ليلى تباني - منامات الوهراني وسرديات تسبق زمانها: تهافت الادعاءات وهشاشة المزاعم

لا تحدّثني عن أبراج في السماء ترتفع /// بل حدّثني عن سلام في القلوب قد زُرع

ما أشبه الأمس باليوم. عبارة تبدو للوهلة الأولى حكمة عابرة، لكنّها تتحول عند تأمّل التاريخ والأدب إلى مفتاح لفهم مفارقة عميقة " ما نظنه اليوم جديدا في ضجيج العالم وسردياته الكبرى وصخبه الحضاري، قد يكون صورة أخرى لأسئلة قديمة عرفها الإنسان منذ قرون، وإن تغيّرت المسمّيات والوجوه .
إنّنا حين نغوص في منامات الأديب الساخر محمد بن محمد محرز الوهراني، نشعر فجأة أن الزمن قد طوى مسافته، وأن تلك الرؤى الساخرة التي صاغها الوهراني لم تكن مجرد تخييل أدبي، بل حدسا نافذا يلتقط هشاشة العالم قبل أن تتضخّم ادعاءاته. ففي هذه المنامات يطلّ الوهراني على عالم يضجّ بالمباهاة والادعاءات الكبرى، عالم يرفع شعارات الفضيلة والحكمة بينما تتسلّل إلى أعماقه أمراض الرياء والتملّق وهشاشة المزاعم .
في مقامة البغلة، على سبيل المثال، يُصوّر الوهراني تنازع رجلين على بغلة في سوق بغداد، ويُظهر كيف يغلب الهوى على الحق، وكيف يبدو القاضي – الذي يُفترض أن يكون رمزا للعدل – رهين الإشارات الخفية والهوى البشري. هنا تنكشف المفارقة ،فالبشر الذين يظنّون أنّهم يحكمون بالعدل لا يتفوّقون في الحكمة على حيوان بسيط إذا ما امتلك القدرة على النطق. وفي مقام الرشاوند، ينكشف فساد الذوق وتحول القبح إلى جمال، وكأنّ العالم بأسره صار يتغنّى بما هو فارغ وخادع، ويحتفي بالسطحيات وينسى الجوهر.
أما رسالة الطير، فتمثل ذروة الفن الساخر والوهراني في التحليل الأخلاقي والاجتماعي والسياسي. فالطيور في النص – الهدهد والحمامة والبلبل والنسر – تمثل وعيا طبيعيا صافيا يراقب البشر من الخارج، ويكشف تناقضاتهم ، يبنون الأبراج العالية، ويتباهون بالعلم والكلام، ويتصارعون على المجد والمال، ومع ذلك يفتقرون إلى حكمة الصبر والاجتهادر. وهذا يشبه واقعنا اليوم، حيث المجتمعات تتباهى بالتقنية والشهادات والسلطة بينما يبقى الإنسان عاجزا عن بناء السلام، وغالبا ما يصبح العلم مجرد زخرفة، والمعرفة مجرد شعار للوجاهة، لا قوة أخلاقية حقيقية...الروعة في الوهراني أنه قبل قرون من ظهور فلسفة الميتاسرديات عند Jean-François Lyotard، كان يفضح بنفسه وهم السرديات الكبرى التي ترفع شعارات مطلقة ، التقدم، السلام، الحضارة، العلم، المجد الإنساني… كلّ هذه الادعاءات تُعرّى أمام صمت الطيور. فحين يعتقد الإنسان أنه مركز الكون ومالك الحقيقة، فإنّ الطير ترى هشاشته بوضوح، وتكشف له أن القوة لا تعني الحكمة، وأن الادعاءات لا تعني الحقيقة .
تبدو منامات الوهراني كأنها سبقت زمانها ، هشاشة المزاعم وانكشاف تهافت الادعاءات لم تختفِ مع مرور القرون. بل عادت تتجلّى في واقعنا المعاصر، في الحروب بين القوى، وفي السباق على النفوذ، وفي ثقافة التفاخر بالشهادات والفكر الشكلاني، وفي عالم تقني مذهل لكنه فارغ من المعنى . الطيور التي صوّرها الوهراني تحلق فوق هذا الضجيج، كأنّها تقول للبشر" كل شيء زائل، وكل ادعاء هش، والحكمة في الصبر والعمل، لا في الكلام والتظاهر".
ومن هذا المنظور، يمكن قراءة نصوص الوهراني اليوم كتحذير فلسفي وأدبي ليس السؤال كم برجا بنته البشرية، بل كم سلاما تستطيع أن تصنعه . ليس المهم كم شهادة أو لقب يحملها الفرد، بل مدى صدق المعرفة ونبل السلوك. ليس المهم التقدم التكنولوجي، بل القدرة على جعل الإنسان محورا للحياة وليس للأوهام والادعاءات .
ولا غرابة بأن تتحوّل منامات الوهراني وسردياته الساخرة إلى مرايا للحاضر، نرى فيها هشاشة المزاعم وتهافت الادعاءات، ونكتشف أن الإنسان الذي يظن أنه ملك الدنيا ما زال يسقط أمام ذاته، وأنّ الزمن قد يتغير، لكن الغرور والسطحية يظلّان على ثباتهما، يضحكان على ادعاءات البشر كما ضحكت الطيور على البشر قبل قرون .

ليلى تبّاني ــــ الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى