ، وإذا عززنا الرأي القائل بأن الياس خوري يوزع آراءه على شخوصه ، فقد تكون العبارة عبارته وقد يكون هو شخصيا يرددها ويؤمن بها ، وكنت أتمنى لو كانت العبارة " أكثر نقاد الأدب هم أدباء فاشلون " لا " كل " .
وعموما فإن العبارة هذه تصلح لأن يكتب فيها كاتب مطلع كتابا يعتمد في مادته على دراسة النقاد العرب ونتاجهم الأدبي .
إنني شخصيا اقترحت على أحد طلاب الدكتوراه عناوين قريبة من العبارة لكي يكتب فيها ، وكنت أشرفت على رسالته " الشعراء الروائيون " .
ماذا لو درسنا نتاج نقاد عرب وفلسطينيين كتبوا الشعر أو القصة أو الرواية أولا ؟
إننا نقرأ أعمالا إبداعية لنقاد كتبوا النقد أولا ثم كتبوا الشعر أو القصة أو الرواية ، ومنهم نبيل سلمان وشكري المبخوت وعبد الملك مرتاض وابراهيم السعافين وأحمد حرب والقائمة تطول . ولو نظرنا في إصدارات الياس خوري نفسه فسوف نلحظ أنه أصدر كتب النقد أولا ثم كتب الرواية .
هل يمكن عكس المقولة مثلا لتكون " كل النقاد الذين صاروا شعراء أو كتاب قصة أو روائيين هم نقاد فاشلون " .
في " أولاد الغيتو " بجزأيها نقد أدبي وفير ، ما يجعل من الرواية نصا أدبيا تتداخل فيه الأنواع : السيرة الأدبية والفكرية والنقدية للكاتب نفسه ، والرواية السيرية - سيرة الكاتب وبطله معا - بل وإنها أحيانا تجنح إلى الدراسة الأدبية " .
لنقرأ هذه الفقرة على سبيل المثال لا الحصر :
" يحق لكاتب هذا النص ، وهو يروي سيرته ، أن يسأل نفسه لماذا يستعيد هذه الرحلة إلى وارسو ؟ولماذا يتلعثم ويفقد حيلته ويجد نفسه عاجزا عن الكتابة ؟ .... "( 222 ) ولنركز على " يحق لكاتب هذا النص ، وهو يروي سيرته " ثم بعد ثلاثة أسطر يضيف :
" كاتب هذا النص يعرف أن شهادته لا تضيف جديدا إلى تفاهة الشر الذي يتحول إلى جريمة ..." ،
ولنركز على كلمة " شهادته " ،
ثم لننظر في الصفحة المقابلة - أي 223 إلى ما يكتبه عن قصيدة الشاعر راشد حسين ورواية ( ألبير كامو ) " الطاعون " .
إن ما يرد فيها هو نقد أدبي صرف .
" يعرف آدم أنه أحدث تعديلا صغيرا على الشطر الأول من البيت الأول في القصيدة ، فراشد حسين لم يكتب " الله أصبح غائبا " ، وإنما كتب " الله أصبح لاجئا " ، لكن حدس آدم قاده إلى استبدال اللاجيء بالغائب . فالله هو الحاضر - الغائب الأول . غيابه يبرر كل شيء ، وحضوره يضفي القداسة على أي شيء ..."
و
" بدلا من اتهام الله ، يتهم الشاعر الفلسطيني الإنسان . وأمام الهول يعلن ادورنو موت الشعر وهمجية الاستعارة ، وفي الحالين ، نحن أمام الاستحالة : النجوم انطفأت هنا ، واللغة ماتت هناك . وحشية الإنسان تصل بنا إلى العري الكامل ؛ أي إلى التعري من اللغة " ولنركز على " موت الشعر وهمجية الاستعارة " ، واذا لم يكن هذا نقدا فماذا يكون ؟
ويمكن أن نعود إلى صفحات أسبق ، وتحديدا إلى الصفحات 200 إلى 202 لنقرأ آراء أستاذ الأدب في جامعة حيفا . يدرس ياكوب طلابه مادة " مقدمة إلى الأدب " ويشرح لهم مفهومه للأدب :
" إن الأدب ليس مادة للدراسة كغيره من المواد . ومن جاء ليدرس الأدب فإنني أنصحه بألا يبقى في صفي ، فالأدب لا ندرسه بل نعيشه " و " الموضوع هو كيف تتحول النصوص الأدبية إلى ذاكرة شخصية .دارس الأدب هو من يصير الأدب ذاكرته " و " تعلم آدم أن يقرأ أسفار التوراة بصفتها أدبا " و " الأدب هو فن الرثاء " و " كان هذا الأستاذ يمزج الماركسية بالفوضوية ، ويحض طلابه على قراءة الأدب العظيم بصفته أدبا يعبر عن المراحل الانتقالية في تاريخ البشر ، وعلى الرغم من إلحاده المعلن ، كان يرى في بعض أسفار التوراة ندا للأدب الكلاسيكي اليوناني ، ولا يتوقف عن مقارنة حكاية إسحق بحكاية أوديب ، " الفرق أن أوديب وجد كاتبا عظيما في سوفوكليس ، أما إسحق فلا يزال إلى اليوم يبحث عن كاتبه "
( من الكلمة التي سوف ألقيها في مؤتمر القاسمي في نيسان 2019 إن شاء الله )
الأمر يحتاج إلى تفكير

٩
عيد المرأة أو يوم المرأة :

يصرون على الاحتفال بعيد المرأة العاملة .
طيب ماش .
أمي غسلت ملابسنا فقامت بدور الغسالة والمكوجي ، وطبخت لنا فقامت بوظيفة طباخة في مطبخ ، وعجنت الطحين وخبزت الخبز فكانت فرانا ، وصنعت الحلوى بأنواعها من الحلبة إلى القزحة إلى المعمول والكلاج فكانت حلوانجية ، وربتنا فكانت (بيبي ستر) ، ورتبت لنا فراشنا كما لو أنها عاملة في فندق ، وطببتنا فكانت ممرضة ، وقامت على خدمة أبي في هرمه وشيخوخته فكانت عاملة في ملجأ مسنين و ....
وحين كنا نسأل عن مكانتها الاجتماعية كنا نقول "ربة منزل " .
أعتقد أن الذين يتحدثون عن المرأة العاملة بفخر ينسون أن أمهات زمان كن يمارسن سبع مهن ، ولكن كما يقول المثل "سبع صنايع والبخت ضايع " .
كان البيت نظيفا والطعام صحيا والخبز شهيا و...
وأعتقد أنهن لم يكن يستغللن ، على الرغم من أنهن لم يحصلن على الحد الأدنى للأجور إلا بعد أن تقاعدن وكبر الأولاد.

7 آذار 2019

١٠
الياس خوري "نجمة البحر " أولاد الغيتو :
" فهرس المقالات والخربشات "

عادل الاسطة

- فهرس الرواية :
1 - اليهود والشتيمة
2 -الفلسطينيون والسخرية
3 - هيلل كوهين :العرب الصالحون
4 - الفلسطيني الخائن
5 - الفلسطيني وخيانة الآباء
6 - اليهودي التائه والفلسطيني التائه
7 - الأخرس إن حكى
8 - الكتاب اليهود وصورة العرب
9 - عوز ويهوشع والأدباء اليهود العراقيون
10 - اليهودي العراقي
11 - حيفا ويافا والكتابة عن بعد
12 - المكان الروائي
13 - غيتو حيفا
14 - عشاق حيفا: أشطر من ضومط
15 - ظل الحكاية: محمود درويش وريتا
16 - أن تكون عربيا في إسرائيل
17 - الدم الألماني والدم اليهودي
18 - حيفا بين ثلاثة روائيين
19 - جبرا وحبيبي وشماس والياس خوري
20 - الواقع والخيال
21 - وحدة المؤلف والنص
22 - وهج الآباء و ضآلة الأبناء
23 - محو الفلسطيني
24 - من الغيتو إلى الغيتو
25 - وكانت وارسو
26 - النص الروائي والحمولة المعرفية
27 - المؤلف الحقيقي والمؤلف الضمني
28 - كل نقاد الأدب هم أدباء فاشلون
29 - ظلال الشاعر : محمود درويش والياس خوري .
30 - الياس خوري وأدبه : إشكالية الهوية .
31 - الياس خوري و ( ا.ب.يهوشع ) : "أولاد الغيتو" و"العاشق" .
32 - الياس خوري وروايته " أولاد الغيتو " : تداخل الأجناس الأدبية .
33- الذهاب إلى هناك .. الذهاب إلى ( داخاو ) .
34 - الياس خوري " أولاد الغيتو " إشكالية التجنيس.



.

١١

من يوميات " الست كورونا " . سلسلة يوميات يكتبها عادل الاسطة ابتداء من اليوم ٧ آذار ٢٠٢٠ ، وإلى حين .

جامعاتنا والكورونا والتعليم عن بعد ١
:

هل أحمد الله لظهور مرض كورونا ؟
لولا كورونا هل كانت جامعاتنا تتخذ قرارا مثل هذا - أي التعليم عن بعد ؟
حين كنا نسافر للمشاركة في مؤتمر علمي كانت إدارة الجامعة تصر على أن نعوض محاضرات أيام الغياب ، وحين اقترحنا عليهم التعليم عن بعد - وقد أفدت هذا من د . أحمد زويل في مقابلة له مع فضائية " الجزيرة " - كانت أذنا المسؤول واحدة من طين والثانية من عجين .
ببساطة كان يمكن تكليف الطلاب قراءة صفحات من كتب والتواصل معهم الكترونيا ، وكان يمكن أن يشاهدوا المحاضرات المصورة المدرجة على موقع الجامعة ، فأنا على سبيل المثال صورت محاضرات مساقاتي كلها . ما على الطلاب إلا متابعة المحاضرات الكترونيا فأكون حاضرا أحاضر .
كم مؤتمر منعت من المشاركة فيه بسبب حرص الإدارة على مصلحة الطلاب إن سافرت ؟!
ها هو كورونا يفرض على الجامعات تعطيل شهر كامل .
للأسف لم أكن كورونا .
إن شاء الله لا تكلفني هذه الكتابة حجز ما تبقى من مستحقاتي أو عدم إعادة مستحقاتي التي خصمت زورا وبهتانا .
صباح الخير يا إدارات جامعاتنا !
بدري
والله بدري!

٧ آذار ٢٠٢٠

١٢

ذاكرة أمس ١٢ : اليوم الأول من العام الثاني للكورونا في فلسطين

أمس كان اليوم الأول من العام الثاني لمعاناتنا في فلسطين من الجائحة .
كان العام الماضي - تحديدا منذ بداية آذار - أول عام لا أشارك فيه في مؤتمر وجاهي أو في ندوة أدبية . ألمت بنا الجائحة وتعطلت ندوة آذار عن الشاعر عبد الرزاق رشيد " أبو رشيد " ، وشاركت في ندوتين عبر برنامج ZOOM وفي حلقتين من برنامج " تأويل النص " الذي يقدمه احمد أحمد زكارنة في الإذاعة الفلسطينية ، وسجلت حلقتين لبرنامج " خارج النص " لفضائية الجزيرة بثت حلقة معين بسيسو منهما وحتى اللحظة لم تبث حلقة جبرا ابراهيم جبرا .
أمس كان الجو مشمسا فاكتسبت قدرا كبيرا من فيتامين D وتمشيت قليلا ثم ذهبت مع أبناء إخوتي إلى أرضهم . ثمة ربيع فلسطيني يبدو جميلا حتى اللحظة وأعتقد أن الإغلاق الشامل فرصة مناسبة للفلسطينيين ، ربما عدا فلسطينيي قطاع غزة ، للاستمتاع بالطبيعة .
ظننت أمس أن الإغلاق سيكون شاملا حازما حديديا ، ولكن هذه الصفات لن يوصف بها أي إغلاق في مناطق السلطة الفلسطينية ، إلا في حالة واحدة هي أن تتفتت العائلة والعشيرة والتنظيمات الفصائلية كلها ويصبح الانتماء للوطن أولا ويزول أي انتماء عائلي وعشيري وفصيلي ، ودون ذلك فإن ثمة شفيعا ووسيطا لكل من يرغب في عدم الالتزام ، وحجة هؤلاء أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيشفع يوم القيامة لأمته .
قرأت أمس قسما من بحث عن " صورة اليهود في الرواية العربية المعاصرة : رؤية سردية مغايرة " للباحث المصري د.محمد سيد أحمد متولي نشره في مجلة رسالة المشرق ص٦٣ ، واعتمد فيه على كتبي ، فذكر قسما منها وأغفل قسما آخر ، وزعم أنه عاد إلى كتاب " أبو حيان " التوحيدي " الإمتاع والمؤانسة ، وأظن أنه نقله عن كتابي " اليهود في الرواية العربية " وإن كان الكاتب لا يعرف الألمانية فدليلي قاطع جازم .
ما علينا !
سننفق ستة أيام بلا جلوس في المقاهي ، ولو لنصف ساعة ، وعلي أن أتجول وأتمشى في الحي الذي أقيم فيه .
ثمة هدوء في الحي لا ينغصه إلا ... . وثمة أيام تمر تذكرني بحكاية جبر والمثل الذي لخصها " مثل جبر من بطن أمه للقبر " وأعتقد أن أيام الكورونا أيام غير محتسبة لأحد ، فالجميع صار مثل جبر ، وعندما كنت أسأل في قسم اللغة العربية عن رأيي في أعضاء القسم ، إن كانوا يختلفون عن زميلنا رحمه الله ، كنت أجيب :
قسم كله جبر
فلا جمع ولا طرح
ولا نحو ولا صرف ... إلخ .
ربما كنت ، حين أسخر وأتهكم ، أبالغ ! ربما !
وثمة حديث عن تمديد الإغلاق ، وأمس حول إلي الصديق ماهر فتحي بسطامي شريط فيديو لطبيب عربي يعدد فيه أسماء عشرة أطباء يهود ينصحون بعدم تعاطي لقاح فايزر لآثاره السلبية المؤذية .
هل تزوجت سعاد حسني من عبد الحليم حافظ ؟ وهل تزوج الملك فاروق من الراقصة سامية جمال ؟
" الفاضي بعمل قاضي " يقول المثل ، وأنا صرت أتابع أخبار الراقصات والممثلات و ... .

صباح الخير
خربشات عادل الاسطة
٧ آذار ٢٠٢١

١٣

كلما كتب لي الطبيب دواء تصر شركة التأمين أن أحضر لها منه تقريرا ، وأنا كسول أفضل أن أدفع ١٦٠ شيكلا ثمن الدواء على أن أعود إلى المشفى لأطلب من الطبيب التقرير .
لولا الخوف من دخول المشفى لما اشتركت في أي شركة تأمين .
ألا تثق شركة التأمين بالأطباء الذين تتعاقد معهم ؟
رحم الله أبو محمد الجوهري زوج خالتي كان إن راى شخصا يربح الكثير ولا يعطي عماله إلا أقل القليل أو كلما رأى بخيلا يقول :
" بدوا يوكل وما يخراش "
مع المعذرة للتشبيه .

١٤

محمود درويش :
أتذكر السياب

اليوم الثالث عشر من آذار هو ذكرى ميلاد محمود درويش وهو يوم الثقافة الوطنية الفلسطينية ، ولعل أفضل احتفال بهذه الذكرى هي أن أخص الشاعر باقتباس من شعره وبالكتابة عن الشعر ، وبما أنني سأكتب عن الرواية العراقية وتوظيف الموروث الشعري فيها ، فليس أنسب من اقتباس سطرين للشاعر وردا في قصيدته " أتذكر السياب " من مجموعة " لماذا تركت الحصان وحيدا؟"(٢٠٠٣) . يقول درويش :
" أتذكر السياب ... إن الشعر يولد في العراق
فكن عراقيا لتصبح شاعرا يا صاحبي !"
ولا يخفى أن علاقة درويش بالسياب هي علاقة شاعر بشاعر قرأه فأعجب بشعره قبل أن يعجب بمواقفه ، فعندما كان في الحزب الشيوعي فرض الحزب عليه أن يقرأ البياتي لا السياب والسبب معروف وواضح . كان البياتي في حينه شيوعيا في الوقت الذي ساءت فيه علاقة السياب بالحزب ، فهجاه بسلسلة مقالات عنوانها " كنت شيوعيا " .
التزم درويش برأي الحزب ولكنه كان يميل إلى شعر السياب أكثر من ميله إلى شعر البياتي ، وهو ما أفصح عنه في مقابلات متأخرة أجريت معه قبل وفاته ( انظر مجلة " مشارف " تشرين الأول ١٩٩٥ ص ٧٩ ) .
في الأسبوعين الأخيرين طلب مني أن أبدي رأيي في بحث عنوانه " الموروث الشعري القديم في روايات الكاتبة العراقية إنعام كجه جي ، وكنت قرأت ثلاثا منها وكتبت عنها ، وكان علي أن أعود مجددا إلى رواياتها أقرأ ملاحظاتي عليها وتوقفت مطولا أمام " الحفيدة الأمريكية " وما ورد فيها عن علاقة الحفيدة زينة ووالدها بالشعر ، ما ذكرني بقصيدة درويش المقتبس منها .
ابتداء أشير إلى أن الطالب الذي أعد رسالة الماجستير وهو معتصم غوادرة كان أحد طلابي في جامعة النجاح الوطنية ، وكنت درسته رواية الكاتبة العمانية جوخة الحارثي " سيدات القمر " ، ولما سألني عن روايات معاصرة وظف فيها كتابها الشعر اقترحت عليه روايات إنعام كجه جي .
ما علينا !
أعود إلى رواية " الحفيدة الأمريكية " وقصة زينة ووالدها والشعر فيها .
كان والد زينة صباح بهنام ، وهو اشوري ، مذيعا في عهد صدام حسين ، ومرة أبدى امتعاضه من طول خطاب الرئيس وكونه مكررا ، فوشى به زميله ، ما أدى إلى سجنه بحجة معاداة الثورة والحزب ، ولما أفرج عنه غادر العراق ، وغادرت معه ابنته زينة ، إلى الولايات المتحدة الأمريكية لتعود إلى بلدها مع الغزو الأمريكي تخدم في جيشه وتعمل مترجمة .
تأتي زينة على ماضيها في العراق وحبها ووالدها الشعر العربي ، فقد تربت على الشعر الذي شغف والدها المذيع . كان صباح بهنام شغوفا بالشعر القديم ومولعا به ، وقد حفظ منه الكثير ومما حفظه قصائد الغزل التي أدار بها رأس " أمي فما عادت ترى رجلا غيره من البشر ، وحين أصرت على الاقتران به قال لها جدي :
- هذا آشوري ، اش جابو على العرب
- آشوري بلوشي برتكيشي . أريده ولن أتزوج غيره "( ص ١٣٣) .
تأتي زينة على المبارزات الشعرية بينها وبين أبيها ؛ المبارزات التي جعلتها تحفظ الشعر العربي القديم ، علما بأنني لم ألحظ في الرواية أي بيت منه ، وربما لهذا لم يقف الطالب معتصم غوادرة في الجزء الذي قرأته من دراسته أمام رواية " الحفيدة الأمريكية " .
الرواية عموما تحفل بإشارات إلى الشعر العراقي الحديث بنوعيه الشعبي والفصيح ، وتقتبس من قصيدة مظفر النواب " للريل وحمد " وتذكر الجواهري وقصيدته " دجلة الخير " .
شخصيا أعادتني المبارزات الشعرية بين زينة ووالدها إلى ما كان شائعا في ٦٠ القرن ٢٠ من مسابقات كانت تقام في النوادي والمدارس يتم فيها إجراء مسابقات شعرية ، ولعلها انقرضت منذ ثلاثة عقود ، فما عاد كثيرون يحفظون الشعر العربي القديم كما كنا نحفظه .
ومع أن المبارزات الشعرية تحفل بالشعر الموزون المقفى إلا أن أي نموذج منه لم يحضر . إنه النموذج الغائب . في موقع واحد من الرواية - إن أحسنت الرصد - يشار إلى شطر بيت من الشعر الجاهلي ، ولكنه لم يذكر . مثلا في الصفحة ١٣٣ نقرأ عن علاقتها بمهيمن الشيعي أخيها في الرضاعة :
" يقرأ لي مهيمن شطرا من بيت شعر جاهلي ويتعجب عندما أكمل له العجز . يحدثني عن مظفر النواب ويكتشف أنني أحفظه خيرا منه . يفرح لأنني قادرة على مجاراته في ميوله الأدبية ، ويكظم غيظا عندما أمضي في استذكاراتي إلى آفاق لم يصلها .
في كل مرة يسألني :
- أين تعلمت هذا ؟
لو يعرف مهيمن بأي لغة كان يحدثني أبي ... أحكي له ... عن شغف المذيع صباح بهنام بالعربية وولعه بالشعر القديم ، عن محفوظاته من قصائد الغزل التي أدار بها رأس أمي .. " .
ربما ما يستحق الالتفات إليه في هذه الرواية هو التعدد اللساني فيها وكنت توقفت أمامه بإيجاز في مقالتي في جريدة الأيام في ١١ / ١٢ / ٢٠١١ تحت عنوان " الحفيدةالأمريكية : هل جنى الاحتلال على اللغة ؟ " .


الاثنين ٧ آذار ٢٠٢٢
السبت ١٢ آذار ٢٠٢٢ .

١٥

كارول سماحة ومحمود درويش و " ستنتهي الحرب "

ثارت في الأسبوعين الماضيين مجددا الضجة حول نسبة الأسطر الآتية إلى الشاعر محمود درويش :
" ستنتهي الحرب ويتصافح القادة الأعداء ، وتبقى تلك العجوز تنتظر ابنها الشهيد ، وتلك الفتاة تنتظر زوجها الحبيب ، واولئك الأطفال ينتظرون والدهم .
لا أعرف من دفع الثمن
ولكني أعرف من باع الوطن ".
وكان محرك الضجة غناء اللبنانية كارول سماحة للأسطر ، لا إعادة نشرها أو ترجمتها إلى العبرية كما كان السبب من قبل . لقد انتشرت الأغنية انتشار النار في الهشيم ، إذ شاهد شريط الفيديو ، خلال أسبوع ، مليونا مستمع .
كانت الأسطر منذ بضع سنوات نشرت على صفحات التواصل الاجتماعي منسوبة مرة لمحمود درويش وثانية لجبران خليل جبران .
في ٢٧ / ٣ / ٢٠١٩ نشرها الدكتور نبيل طنوس على صفحته ونسبها لمحمود درويش . حظي النشر بتسعة تعليقات لم يشكك أي من أصحابها في نسبتها . لقد مدح المعلقون الأسطر وأشادوا بمضمونها .
في ٢١ / ٤ / ٢٠٢٢ نشرها الدكتور مترجمة إلى العبرية فحظيت ب ٥٧ تعلبقا و ١٩١ إعجابا و ٣ مشاركات . مدح المعلقون الترجمة والمضمون والنشر وأشاروا إلى تأثير الأسطر على القلوب والعقول وأشادوا بصدق درويش ، وذهب معلقون إلى أن النص من أقوى ما قيل في الحروب ومدحوا حسن اختيار المترجم وألمحوا إلى من دفع الثمن ومن قبضه .
في ١٠ / ٨ / ٢٠٢٢ أعاد الدكتور نشر الترجمة ، فحظي النشر ب ١٥ تعليقا و ٩٠ إعجابا ، مدح المعلقون النص والترجمة ولكن الدكتور خضر توفيق خضر أستاذ الأدب الإنجليزي في جامعات غزة تساءل عن صحة النسب وكتب :
" مرحبا دكتور نبيل النبيل . ما مصدر هذه القصيدة لمحمود درويش ؟ لأنه يوجد خلاف أنها ليست له ، بل هي لجبران ، لذا أرجو أن تتكرم علينا بالمصدر حتى يتسنى توثيقها " ، ولما سألني الدكتور نبيل عن رأيي كتبت في ١٤ / ٨ / ٢٠٢٢ الآتي :
" كثر على مواقع التواصل الاجتماعي إدراج مقطع يبدأ بالعبارة السابقة وينسبه كثيرون لمحمود درويش وقليلون لجبران . من من قراء الأديبين يمكن أن يوثق النص توثيقا علميا ويحيلنا إلى المرجع " .
نال ما كتبت ٩٤ إعجابا وحظي ب ٥٦ تعليقا ، وفي ٢١ / ٨ / ٢٠٢٢ نشرت في جريدة الأيام الفلسطينية مقالا عنوانه " العرس الفلسطيني : والدة الشهيد التي تنتظر ابنها " وحظي بتعليقات لافتة لأدباء وشعراء قرأوا درويش جيدا ، فذكر قسم منهم أنه يذكر ببعض مقاطع للشاعر منها مقطع من قصيدة " لاعب النرد " وأورده صاحب التعليق . وكتب آخرون الآتي :
- المقطع الأول قرأته في أعمال درويش .
- النفس والأسلوب أقرب إلى لغة درويش منه إلى جبران .
- أعتقد أنه ورد في إحدى قصائد الشاعر والكاتب المسرحي الكبير برتولد بربخت والله أعلم : " الأمهات وحدهن بكين هنا وهناك ".
- لا توجد هذه العبارة في أي من كتب درويش النثرية .
- طعم الجملة لا يتسق مع نمط تركيبة الجملة لا عند جبران ولا عند درويش .
- من المعروف دوليا أن هذا النص ينسب إلى ناظم حكمت .
- الفقرة الأخيرة اظنها للشاعر أحمد مطر ، وربما المقطع الأول هو حاصل دمج لعبارات من مصادر مختلفة " .
واستثار التشكيك في نسبة القصيدة متابعي الشاعر ومؤسسته والنقاد والصحف وبعض الفضائيات ، وقد أعادت الإشكالية بعض دارسي الشعر العربي إلى قضية الانتحال فيه التي توقف أمامها ابن سلام الجمحي ومرجليوث وطه حسين وناصر الدين الأسد الذي أتى على آراء الدارسين في كتابه " مصادر الشعر الجاهلي " .
على مستوى شخصي فقد انشغلت بالأسطر حيث طلب مني - متابعا لأشعار الشاعر - إبداء رأيي ، وهكذا عدت من جديد أبحث في كتب الشاعر وطبعاتها ؛ ما حذف منها وما أجري عليه من تعديلات وما لم يدرج من قصائد في طبعات دواوين الشاعر المختلفة ، أو في أعماله الكاملة ، فظل يقبع في بطون الصحف والمجلات ، وهو كثير وغير متوفر كله لي ، وخلصت إلى أنه يجب على مؤسسة محمود درويش أن توفر ما كتبه كله في متحفه وتؤرشفه ، وخلصت أيضا إلى أنه حتى اللحظة لا يوجد نص مطابق تماما لما نشر في صفحات التواصل الاجتماعي وما غنته كارول سماحة التي أضافت إليه سطرا من قصيدة الشاعر " وعاد في كفن " .
لكن ما يجب أن يقال هو أن روح الأسطر وبعض جملها وردت حقا في قصائد للشاعر كتبها في بدايات ٧٠ القرن ٢٠ ، بل وروح قصائد كتبها شعراء عالميون تأثر درويش بشعرهم في تلك الفترة ، وهم الشعراء الذين أشار بعض المعلقين إليهم كناظم حكمت وبيرتولد بريخت ، بل وبابلو نيرودا الذي رثاه درويش بقصيدة لم يعد نشرها في مجموعاته الشعرية .
في مقالتي المنشورة في الأيام أتيت بنصوص تبرهن أن مضمون الأسطر المغناة ورد في كتابين نثريين لمحمود درويش " يوميات الحزن العادي " و " وداعا أيتها الحرب وداعا أيها السلام " ، وعندما عدت لاحقا أبحث عن عبارة " من باع الوطن " وجدتها في قصيدة " الكلمة الأخيرة في الحوار " التي ضمها ديوان لم يشرف الشاعر على إصداره " يوميات جرح فلسطيني " ، بل إن روح الفقرة التي وردت في القصيدة غير بعيدة عن روح الأسطر المغناة ، وانتظار الحبية حبيبها فكرة أساسية في قصيدة " الكتابة على ضوء بندقية " .
هل روح الأسطر حقا سطحية ويمكن أن يكتبها طالب توجيهي كخاطرة ولا يمكن أن تصدر عن محمود درويش كما زعم مقدم برنامج عن القضية في فضائية الجزيرة ؟
كما ذهبت فإن روح الأسطر قريبة من كتابات محمود درويش وهي تعبر عن قضية عميقة جدا ، ولقد شغلت بال الفلسطينيين ومن قبلهم الإسرائيليين ومن قبل هؤلاء وهؤلاء شغلت بال شعوب العالم التي اكتوت بنيران الحرب العالمية الثانية : تصافح القادة وهناك من قبض الثمن وما زالت أمهات الشهداء وزوجاتهم وابناؤهم ينتظرون . بل ولقد شغلتنا فكرة المصافحة وقبض الثمن ودم الشهداء ، نحن الفلسطينيين ، منذ حرب حزيران ١٩٦٧ وما زالت .
الكتابة تطول والمساحة محدودة .

الثلاثاء والأربعاء والخميس
٧ و ٨ و ٩ / ٣ / ٢٠٢٣ .

١٦

فجر اليوم ( ١٥٣ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة :
" ولا عمري أقول تحيا إسرائيل .
عندما قايضوا الطفل الغزاوي "

عندما اختلف الشنفرى مع قبيلته فضل عليها الصعلكة واصطحاب الحيوانات الشرسة والجوع ، وقال :
" ولي دونكم أهلون : سيد عملس وأرقط زهلول وعرفاء جيأل
....
وأستف ترب الأرض كي لا يرى له علي من الطول امرؤ متطول "
وعندما كان أحمد سارد رواية يحيى السسنوار " الشوك والقرنفل " طفلا لم يأكل اللحم في طفولته إلا في عرس خالته ، وحين قال لهم معلم الصف في يوم ماطر تخيلوا أن السماء تمطر لحما ورزا فرح ، وفرح أكثر يوم حصل على بطاقة تمكنه من الأكل في مطعم الوكالة تمنح للأطفال سييء التغذية من الأسر الفقيرة .
لم تمطر سماء غزة لحما ورزا ، ولذلك اضطر بعص أهلها ، في خمسينيات القرن ٢٠ ، أن يتسللوا إلى قراهم القريبة التي طردوا منها ، وأقيمت المستوطنات الإسرائيلية على أنقاضها ، ليبحثوا في مزابلها عن بقايا طعام .
في هذه المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة جاع البشر وجاعت الحيوانات أيضا ، وعز الرغيف وأما اللحم الحلال فصار من السلع النادرة جدا وأفضل من الذهب ، وحين توفر القليل منه وطبخه كريم أو محسن أو ... إلخ خاطب الشاب طفلا ، ينتظر دوره ليحصل على القليل في هذه الأشهر العجاف ، طبعا في غزة ، طالبا منه ، لكي يخصه بقطعة لحم ، أن يقول :
- تحيا إسرائيل .
رد عليه الطفل :
- ولا عمري !
أي في عمري لن أقول :
- تحيا إسرائيل .
في هذه اليوميات كتبت :
ما متع إسرائيلي إلا بما جاع به فلسطيني .
في مقابل مدن الإسرائيليين ومستوطناتهم الجميلة المنظمة تقع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين البائسة الفقيرة التي تفتقد إلى أدنى تنظيم . منظر يسر الناظرين هناك ومنظر يسوؤهم هنا .
من قصائد محمود درويش الجميلة قصيدة " طللية البروة " ، التي تعقد على ثنائية القرية الفلسطينية الفقيرة المعدمة والمستوطنة الإسرائيلية ومصانعها الحديثة وشوارعها النظيفة العريضة الواسعة ، وحين يسأله مرافقه لزيارة القرية التي أقيم على أنقاضها كيبوتس ( يتسعور ) إن كان يرى الصنوبرة الطويلة ومصنع الألبان والطرق الحديثة فوق أنقاض البيوت ، يجيبه الشاعر :
- كلا . لا أرى إلا الغزالة في الشباك
- كلا لا أرى إلا الحديقة تحتها ، وأرى خيوط العنكبوت .
ما متع إسرائيلي إلا على إفقار فلسطيني وطرده من أرضه أو قتله ، وأستغفر الله لي ولكم

٧ / ٣ / ٢٠٢٤
وما زالت الحرب مستمرة .
-

١٧
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
استحضار نصوص أدبية فلسطينية وأخرى عربية

في ٢٧ شباط ٢٠٢٤ شاركت في معرض الكتاب في سلطنة عمان بندوة عنوانها " التشبث بالأرض في الأدب الفلسطيني " ، صحبة الناقدين صبحي حديدي وفخري صالح ، وقد دعاني إليها الكاتب العماني سليمان المعمري .
كان مقالي في جريدة الأيام الفلسطينية " تداعيات حرب ٢٠٢٣ : غزة وأبناؤها وغزاتها: هل تتواطأ الأرض مع الفلسطيني ؟ " مدخلا لحوار إذاعي مع الكاتب العماني ومن ثم سببا لدعوتي للندوة التي أنفقت أربعة أسابيع أكتب أربعة مقالات من أجلها ، مسترجعا ما يختزن في الذاكرة من نصوص أدبية فلسطينية قرأتها حول الموضوع وكتبت عنها ، ولأنني أسافر إلى سلطنة عمان لأول مرة ، فقد كان علي أن أسترجع نصوصا أدبية قرأتها عن عمان ، علني إن التقيت مع أبنائها أتحدث معهم في بعض ما يخص حياتهم ، فلا يعقل ألا أعرف شيئا عن بلادهم وحياتهم ، ولا يعقل أن أتحدث عن فلسطين ، فقط ، التي يعرفون عنها بلا أدنى شك .
هل ينسى قاريء فلسطيني قصة غسان كنفاني " موت سرير رقم ١٢ " ، ولكن هل تكفي هذه القصة وحدها ، وقد كتبت في خمسينيات القرن ٢٠ ، والسلطنة الآن مختلفة تماما عما كانت ؟
ليس إذن إلا الأدب العماني نفسه الذي تعرفت إلى القليل منه من خلال مجلة نزوى ومن رواية الدكتوره جوخة الحارثي " سيدات القمر " ( ٢٠١٢ ) التي فازت ، في العام ٢٠١٩ ، بجائزة مان بوكر العالمية للرواية المترجمة .
في قصة غسان قرأنا عن عمان الفقيرة التي يهاجر أبناؤها الفقراء ، في خمسينيات القرن ٢٠ ، إلى الكويت ، بحثا عن عمل يثرون من ورائه ويعودون إلى بلادهم فيتمكنوا من تحقيق أمنياتهم وتجسيد رغباتهم ، ولكنهم يموتون هناك في المنفى غرباء ومجرد أرقام فلا يجدون من يعرف أسماءهم أو من يهتم بجثثهم . هكذا يموت محمد علي أكبر مجرد رقم في مشفى كويتي . لا أهل حوله ولا أصحاب ، بل ولا اسم في المشفى له . إنه سرير رقم ١٢ .
قالت لي قصة غسان ، عن السلطنة ، القليل جدا ، ولكني عرفت الكثير من خلال رواية جوخة .
في صيف العام ٢٠١٩ درست طلبة الماجستير في جامعة النجاح الوطنية مساق " موضوع في الأدب العربي الحديث " واخترت رواية " سيدات القمر " نموذجا ، وصرت أكتب يوميا عنها على صفحة الفيس بوك ، بالإضافة إلى مقال أو اثنين في جريدة الأيام الفلسطينية ، وقد تجمع لدي مادة تصلح لنشرها في كتاب ، ومن خلال الرواية عرفت الكثير عن المجتمع العماني ، وقبل أن أسافر بأيام عدت إلى ما كتبت لأقرأه وأتذكر صورة المجتمع العماني ، كما ظهرت في الرواية التي عدها بعض قرائها قريبة من رواية الكاتب الكولومبي ( غابرييل غارسيا ماركيز ) " مائة عام من العزلة " التي تقص عن قرية ( ماكوندو ) ، إذ تروي رواية جوخة عن مائة عام أيضا ، ولكن عن قرية عمانية مفترضة ، هي العوافي ، وعن مسقط أيضا ما يقارب المائة عام .
عرفت من الرواية سلطنة عمان خلال مائة عام ؛ عرفت عن التركيبة الاجتماعية للمجتمع العماني الذي كان يتكون من أسياد وعبيد وكان قسم من الأخيرين راضين بعبوديتهم وإن أخذ قسم آخر يحتج ويتمرد ويهاجر من عمان إلى دول مجاورة كالكويت ، وعرفت أن للأسياد أسماءهم وللعبيد أيضا أسماءهم ، وكان الأخيرون ملك يد السيد يعطف عليهم إن أطاعوه و ينتقم منهم إن عصوا أوامره ، وأدركت جيدا لماذا كان أبي يكرر على مسامع أبنائه " أنت ومالك لأبيك " ، والحمد لله أنه لم يقل أيضا " أنت ومالك وأبناؤك لأبيك " كما هو حال مجتمع الأسياد والعبيد ، فالعبد وأبناؤه كلهم ملك للسيد .
وعرفت من الرواية أيضا عن الطعام العماني في زمن الفقر ، ما جعلني أسأل عنه ، وقد ظننت أن السكان ، أمام ثراء عمان الحالي ، قد نسوه ، فإذا به معروف حتى الآن . طعام " القاشع " وهو السمك الصغير الذي نطلق عليه اسم " السريدة " .
وعرفت من الرواية أيضا عن الشاعر " أبو مسلم البهلاني " ( توفي ١٩٢٠ ) وقصيدته النونية في المنفى والحنين إلى الوطن ، كما عرفت عن تأسيس جامعة السلطان قابوس وتطور الحياة من مجتمع إقطاعي إلى مجتمع يلامس الحياة المدنية العصرية .
ولم تخل الرواية أيضا من أمثال شعبية يرددها العمانيون ، وهي تبدو لنا غريبة غير مألوفة . منها مثلا " المحبوب محبوب جا ضحى وجا غروب والرامد رامد جاء حاش وسامد - المحبوب يبقى محبوبا في أي وقت أتى وغير المحبوب يظل غير مرغوب فيه مهما اجتهد في الحصاد والسماد " .
وأنا أقرأ عن ثنائية المنفى والوطن في " سيدات القمر " عن عمان ومنفييها وعودتهم إليها توابيت أو برفقة توابيت تذكرت قول محمود درويش :
- يا ليت لي منفى ليكون لي وطن .
وتذكرت موتانا في منافيهم الذين حرموا حتى من ميزة الدفن في تراب بلادهم .
ونظرت إلى هجراتنا التي ، منذ العام ١٩٤٨ ، تتكاثر ولا تبدو لها نهاية .
بعض أهل شمال قطاع غزة هاجروا في هذه المقتلة والمهلكة وحرب الإبادة أكثر من تسع هجرات والحبل على الجرار والميناء الأمريكي سينجز عما قريب !!
" قلنا سنخرج
عما قليل سنخرج
لا تسألونا كم سنمكث بينكم
لا تسألونا "
كتب محمود درويش في ديوانه " هي أغنية .. هي أغنية " ( ١٩٨٤ ) عن خروج العام ١٩٨٢ من بيروت .

( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ١٧ / ٣ / ٢٠٢٤ )
أنجز في :
٧ و ١٠ و١١ و١٢ / ٣ / ٢٠٢٤
دفاتر الأيام الفلسطينية .

١٨

الحرب في شهرها السادس :

الحرب تدخل اليوم شهرها السادس ويومها المائة والثلاثة وخمسين ورمضان قاب قوسين وأدنى ولا دلائل على توقفها أو انتهائها ، وثمة صمت يشبه صمت الموتى وأغلب الظن أن أهل غزة فقط هم من يعيشون أجواءها وظلالها وكوابيسها وتبعاتها ، وأما بقية العالم فقد مل ، على ما يبدو ، متابعة أخبارها التي بدأت تخفت ويخفت ضجيجها يوما إثر يوم .
آخر شريط فيديو شاهدته يبدو فيه شاب غزاوي بيده كيس مساعدات أمريكية ، ولا أعرف لماذا ذكر اسم الأردن ، يعبر فيه عن رفضه مساعدات تأتي من دولة تزود إسرائيل بالأسلحة . وعدا أن المساعدات لم ترق له ، إذ لا يعرف ما هي بالضبط ، فقد وضعها في ظرف نايلون أسود وألقى بها في مكب النفايات / الحاوية . لقد رأى أن مكانها هو الحاوية فقط .
الأجواء في نابلس شتوية وباردة والأمطار تبدو ناعمة " مطر ناعم في شتاء يوشك على الرحيل " .
مقالي الأحد القادم لدفاتر الأيام الفلسطينية عنوانه " العالم بعيدا عن غزة والضفة الغربية " وفيه آتي على ما شاهدت الأوضاع عليه في أثناء سفري إلى سلطنة عمان لكي أشارك في ندوة عن " التشبث بالأرض في الأدب الفلسطيني " .
كثيرون يسألونني :
- كيف كانت الرحلة ؟
ما أخبثهم !
في يوم الاثنين أقلعت الطائرة من عمان إلى الدوحة ومن الدوحة إلى مسقط وقضيت النهار كله في المطارات والسيارات . مطار الملكة علياء ومطار الدوحة ومطار مسقط ، وفي يوم الجمعة الأول من آذار طرت من مسقط إلى الدوحة فمطار الملكة علياء ، وأنفقت النقود أجرة للفنادق الفخمة في مسقط والفنادق المعقولة في عمان ولم نسح ولم نتجول ولم نزر ولم ... ولم ... ولم . كما لو أنها سفرة عمل لصالح القضية - أي والله .
هل سيشعر الإسرائيليون ، في غزة ، بالضجر فيولون الأدبار أم أن الأنفاق ستجبرهم على الرحيل ؟
يا برد كن دفئا على غزة وسكانها و .... .

٧ / ٣ / ٢٠٢٤
اليوم ( ١٥٣ ) للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة .

١٩

ليلة الجمعة :

عشرون ساعة عبثا أحاول استرجاع حسابي بسبب فصاحتي الزائدة الناجمة عن رغبتي في إعادة بيانات الجهاز إلى أصلها ولم أفلح حتى اللحظة . ربما ثمة حسابات مركبة مربكة .
ما علينا !
انشغلت بالجهاز و أصغيت إلى ما ألم بالمدينة ، فأبناء شعب الله المحتار أحرقوا المساجد . ماذا يمكن أن يكتب المرء أو يحكي ؟
سأتذكر المرحوم الشاعر راشد حسين وقصيدته التي منها :

" الله أصبح غائبا يا سيدي
صادر إذن حتى بساط المسجد
وبع الكنيسة ، فهي من أملاكه
وبع المؤذن في المزاد الأسود
حتى يتامانا أبوهم غائب
صادر يتامانا ، إذن، يا سيدي "

وخجلت من بعض تحويرات على الأبيات رددتها .
في بداية ثمانينيات القرن العشرين درس الأستاذ نبيل أبو زنيد الدراسات الفلسطينية وأتى على قانون الغائب واعتمد على كتاب أورد مؤلفه أبيات راشد الساخرة ، وقامت قيامة الطلبة ، ولما استفتيت في الأبيات قلت ان كاتبها لا يهجو الذات الإلهية بل هو يسخر من الاحتلال ، وقضي الأمر .
ماذا ألم بجامع النصر ؟ وبم يشعر الآن أصحاب المحلات ، ومنهم أبو عماد حلاوة ، في باب الساحة ؟
هل نقول ما قاله عبد المطلب جد الرسول عليه الصلاة والسلام :
- للبيت رب يحميه !
ام .... ؟
لا حول ولا قوة الا بالله !
القوي عايب
وأجواء اليوم شتوية تماما
و
حالة تعبانة يا ليلى .

٧ / ٣ / ٢٠٢٥

٢٠

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى