خالد عطية - 1979 – 2026: هل نشهد نهاية عصر الثورة الإيرانية؟

في بعض اللحظات التاريخية لا تكون الحروب مجرد مواجهة عسكرية بين دولتين، بل تتحول إلى اختبار لنظام كامل تشكّل عبر عقود. وما يجري اليوم في المواجهة الدائرة حول إيران قد يكون من هذا النوع من اللحظات؛ لحظة تختبر ليس فقط قوة دولة أو نظام سياسي، بل مرحلة تاريخية كاملة في الشرق الأوسط بدأت قبل ما يقارب نصف قرن.

عام 1979 لم يكن عامًا عاديًا في تاريخ المنطقة. فقد أسقطت الثورة الإيرانية نظام الشاه، أحد أهم حلفاء الغرب في الشرق الأوسط، وفتحت الباب أمام نموذج سياسي جديد أعلن منذ البداية أنه لا يريد مجرد إدارة دولة داخل حدودها، بل إعادة تعريف موقع إيران في الإقليم. منذ تلك اللحظة دخل الشرق الأوسط مرحلة مختلفة، تحولت فيها إيران من دولة إقليمية تقليدية إلى قوة تحمل مشروعًا سياسيًا وأيديولوجيًا يتجاوز حدودها.

خلال العقود التالية بنت طهران ما يمكن وصفه بهندسة نفوذ إقليمية معقدة. لم تعتمد فقط على قوتها العسكرية التقليدية، بل على شبكة من الحلفاء والقوى المحلية الممتدة من الخليج إلى المتوسط. العراق بعد عام 2003، وسوريا خلال الحرب الأهلية، ولبنان عبر حزب الله، واليمن عبر الحوثيين، كلها تحولت إلى عقد داخل هذه الشبكة. الفكرة الأساسية لهذا النموذج كانت واضحة: نقل خطوط الصراع بعيدًا عن الجغرافيا الإيرانية، وتحويل النفوذ الإقليمي إلى جزء من منظومة الردع الاستراتيجي.

بهذه الطريقة أصبحت إيران لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلات المنطقة. لم تعد قوة محلية فحسب، بل طرفًا أساسيًا في توازنات الشرق الأوسط. حتى خصومها الإقليميون كانوا يدركون أن أي محاولة لتغيير موازين القوى في المنطقة ستصطدم في النهاية بهذه الشبكة الواسعة من النفوذ.

لكن كل نظام إقليمي يصل في لحظة ما إلى حدوده القصوى. وخلال السنوات الأخيرة بدأت تظهر مؤشرات على أن النموذج الذي بنته إيران يواجه ضغوطًا متزايدة: أزمات اقتصادية داخلية، احتجاجات اجتماعية، صراعات إقليمية استنزفت موارد الدولة، وتصاعد التوتر مع إسرائيل والولايات المتحدة حول البرنامج النووي. ومع ذلك بقيت إيران قادرة على الحفاظ على موقعها داخل التوازن الإقليمي.

الحرب الحالية تبدو مختلفة لأنها تستهدف بنية هذا النظام نفسه. فالضربات التي طالت القيادة العسكرية والبنية التحتية الاستراتيجية، ومحاولات تحييد البرنامج النووي، والضغط على شبكة الحلفاء الإقليميين، تشير إلى أن الهدف يتجاوز مجرد الردع العسكري. ما يجري أقرب إلى محاولة كسر النموذج الذي تشكّل منذ الثورة الإيرانية، أو على الأقل دفعه إلى مرحلة مختلفة.

لكن التاريخ يعلمنا أن الأنظمة الإقليمية لا تنتهي بسهولة. فالدول التي تواجه تهديدًا وجوديًا غالبًا ما تعيد تنظيم نفسها حول فكرة البقاء. ولذلك فإن السؤال المطروح اليوم ليس بسيطًا: هل نحن أمام تراجع مرحلي لدور إيران، أم أمام نهاية النظام الإقليمي الذي نشأ بعد عام 1979؟

إذا خرجت إيران من هذه الحرب ضعيفة إلى حد كبير، فإن الشرق الأوسط قد يدخل مرحلة جديدة تتغير فيها موازين القوى جذريًا. في مثل هذا السيناريو قد تجد إسرائيل نفسها القوة العسكرية الأكثر تفوقًا في الإقليم، وقد تسعى قوى أخرى مثل تركيا إلى ملء الفراغ الذي سيتركه تراجع النفوذ الإيراني. لكن مثل هذا التحول لا يعني بالضرورة استقرارًا إقليميًا، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التنافس والصراعات.

أما إذا صمدت إيران أمام الضغوط العسكرية والسياسية، فقد نشهد مسارًا مختلفًا تمامًا. فالصمود في مواجهة ضربة بهذا الحجم قد يمنح النظام الإيراني شرعية جديدة في الداخل، ويدفعه إلى إعادة بناء استراتيجيته الإقليمية بطرق مختلفة. في هذه الحالة قد يتشكل شرق أوسط أكثر تعقيدًا، يقوم على توازنات جديدة بين قوى إقليمية متعددة.

المفارقة أن كلا السيناريوهين لا يقود بالضرورة إلى الاستقرار. فضعف إيران قد يفتح فراغًا جيوسياسيًا خطيرًا في قلب المنطقة، بينما صمودها قد يرسخ مرحلة جديدة من التنافس الحاد بين القوى الإقليمية.

لكن السؤال الأعمق لا يتعلق فقط بمصير النظام الذي نشأ بعد 1979، بل بالنظام الذي قد يولد بعده. فالتاريخ لا يترك فراغًا طويلًا. إذا انتهى هذا النظام دون أن يظهر توازن إقليمي بديل، فقد تجد المنطقة نفسها أمام اختلال غير مسبوق في ميزان القوى، حيث تتحول إسرائيل إلى القوة العسكرية المهيمنة في الشرق الأوسط تحت المظلة الأمريكية. أما إذا ظهرت قوى إقليمية أخرى قادرة على موازنة هذا التفوق، فقد نشهد نظامًا أكثر تعددية لكنه أيضًا أكثر توترًا.

وفي كلا الاحتمالين، تبدو القضية الفلسطينية من أكثر القضايا تأثرًا بهذه التحولات. فاختلال ميزان القوى بالكامل قد يمنح إسرائيل قدرة أكبر على فرض حلول أحادية، بينما وجود توازنات إقليمية — حتى لو كانت مضطربة — قد يحد من هذا التفوق ويُبقي الصراع مفتوحًا على احتمالات أخرى.

لهذا ربما يكون السؤال الأهم اليوم ليس من سينتصر في هذه الحرب، بل ما إذا كنا نشهد نهاية مرحلة تاريخية بدأت عام 1979. فالثورات لا تعيش إلى الأبد، وكذلك الأنظمة الإقليمية التي تولد حولها. بعضها يتحول، وبعضها يتآكل تدريجيًا، وبعضها ينتهي فجأة تحت ضغط الحروب.

وإذا كان الشرق الأوسط بالفعل يقترب من نهاية هذه المرحلة، فإن ما سيأتي بعدها لن يكون مجرد تغيير في موازين القوى، بل إعادة تعريف كاملة للنظام الإقليمي الذي تشكّل طوال العقود الماضية. وفي مثل هذه اللحظات لا يحدد التاريخ مصير دولة واحدة فقط، بل يعيد رسم مستقبل منطقة بأكملها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى