إبراهيم محمود: أنا أخاف، إذن أنا آمن " شذرات في الخوف "

1773395306853.png

" شذرات في الخوف "



هناك ثلاثة اسطقسات للخوف: خوف الطبيعة، وهذا يرتد إلى الشخص وقواه الجسمية والنفسية. وخوف المجتمع، وهذا يرتكز إلى نظامه السياسي، وخوف الغيب، وهذا يتجلى في الخاصية الدينية فيه. في خوف الطبيعة، تتباين قدرات الأفراد " الرياضية ". في خوف المجتمع، تبرز الفردانية حضوراً حياً في الاختلاف أو ضموره.في خوف الغيب، تتباين علاقات الأفراد والمجتمعات مع اللامرئي، والأخطر فيها، ربط الأولين بالأخير.

ليس هناك شيء" هكذا -ربما- يمكن القول" اسمه الخوف،إنما ما جرَت تسميته خوفاً. إنه تال ٍ على الولادة، ولهذا فهو لا يقاس حسابياً، إنما يعرَّف في ضوء الثقافة المعتمَد عليها.


إذا أردت معرفة " كلمة سر " المجتمعات المتخلفة، فإليك بالخوف. الخوف يغلق على المجتمع هذا أو ذاك، بنسب مختلفة. الانفتاح هو الشاهد على نوعيته.


ثمة خوف مما هو طبيعي، وهو يتوقف على قوى الشخص وما يتعرض له. ذلك صحي، وربما لا يُعَد ذلك خوفاً، إلا تجاوزاً، لأنه يرتبط بدواعي السلامة ومعرفة قوى المقابل.

في مفهوم " العرف " الذي لا يخفي قطيعيته، والعقاب الجماعي المعتمَد، قد أجدني مسوقاً به، حرصاً على أفراد عائلتي، أو أهلي وربما معارف لي، مدركاً نوع العقاب خلاف ذلك.


أهتم بالعيون كثيراً. وأنا على يقين تام، جرّاء اهتمامي هذا، أن نسبة كبيرة من الذين التقيتهم، وأعرفهم، لا ينظرون كما هي المساحة المفتوحة أمامهم، إنما مع خفْض عينهم، والنظر في الزاوية الضيقة المرسومة لهم، كما هي التربية الانضباطية المعتمدة. إن قراءة العيون تكشف الكثير مما يكون عليه أصحابها، ويُعنَّفون من جهة من يخافون من نفاذ تأثيرها فيهم.


في أغلب المجتمعات البشرية، وأغلب عصورها، كان الأب، وإلى الآن مصدر الخوف ومجسّده، الأب العائلي، الأب الاجتماعي فالسياسي، ومن يجري تنزيهه وتفخيمه، في نوعه " الذكري " عالياً، وكل الذين يترتبون في خدمته، هم ذكور، وخوفهم مضاعف.


في مجتمعاتنا، كان يجري تخويفنا، ولا زالت مجتمعات، وفي نسبة منها، تعتمد هذا الإجراء: بداية، من الأب، جهة التهديد" سيضربك أبوك "، ومن الشرطي ، الذي تنوعت أسماؤه قوة ووظيفة" التهديد به "، وما يحيط لا مرئياً " سيؤذيك العفريت: الجني "، وفي الأعلى، في التهديد الأقصى" سيحرقك الله بناره ".



تعبير " رب البيت " للدلالة على الأب، هو الخوف المرسوم لشرعنة سلطة الأب" الذكر " وإبقاء المرأة" الأنثى " في ذمة الرجل " الذكر ".


ليس مفهوم " الطاعة " سوى التلويح بالتخوف، الطاعة تعني تسليم مصير المطيع لولي أمره، الطاعية التي ترسم المساحة الفاصلة بين " السيد " والمعتبَر " عبداً ".

من يمارس إخافة المحيطين به، لا يعدو أن يكون المسكون بالخوف منهم.


العبد ، بالمفهوم الديني، كيف يكون حراً، الحرية التي تعرّفه على خالقه؟ وحدهم من يعززون هذه العلاقة/ الرابطة، حين ينوبون عنه في إدارة مجتمعهم الديني: عبيدياً لا عبادياً....


سماع مفردة الخوف، مكرَّرة في مجتمعاتنا، على ألسنة العامة، وحتى النخبة، وبصيغ شتى، شاهد عيان، على الدور المضخَّم والمعطى للخوف في تأطير وعي الناس وتنميطهم.


القطيعية، تبقى المثالَ الأكثر حضوراً في التاريخ، تعبيراً عن تمكين الخوف من الناس، والدفع بهم قطيعاً. لأن في ذلك نفياً للتمايز/ الاختلاف، وهو أساس الإبداع والتقدم، والحيلولة دون ظهور من يخرج على سلطة " الجماعة ".


مركزية السلطة تُترجَم في الحال إلى مصادرة الناس من عقولهم،كما في مفهوم" الراعي/ الرعية " الذي يمدَح فيه هنا وهناك.


" رأس الحكمة مخافة الله " عبارة مذهَّبة، بخط نافر، نقرأها في أروقة المحاكم ونظيراتها. في الوقت الذي نشهد أن الكثير من الأحكام والقرارات تصدر ممن يعلقونها ويخالفونها.

الخوف من الآخر يظهِر في بنيته، أي تفسخ أخلاقي، ودونية تربوية يتفعلان فيه. لأن في ذلك غياباً أو تهميشاً مريعاً للقانون الممدوح. كما هو مجتمع المحسوبيات.

من يقول عن " الله/ الإله " موقعاً " فوقنا " مخطىء، لا بل وبعيد عن الحقيقة. كما لو أن القائل يرى من يُسميه. وكلما ازداد علواً/ تعالياً، ازداد النفاق، لهذا يتنوع الخوف.

وحده الحب، يكون نقيض الخوف، وتعرية لحقيقته الموجهة، حب الآخر، و" الله/ الإله " يُحله في النفس، ويجري التآلف، ومعرفته. الخوف يخلق هوة، الحب يعدم المسافة.


تقدير الآخر من موقع الخوف منه، عبارة تربص به، ورصد لحركته، ينتظر فرصة الانقضاض عليه والتخلص منه.


مجتمعاتنا التي تشهد انقسامات وحروب ونزاعات، وميتات بينية، يفسّرها هذا الخوف، وبالتناوب. يقتل أحدهم الآخر استجابة لخوف فيه، ويُقتَل، بالطريقة نفسها.


أنا أخاف، إذن، أنا آمن. تلك العلامة الفارقة للمجتمع المأهول بما هو قطيعي. إظهار خوف من الآخر: العائلي، الاجتماعي، السياسيـ الديني، يؤمّن علي ولي بقاء، إنما كعبد مستحدَث.


من حق المرأة أن تخاف الرجل، ليس لأن ذلك واجب عليها، وإنما لأن التاريخ يشهد عموماً على مركزية الرجل، وإبقاء المرأة تحت التهديد، إن خرجت عن طاعته. يا لرعب التربية .


بقدْر ما يجري ربط كل شيء بالخوف من " الله / الإله "، يفقد المجتمع معناه الاعتباري، ويصبح عرضة لكل ما من شيء ضياعه تدريجياً، حيث يصبح ألعوبة بين أيدي ممثليه.


ليس هناك من هم أكثر تعبيراً عن التلاحم الاجتماعي، والتنادي الاجتماعي، في مجتمعاتنا، مقابل ذلك، ليس هناك من هم أكثر تباعداً عن بعضهم بعضاً في مجتمعاتنا، لأن مفهوم المجتمع: واجبات وحقوقاً، لا يتعين بدقة قانونياً .


يُعَدُّ الكذب مطية معتمدة للخوف. لأن الخوف يختزل المعني، والكذب تأكيد لذات مشوهة إزاء الآخر قريباً أو بعيداً. طردياً، يعني أنه كلما انتشر الخوف، استفحل الكذب بأعراضه.


لغة الإنشاء لا أكثر منها في مجتمعاتنا. أولاً، كونها خطابية، ثانياً، تكون العاطفة المدرارة بذرتها. حيث لا يعود المنطق حاضراً بشفافيته، وقدرته على تنمية المجتمع من الداخل.


لأن الكتّاب في مجتمعاتنا، أكثر تعاملاً مع الحقائق، ومتابعة لها، فهو المرآة الكاشفة لخفايا الجاري، ولأن خوفهم مما هو قائم، ملموس، يشكلون الواجهة المشوهة لمجتمعاتهم.

الاعتراف بالحقيقة أولى علامات التحرر المطلوب من الخوف، وحدهم المبدعون، والقادرون على كتابة المختلف، جديرون في أن يُسمّوا كتاباً، وقلة حضورهم، موصولة بطغيان الخوف.


الذين يخافون على أنفسهم غير الذين يخافون منها. في الأولى، ثمة وعي بمكانة" الأنا " فيبحثون عن جهات مناسبة لطموحاتهم، أما في الثانية،فشبح المجتمع القطيعي متحكم بهم.


الخوف على الخوف ، ليس أكثر من انعدام فرص الحياة الفعلية، إن لم تكن " الولادة المجتمعية " للأفراد، وتأمين حياة كريمة لهم تالياً، نظيرة " الولادة الطبيعية " التي تقدم للوليد مناخاً ملائماً، ورضاعة مطلوبة، يعني ذلك، عدم وجود خطط تنموية معتبرَة.


حين يعيش أحدنا حالة الخوف باستمرار، فليس هناك سوى تفسير واحد، وهو: مساءلة التربية ، بدءاً من العائلية، وصولاً إلى السياسية، حيث الفرد مذنب دائماً، وإن لم يرتكب جنحة، حتى تثبت براءته، كما هي شهادة السجون، ونوعية المساجين فيها.


عندما يُترَك الصغير، في مهد مستقل، ثم في سرير مستقل، ووحده في الليل، يكون انتفاء الخوف. في مجتمعاتنا يتم تخويف الصغير من العتمة والعفاريت فيها. يا لهول النتيجة!


أن يكون أحدنا رقيباً على اللآخر بتوجيه من جهة متنفذة، سلطوية، رسمية أو غيرها، يعني ذلك، وجود خوف من الحساب المتمثل في الرقيب الاجتماعي الكامن في الداخل.


في مجتمعاتنا، كثيراً ما يتحول " المدافع " عن " وطنه " إلى بطل أو يُرسم " شهيداً " ليس لأنه مأهول بحب " القائد " أو " الوطن " نفسه، وإنما حرصه على سلامته هو الذي يدفع به إلى ذلك، طالما أن فكرة " المواطنة " لا قائمة لها في بلادنا ، بالمعنى الدقيق للكلمة.

خوفي من العدو معكوس ومنقولُ خوفي عمَّن جعلني مأموراً له، و" حشو " نفسي بالمخاوف.


الذي يرفض الخوف في مجتمعاتنا، وحين تكون له مبادرات فردية، تكون كلمة " طائش " لصيقة به، وما يعني ذلك من خطر يتهدد المجتمع، والحذر منه، ومن ثم التخلص منه .


القمع المكثف الذي تمارسه السلطة ضد أفراد مجتمعها، مع الزمن، يجري تمثيله في أفراد، جرّاء خوفهم من هذه السلطة، فيمارسون قمع حتى أقرب المقربين منهم، خوفاً على حياتهم، هكذا تجد السلطة " الشمولية " نفسها مؤمّنة على وجودها، بوجود الداخلين في خدمتها.


المتَّهَم بالإلحاد من المحيطين به، ومحاولة ردعه باللجوء إلى الجهة المعنية، ليس لأنه يعبّر عن اعتقاده تحديداً، وإنما لأنه بطريقته يثير شكوك المحيطين بما يعتقدونه، وهذا يعرضهم للخطر في حساباتهم.


عندما يخشى أحدنا من البوح ولو ببعض مما نفسه، لأقرب مقربيه، فليُعلَم أن المجتمع بات على حافة الهاوية، لأن خوفاً " كورونياً " كهذا، يؤدي إلى انفجاره وانهياره.


ما أكثر الحكام في بلادنا ممن يجدون راحة واستهواء في الخوف الذي " يجدونه " في انتظارهم، وضبط مجتمعهم به. هذا الخوف نفسه، في سيولته، مع الزمن، يصبح صلباً في نوعيته في لحظة غير محسوبة بدقة، وفي حساب تاريخ مفتوح ضد تاريخ مغلق.


في مجتمع المحسوبيات، حين ينبري أحدهم مدافعاً، أحياناً عن أبسط الحقوق، وفي الحياة اليومية، وعلى الملأ، يبتعد المحيطون عنه، رغم معرفتهم التامة ضمناً، أنه كان محقاً في تصرفه، لأن نوعية الخوف المفعّلة فيهم، دون بلوغهم مستوى قول" نعم ، أحسنت "!


لا أكثرها تناقضاً ذاتياً من عبارة " رجل الأمن " في الكثير من مجتمعاتنا، وحين نعيش الحالة هذه هنا وهناك، الصحيح " رجل الخوف "، مادام كل حديث عن المختلف يخيف الآخرين.

ما ينقصنا، وبأكثر من معنى، في مجتمعاتنا " الحيّة " كما تُسمّى، هو الاختلاف الذي يظهر فيه الأفراد فاعلين بقدراتهم ومواهبهم، لتكون الوحدة التي يُركَّز عليها، واقعاً قائمة، ولكنها وحدة قطيعية في ألفها ويائها. تحرير القطيع من خوف " الراعي " مدخل إلى الحياة.


نعم، حين أجدني في وسط طاغ بالجبناء، أدرك إلى أي درجة، هو الخوف متحكم في النفوس. إن " كسر الجليد " غير مجد بالكلام العادي، جرّاء السماكة الثقيلة لهذا" الجليد ".


ثورات كثيرة، كما يقول التاريخ، يظهر فيها أفراد مقدامون، لكن مع " اندفاع " السيل الجماهيري، تظهر حسابات أخرى، مختومة بالخوف، فيتراجع هؤلاء أو يختفون، حيث " يستيقظ " ذلك الخوف غير المنتبَه إليه فيهم.

نعم، أنا حريص على مجتمعي، إلى درجة أنني مستعد في التضحية بكل ما إنسانيتي، لحظة شعوري أن هناك خوفاً يحول دون ارتقائه إلى " مسماه "، أو أحرص على عدم بقائي قطيعياً.
أنا لا أسمّي نفسي أو أحداً، لعله لفت نظر إلى الربط بين ما يقال باسم أحدهم ككاتب وفعله، وأي نوع من الخوف يعيشه، وكيف يحيله إلى مادة حية فاعلة في حياته ومجتمعه وإنسانيته!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى