يحيى بركات - حين كتب الحبتور ما لا يقوله السياسيون

أحيانًا
تُقال الحقيقة
في مكان لا يتوقعه أحد.
ليس في خطاب سياسي.
ولا في مؤتمر صحفي.
بل في رسالة يكتبها رجل أعمال.
بهدوء…
لكنها تصيب قلب المعادلة.
هذا ما حدث
حين كتب رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور رسالته إلى دونالد ترامب.
السؤال الذي طرحه
بدا بسيطًا جدًا:
من طلب منكم أن تحاربوا إيران نيابة عنا؟
لكن في السياسة
بعض الأسئلة
أخطر من المدافع.
المنطقة منذ سنوات
تعيش على رواية جاهزة.
رواية تقول إن الخليج
بحاجة دائمة
إلى جيوش الآخرين.
قواعد عسكرية.
أساطيل بحرية.
تحالفات عابرة للقارات.
لكن الحبتور
كسر هذه الرواية بجملة واحدة.
قال ببساطة:
لسنا في حرب مع إيران.
ولم نطلب منكم
أن تحاربوا نيابة عنا.
خذوا جيوشكم…
واتركوا المنطقة لأهلها.
لكن قراءة هذا المقال
لا تكتمل
إذا اعتبرناه رسالة واحدة.
في الحقيقة
هو رسالتان في رسالة.
الأولى
واضحة ومباشرة إلى واشنطن.
أما الثانية
فهي الرسالة الأعمق.
رسالة إلى الداخل الخليجي نفسه.
كأن الرجل يقول بهدوء:
وجود القواعد الأجنبية
لا يجلب الأمن دائمًا.
أحيانًا
يجلب الحرب.
ما جعل الرسالة مختلفة
أن صاحبها ليس معارضًا سياسيًا.
بل رجل مال وأعمال.
وفي الخليج
المال ليس ظاهرة طارئة.
أغنياء الإمارات
ليسوا طبقة ظهرت فجأة مع النفط.
هم امتداد
لبنية اجتماعية قديمة.
قبائل
وتاريخ
ومكانة
تسبق الدولة الحديثة نفسها.
ولهذا
فإن رجل الأعمال هناك
لا يحتاج دائمًا
أن يتحدث بلغة الإعلام.
ولا يحتاج
أن يشتري رضى السياسة.
هو ببساطة
جزء من المجتمع الذي يتحدث باسمه.
الإعلام في منطقتنا
غالبًا يعمل داخل خطوط مرسومة.
الكلمات محسوبة.
الزوايا محسوبة.
لكن حين يكتب رجل أعمال
لا ينتظر إذنًا من غرفة تحرير
تخرج الكلمات
أقرب إلى الحقيقة.
حتى لو كانت بسيطة.
ما قاله الحبتور
ليس دعوة إلى مواجهة مع أمريكا.
ولا دفاعًا عن إيران.
هو شيء آخر تمامًا.
هو سؤال عن معنى الأمن نفسه.
هل الأمن
أن تتحول أرضك إلى قاعدة عسكرية؟
أم أن الأمن
أن تبقى بلدك
بعيدًا عن الحروب؟
الخليج اليوم
ليس كما كان قبل خمسين عامًا.
هذه المنطقة
لم تعد مجرد آبار نفط.
بل مدن مستقبل.
اقتصاد معرفة.
تكنولوجيا.
استثمارات عالمية.
مشاريع
تفكر في القرن القادم
لا في حروب القرن الماضي.
ولهذا
يبدو السؤال الذي طرحه الحبتور منطقيًا جدًا:
لماذا تتحول هذه المنطقة
إلى ساحة حرب
بين قوى كبرى؟
لكن هناك حقيقة يعرفها أهل الخليج جيدًا.
شعوب هذه المنطقة
لم تكن يومًا في حرب مع بعضها.
لم يكن الإيراني
عدو الإماراتي.
ولا القطري
عدو العماني.
هذه شعوب
عاشت قرونًا
في نفس الجغرافيا.
تختلف سياسيًا أحيانًا
لكنها تعرف
أن مصيرها واحد.
أما الحرب التي تُدفع إليها المنطقة اليوم
فكثيرون يعرفون
أن جذورها ليست هنا.
بل في مشروع آخر.
مشروع
لا يخفي أطماعه.
ولا يتوقف
عن البحث عن صراعات جديدة
تشغل المنطقة بنفسها.
قوة الإمارات
لم تأتِ من الحروب.
بل من الاستقرار.
من الأمن.
من بناء الإنسان.
من تحويل الصحراء
إلى مدينة
يأتي إليها العالم
لا يهرب منها.
ولهذا
فإن السؤال الحقيقي
ليس كيف نحارب.
بل كيف نحمي هذا الاستقرار.
ربما يكون الجواب
أبسط مما يبدو:
أن تبقى المنطقة
بعيدة عن الحروب.
وأن لا تتحول أرضها
إلى منصات صواريخ.
لأن الدول
حين تبني مدن المستقبل
لا تحتاج إلى قواعد عسكرية.
بل تحتاج إلى شيء أبسط بكثير.
أن تبقى أرضها
مكانًا للحياة…
لا ساحةً لحروب الآخرين.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
10/3/2026 دبي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى