ما الوقاحة impolitesse ؟إنها متعدّية التعريف لحظة وضْعها في جملة معينة تنطوي على قيمة ما. سوى أنها لا تبقي الداخل على حاله، بجعْله خارجاً. بتعريته. وبمواجهته بما يخشى تمثيله أو ادّعاء تمثيله، أو الاعتراف به، لأنه ينزع كامل أقنعته عن وجهه المرئي.
***
أن يرى أحدهم في نفسه ما ليس فيها، من باب التباهي، والانتقاص من قيمة مقابله، كما هو المتداول كثيراً هنا وهناك، بوعي مقصود، فتلك هي الوقاحة الكبرى .
***
تحمّل الجاهل فيما يقول، ليس ضعفاً، لأنه – ببساطة- جاهل، إنما من يتعالم، ويسفّه غيره، هو الذي لا يُحتمَل، لأن تصرفه المحسوس يكون وقحاً.
***
الميزة الكبرى في المجتمعات المتخلفة، حيث الجهل يعتبَر بوابة الفضيلة، لا أكبر من نسبة الوقحين فيها، باعتبارهم يمارسون هجوماً مسبقاً على كل من يعتبرونهم خصوماً لهم، أينما تحرَّكوا وحلّوا. هؤلاء تجب تعريتهم تماماً، وسريعاً، لأن هجومهم الوقتي لا ينبىء عن شجاعة، إنما عن ضغينة وضعف وجبْن في آن .
الوقح لا يُقبَل اعتذاره، بما أن الوقاحة تماد ٍ وإيذاء.المقبول اعتذاره، هو ما يتم عن سهو وليس سوء نيَّة ، وتحديداً حين يأتي الاعتذار إثر معرفة منه مباشرة أنه بات مكشوفاً .
***
هناك علاقة بين السارق والوقح، وهو أن السارق لا يسرقك إلا على غفلة، أي خفية/ خلسة، بينما الوقح، فهو الذي لا يكتفي بسرقتك فحسب، وإنما يذمك بالضعف والدونية أيضاً.
***
تقوم الوقاحة على نفحة قوة جسمية ما. لهذا تنتفي الوقاحة في كل من الصغير والكبير. الأول لأنه لم يعتد الحياة بعد، والثاني، لأنه اعتادها بطريقة ما لها قيمتها تجريبياً، إلى درجة أنه يعجز عن الإمساك بأقل الأشياء وزناً.
***
في مقدور المرء أن يكذب، ويستمر في الكذب، ويغتبط في داخله جرّاء ذلك، لأن كشفه يتطلب بعض الوقت على الأقل، بينما الوقاحة ففي لحظتها سلوكياً.
***
الاحترام يستند إلى تقدير المقابل مهما كان نوعه أو جنسه، من موقع التباين أو الاختلاف. ثمة وعي معلوم على وجه التخصيص في بنية العلاقة. الوقاحة تنسف العلاقة هذه، بما أن صورته معكوسة داخله فقط.
***
للخوف عامل تنوير للنفس أحياناً، يقوم على مفهوم حسابي للوسط/ المحيط، الوقاحة مجرَّدة منه، يسهل تصور الوقح، في كلامه أو سلوكه المرفق به، ليتبين ذلك، ليس لأنه ذو بأس، بالعكس، لأنه مصاب بعمى الآخر.
***
يتلبك أو يضطرب الوقح أحياناً، وسريعاً، حين يجد نفسه أمام من يلزمه عند حده، كونه يفتقد التهذيب، كمن يتم إيقاظه فجأة. هناك وقحون يحتاجون إلى نوع من " الصدمة الكهربائية " لينظروا إلى ما حولهم بدقة.
***
من المؤكَّد أن الوقاحة ليست غرساً فطرياً، ثمة التربية العائلية بداية، في انتظارها المجتمع. هناك من يرعاها ويثمّنها، ويبثها في نفوس من يجعلها مهيئة لذلك، فتكون في مقام خندق دفاعي عن الذات. ردم هذا الخندق ضروري لأنه يسيء إلى مجتمع بكامله، وأوله حامل الوقاحة، أهلوه ومحيطهم.
***
إذا كانت الوقاحة شجاعة، فإن الرذيلة عينها شجاعة. الفارق بينهما أن الرذيلة تسمّي صاحبها، إزاء الآخر، بينما الوقاحة فهي تنطلق خارجاً: نحو " هدف معلوم ". وأحياناً تلتقي الوقاحة بالرذيلة .
***
لأنني أمارس الكتابة، ولا أقول عن أنني " كاتب " هنا، ومنذ عقود طويلة نسبياً. أستطيع القول، أن نسبة الوقاحة في حقل الذين يدّعونها، أي باعتبارهم كتّاباً، تفوق كل المجالات الأخرى، وراهناً أكثر من أي وقت مضى، على خلفية من استفحال ثقافة الفيسبوكيات وسواها، لأن التطاول" الوقح " يتم عن بعد، وإذا كان عن قرب، فجرّاء النفخة النفسية التي تتعاظم في هؤلاء الذين يجدون وسطاً مستباحاً لهم، وعلى أعلى مستوى.
***
أن يكتب أحدهم من باب تزجية الوقت، ودون أن يقدّم نفسه كاتباً، كما هي الكتابة، وتكون له صفحته، التي تخلو من أي إشارة إلى مسلك كهذا، يكون موضع تقدير، ربما كان ذلك تدريباً وتمهيداً لمستقبل ينتظره كاتباً، أما يجعل من موقعه منبراً مشيخياً زائفاً، وداعية موقع ذاتي، ودون أي خجل، فهي وقاحة بالذات.
***
ما الانحطاط في الفن أو الثقافة عموماً؟ إنه تلك الوقاحة المعترَف بها أي المجازة، والتي يحتفى بها، بطابعها النموذجي" الستانداردي. الانحاط نقيض السمو. كما هي الوقاحة التي لا تقابل أي نقيض لها، بتغييبه عنها.
***
ليس هناك مجتمع جهل أو جاهل. إنه تعميم غير مقبول تاريخياً، يعني تثبيته. وهذا خطأ شنيع، هناك من يسعون إلى إخراجه وتأكيده هكذا، بصيغ شتى، لتكون الوقاحة فاعلة وضاربة وممدوحة بشكل لافت.
***
علاقاتي محدودة بالوسط الاجتماعي الذي أعيش فيه، هنا وهنا، من خلال الاعتزال الذي ألزمتُ نفسي به، وليس العزلة، كما يقال بسلبيتها. ما كتبته، ربما يشفع لي بإقامة علاقات كثيرة، سوى أن نوعاً مرضياً أصبح ظاهرة ، ومزمنة، في أوساطنا، ومن قبل " ذكور" وما أكثرهم، أول ما يحاولون التباهي به، يكون من جهة النساء، ممن يعرفن هذه اللعبة، وبنيتها، إلى درجة الوقاحة، التي تنسيهم حقيقتهم النفسية والاجتماعية.
***
الوقح لا يخيف البتة. إنما المحيط الحاضن له، والقائم على الجهل، والمتغذي به. حيث يمنحه عبوراً لدخول أي مجلس، أو معترك، أو سواهما، لعرْض بضاعته الفاسدة
***
ربما يلتقي وقح مع وقح في عالم الحرف، أو خارجه، فيتناوبان في هذا المضمار، كل منهما يعرف الآخر وقاحاً، ودون أن يعلِمه بذلك، لافتقاد هذه الخصلة التنبيهية، حتى ينبري من ينبههما معاً بجريرتهما .
***
الخسة، الدناءة، الاحتقار، الضعة، السفه، الطيش، الزور، الغرور،اللؤم،الصفاقة، الابتذال، السقطة،النفاق، الضلالة، الغيبة، والفسق...إلخ، كلها متداخلة مع الوقاحة، سوى أن هذه" الوقاحة " تمحورها داخلها،بمباشرتها. حيث إن الوقح يرى في كل ما ذكرت " رصيداً " محفّزاً لمسلكه فيما بات يَعرَف به " الوقح ".
***
احترامي لكل الذين يعبّرون عما هو إنساني ووطني فيهم، من خلال كتاباتهم. سوى أن هذا الاحترام ينتفي سريعاً، عندما ينزوي هؤلاء عند الشعور بخطر يتهددهم، ولاحقاً ينبرون مدبجّي مقالات وغيرها، متهمين سواهم بالخنوع والتقاعس، ناسين" متناسين" بوعي، عما هم عليه واقعاً. تلك وقاحة سافرة، ما أن يواجَهوا بها، حتى ينكّسوا رؤوسهم، أو يحاولون الانسحاب في صمت، أو يحاولون عدم الصدام، لأن " بضاعتهم " رخيصة.
***
قيل عن أن الجبان يخشى الجلوس، بما أن " مؤخرته " من قش، فتكون خشيته من احتراق سريع. قياساً على ذلك، يكون الوقح في بعض حالاته، وهو يخشى مواجهة من يعلم أنه لا يقارَن به، فيكون هنا" وجهه " من قش، يحمل علامات الجبن ويظهرها ، فيكون خذلانه. هناك من يتمادى وإن احترق كامله، تعبيراً عن أنه تطابق كلياً مع الوقاحة في أعلى درجاتها عدوانية .
***
في العلاقة بين الرجل والمرأة: الزوج والزوجة، ما أسهل اكتشاف وقاحة الزوج، حين ينتفج متعالياً على زوجته، بصوته وحركاته، وهو ذائع الصيت بجبنه في وسطه. نماذج الوقاحة من هذا النوع كثيرة لدينا.
***
يمارس الرجل، بوصفه الذكَر، طغياناً على المرأة، مرتين، أو من جهتين: تاريخي، عبْر ربطه بنسب مختلَق يستجيب لزعم أنه رجل" كونها من ضلع أعوج " كما هي المرأة التوراتية التي لا تزال تعيش في ذاكرتنا الجماعية كثيراً، وديني اجتماعي، عبْر إلحاقها بالرجل" رب البيت" كل ذلك يمنح هذا الحق لنفسه شرعاً وحتى قانوناً في مجتمعاتنا، ليكون المتبوع، وتبعاته، لتكون الوقاحة المرسومة والمعتبَرة في الحالة هذه، مؤممة، وكأنها طبيعية، لا يُشك فيها.
****
أن يتعامل أحدهم، ومن موقع القوة، مهما كان نوعها، مع فقير، أو بائس، لا يكون وقحاً فحسب، وإنما خسيساً بالمقابل. الوقاحة في التعالي الأجوف، والخسة في دونية النفس طبعاً.
***
الوقاحة تصفية كل مرجعية قيمية مثلى في الشخص، حيث الوقح لا يكتفي بنقل عدواه إلى المجتمع، إلى من حوله، قدر ما يستطيع، إنما يحتكر هذه العدوى، بوصفها مأثرته. ويبتز الآخرين، كقوة تلغي سواها.
***
ما أسهل تحوُّل الإحسان إلى وقاحة رهيبة. إذا كان الإحسان حالة معطوفية وشفقة، واهتماماً بالآخر، من منطلق أخلاقي قويم، فإن إشعار الأخير بالخاصية تلك، وإذلاله، وقاحة نابعة من تشوه خُلَقي في" الفاعل ".
***
كم هو جميل أن ينظر أحدنا إلى الآخر، وبالعكس، إنها حوارية مودة دون كلامات، من خلال سيمياء النظرات. كخاصية المحسن المتحولة، حين يصبح النظر تدخلاً سافراً في " الآخر " وإزعاجاً له، يكون الوقاحة.
***
من وجهة نظري، ليس هناك ما هو أعظم، أجمل، وأسمى من نظرة الرجل إلى المرأة، وبالعكس، كذلك، لما في ذلك من مكنون للحب، ودافع التقارب والإعجاب الروحي تحديداً. ماذا لو حل مفهوم" الاشتهاء" وما له من غريزية مصيدية؟ ومن جهة الرجل غالباً. يكون الآخر موضوعاً فقط، والوقاحة جلية بإيلامها.
***
أحياناً تتطلب الوقاحة في أحدهم، بعضاً من المرونة، وفي وضع معلوم، بالتجاهل، لئلا يشعر الوقح أنه في نزال، هذا التجاهل دواء مباشر وفعال له، وكأنه وجه الضربة القاضية إلى نفسه بنفسه.
***
ما هي قلة الأدب certaine impolitesse ؟ إنها الخروج في لبوس الوقاحة. الأدب هنا، مأثور أخلاقي، بينما قلَّته، فهي فساده، نفاده، أو تدنّيه، كرأسمال قيمي لا يصلح للتبادل. ثمة استفحال لهذا النوع " بيننا"!
***
يمكنني القول، وبوعي هنا، أن الوسيط الإعلامي" المتلفز " وفي قسم الأخبار وحواراتها المختزلة، يقدّم نوعية " ممتازة " ومؤكدة، وكبيرة من الوقحين والوقحات، لأن عملهم الإعلامي يتطلب منهم ذلك، وهم يبتهجون بهذا المطلب، عندما يجرى حوار، أو نقاش على خلفية خبرية ، مثلاً، مع اسم معروف فكرياً، أو ثقافياً، بالكاد يعطي توضيحاً سريعاً بصدد سؤال موجه إليه، فيقاطَع إجمالاً، والأنكى من ذلك، حين يجري بتر حديثه أو التعليق على كلامه، أو إبداء رأي نفيض ما قاله، دون أن يتمكن من الرد، لهذا أتجنب الدخول في علاقات تفتقر إلى هذا النوع من " الإتيكيت "، وفي جو من اللاثقافة، أو الثقافة " المؤطرة " المهانة في اسمها.
***
في الكُردية، وهي لغتي الأم، تعني الوقاحة “ rûşuştin “ والوقْح " rûşuştî ". الكلمة مركَّبة من كلمتين"rû “، أي" الوجه ، و" şuştin "،" الغسيل " ، في الأخرى " şuştî "، أي " المغسول.السؤال: ما علاقة " الوقاحة بكل من الوجه والغسيل أو المغسول، كصفة؟ هناك ما ينتظر التسمية والظهور بمحتواه.ذو الوجه المغسول، هو الذي أظهرَ مكنونه، إنه وجهه الذي ظهر به، وهو في عريه، بهذا يستقيم المعنى: سفوره.
الوقح هو الذي لا يحتاج إضافة، أو إماطة لثام عن حقيقته، ووجه المرء: واجهته، ووجهته، وتوجهه، أي ما يعرَف به، علامته القيمية الفارقة..يا لها من ثقافية تختصر أحدنا في المرئي في وضع لا يحسَد عليه !
***
من يهان، قد يغض الطرْف عن مهينه، لسبب قهري، ينسيه إهانته. في الوقاحة،يختلف الأمر.الوقح لا يهين، إنه يُذِل، ويحتقِر، ويسفِه مقابله،يحاول إلغاءه كقيمة. من الصعب السكوت على معاملة طاغية كهذه.
***
طالما أن الآخرين لا يتدخلون في شئوني ذات الصلة المباشرة بخاصيتي، لهم مني كامل الاحترام والتقدير. ما أن أستشعر أن أحدهم استخف بما أقوم به، من منظور الأعلمية ، لا بد من الرد، كما تتطلب الوقاحة.
***
في المنطق الأرسطوي، ثمة قيم كثيرة، كل منها، وسط بين رذيلتين، كما في حال " الشجاعة" فهي وسط، بين الجبن" التفريط" جهة، جهة التقصيرأو الإهمال، والتهور" الإفراط " جهة الإسراف والزيادة، في الجانب الآخر. في الوقاحة، أين الأفراط والتفريط؟: ربما التلكؤ " تفريطاً " والرعونة " إفراطاً ".
***
التفاخر ثمر الوقاحة الذاتية،مر المذاق،المظهر الحركي المرئي شاهد على ذلك، إنه صنو التعالي على الغير.
***
الوقح لا يُعتدُّ به، لأنه يختزل مجتمعاً بكامله في ذاته، إنه يعدِم المروءة، وهي جوهر المجتمع السوي.
***
قيل عن أن المال فتنة، هذا صحيح، حين يدفع بصاحبه إلى التكبر والغرور، والوقاحة قد تكون ذروتها" أي الفتنة " .
***
احترام الآخر يقوم على فضيلة السر التي تمنحه احتراماً، وخصوصية، الوقح يطوّح بهذا السر، فيعرى سريعاً.
***
الواقح " زاني نفسه "! كيف؟ إنه يهتك سرَّه، وما يطرحه حصيلة هذه العلاقة " السفاحية " الخاصة.
***
الوقح لا يتعلَّم أبداً، لأنه أغلق كل الطرق ذات الصلة بالتعلم بمفهومه الاجتماعي. الوقاحة وباء مجتمعي!
***
كراهية الوقاحة ترتكز إلى عامل صادم، فحواه، أن الوقح أناني إلى درجة تجرّده من كل ما صلة بالإيثار.
***
أن أكون متشدداً بنسبة ما، هشاً بنسبة ما، محل سخرية من الآخر بنسبة ما، أفضل من أكون وقحاً، لا أقيم اعتباراً لأي كان، وما يترتب عليه من إقصائي الكامل عمَّن حولي، ونبذي من الجميع.
***
لا أمدُّ يدي إلى من يريد مصافحتي، وفي يده دبوس. هذه المصافحة تجسيد للوقاحة السائدة هنا وهناك.
***
لكم منحتني الوقاحة يقظة روحية، لأن أبني عالماً روحياً لي، لا ينأى بي عن إنسانيتي، كما قرأتها، وبلغات شتى، وإنما تلك التي تؤمم إقامة في الحياة، وأبعد، وفي مجتمع يقوم على تسويفات في أقوال خلَّبية.
***
في النوم، يمكن للوقح أن يباغت النائم، إنه الكابوس الذي يقلق راحته، ويصيبه في مقتل أحياناً. لهذا، ولمن يريد أن يؤمّن على سلامة نومه، ما عليه إلا أن ينام، وفي نفسه طمأنينة. إنها ترياق النائم في نوم مبهج وحلم يثلج الصدر، وردع ، ضمناً، للوقح.
***
أن يرى أحدهم في نفسه ما ليس فيها، من باب التباهي، والانتقاص من قيمة مقابله، كما هو المتداول كثيراً هنا وهناك، بوعي مقصود، فتلك هي الوقاحة الكبرى .
***
تحمّل الجاهل فيما يقول، ليس ضعفاً، لأنه – ببساطة- جاهل، إنما من يتعالم، ويسفّه غيره، هو الذي لا يُحتمَل، لأن تصرفه المحسوس يكون وقحاً.
***
الميزة الكبرى في المجتمعات المتخلفة، حيث الجهل يعتبَر بوابة الفضيلة، لا أكبر من نسبة الوقحين فيها، باعتبارهم يمارسون هجوماً مسبقاً على كل من يعتبرونهم خصوماً لهم، أينما تحرَّكوا وحلّوا. هؤلاء تجب تعريتهم تماماً، وسريعاً، لأن هجومهم الوقتي لا ينبىء عن شجاعة، إنما عن ضغينة وضعف وجبْن في آن .
الوقح لا يُقبَل اعتذاره، بما أن الوقاحة تماد ٍ وإيذاء.المقبول اعتذاره، هو ما يتم عن سهو وليس سوء نيَّة ، وتحديداً حين يأتي الاعتذار إثر معرفة منه مباشرة أنه بات مكشوفاً .
***
هناك علاقة بين السارق والوقح، وهو أن السارق لا يسرقك إلا على غفلة، أي خفية/ خلسة، بينما الوقح، فهو الذي لا يكتفي بسرقتك فحسب، وإنما يذمك بالضعف والدونية أيضاً.
***
تقوم الوقاحة على نفحة قوة جسمية ما. لهذا تنتفي الوقاحة في كل من الصغير والكبير. الأول لأنه لم يعتد الحياة بعد، والثاني، لأنه اعتادها بطريقة ما لها قيمتها تجريبياً، إلى درجة أنه يعجز عن الإمساك بأقل الأشياء وزناً.
***
في مقدور المرء أن يكذب، ويستمر في الكذب، ويغتبط في داخله جرّاء ذلك، لأن كشفه يتطلب بعض الوقت على الأقل، بينما الوقاحة ففي لحظتها سلوكياً.
***
الاحترام يستند إلى تقدير المقابل مهما كان نوعه أو جنسه، من موقع التباين أو الاختلاف. ثمة وعي معلوم على وجه التخصيص في بنية العلاقة. الوقاحة تنسف العلاقة هذه، بما أن صورته معكوسة داخله فقط.
***
للخوف عامل تنوير للنفس أحياناً، يقوم على مفهوم حسابي للوسط/ المحيط، الوقاحة مجرَّدة منه، يسهل تصور الوقح، في كلامه أو سلوكه المرفق به، ليتبين ذلك، ليس لأنه ذو بأس، بالعكس، لأنه مصاب بعمى الآخر.
***
يتلبك أو يضطرب الوقح أحياناً، وسريعاً، حين يجد نفسه أمام من يلزمه عند حده، كونه يفتقد التهذيب، كمن يتم إيقاظه فجأة. هناك وقحون يحتاجون إلى نوع من " الصدمة الكهربائية " لينظروا إلى ما حولهم بدقة.
***
من المؤكَّد أن الوقاحة ليست غرساً فطرياً، ثمة التربية العائلية بداية، في انتظارها المجتمع. هناك من يرعاها ويثمّنها، ويبثها في نفوس من يجعلها مهيئة لذلك، فتكون في مقام خندق دفاعي عن الذات. ردم هذا الخندق ضروري لأنه يسيء إلى مجتمع بكامله، وأوله حامل الوقاحة، أهلوه ومحيطهم.
***
إذا كانت الوقاحة شجاعة، فإن الرذيلة عينها شجاعة. الفارق بينهما أن الرذيلة تسمّي صاحبها، إزاء الآخر، بينما الوقاحة فهي تنطلق خارجاً: نحو " هدف معلوم ". وأحياناً تلتقي الوقاحة بالرذيلة .
***
لأنني أمارس الكتابة، ولا أقول عن أنني " كاتب " هنا، ومنذ عقود طويلة نسبياً. أستطيع القول، أن نسبة الوقاحة في حقل الذين يدّعونها، أي باعتبارهم كتّاباً، تفوق كل المجالات الأخرى، وراهناً أكثر من أي وقت مضى، على خلفية من استفحال ثقافة الفيسبوكيات وسواها، لأن التطاول" الوقح " يتم عن بعد، وإذا كان عن قرب، فجرّاء النفخة النفسية التي تتعاظم في هؤلاء الذين يجدون وسطاً مستباحاً لهم، وعلى أعلى مستوى.
***
أن يكتب أحدهم من باب تزجية الوقت، ودون أن يقدّم نفسه كاتباً، كما هي الكتابة، وتكون له صفحته، التي تخلو من أي إشارة إلى مسلك كهذا، يكون موضع تقدير، ربما كان ذلك تدريباً وتمهيداً لمستقبل ينتظره كاتباً، أما يجعل من موقعه منبراً مشيخياً زائفاً، وداعية موقع ذاتي، ودون أي خجل، فهي وقاحة بالذات.
***
ما الانحطاط في الفن أو الثقافة عموماً؟ إنه تلك الوقاحة المعترَف بها أي المجازة، والتي يحتفى بها، بطابعها النموذجي" الستانداردي. الانحاط نقيض السمو. كما هي الوقاحة التي لا تقابل أي نقيض لها، بتغييبه عنها.
***
ليس هناك مجتمع جهل أو جاهل. إنه تعميم غير مقبول تاريخياً، يعني تثبيته. وهذا خطأ شنيع، هناك من يسعون إلى إخراجه وتأكيده هكذا، بصيغ شتى، لتكون الوقاحة فاعلة وضاربة وممدوحة بشكل لافت.
***
علاقاتي محدودة بالوسط الاجتماعي الذي أعيش فيه، هنا وهنا، من خلال الاعتزال الذي ألزمتُ نفسي به، وليس العزلة، كما يقال بسلبيتها. ما كتبته، ربما يشفع لي بإقامة علاقات كثيرة، سوى أن نوعاً مرضياً أصبح ظاهرة ، ومزمنة، في أوساطنا، ومن قبل " ذكور" وما أكثرهم، أول ما يحاولون التباهي به، يكون من جهة النساء، ممن يعرفن هذه اللعبة، وبنيتها، إلى درجة الوقاحة، التي تنسيهم حقيقتهم النفسية والاجتماعية.
***
الوقح لا يخيف البتة. إنما المحيط الحاضن له، والقائم على الجهل، والمتغذي به. حيث يمنحه عبوراً لدخول أي مجلس، أو معترك، أو سواهما، لعرْض بضاعته الفاسدة
***
ربما يلتقي وقح مع وقح في عالم الحرف، أو خارجه، فيتناوبان في هذا المضمار، كل منهما يعرف الآخر وقاحاً، ودون أن يعلِمه بذلك، لافتقاد هذه الخصلة التنبيهية، حتى ينبري من ينبههما معاً بجريرتهما .
***
الخسة، الدناءة، الاحتقار، الضعة، السفه، الطيش، الزور، الغرور،اللؤم،الصفاقة، الابتذال، السقطة،النفاق، الضلالة، الغيبة، والفسق...إلخ، كلها متداخلة مع الوقاحة، سوى أن هذه" الوقاحة " تمحورها داخلها،بمباشرتها. حيث إن الوقح يرى في كل ما ذكرت " رصيداً " محفّزاً لمسلكه فيما بات يَعرَف به " الوقح ".
***
احترامي لكل الذين يعبّرون عما هو إنساني ووطني فيهم، من خلال كتاباتهم. سوى أن هذا الاحترام ينتفي سريعاً، عندما ينزوي هؤلاء عند الشعور بخطر يتهددهم، ولاحقاً ينبرون مدبجّي مقالات وغيرها، متهمين سواهم بالخنوع والتقاعس، ناسين" متناسين" بوعي، عما هم عليه واقعاً. تلك وقاحة سافرة، ما أن يواجَهوا بها، حتى ينكّسوا رؤوسهم، أو يحاولون الانسحاب في صمت، أو يحاولون عدم الصدام، لأن " بضاعتهم " رخيصة.
***
قيل عن أن الجبان يخشى الجلوس، بما أن " مؤخرته " من قش، فتكون خشيته من احتراق سريع. قياساً على ذلك، يكون الوقح في بعض حالاته، وهو يخشى مواجهة من يعلم أنه لا يقارَن به، فيكون هنا" وجهه " من قش، يحمل علامات الجبن ويظهرها ، فيكون خذلانه. هناك من يتمادى وإن احترق كامله، تعبيراً عن أنه تطابق كلياً مع الوقاحة في أعلى درجاتها عدوانية .
***
في العلاقة بين الرجل والمرأة: الزوج والزوجة، ما أسهل اكتشاف وقاحة الزوج، حين ينتفج متعالياً على زوجته، بصوته وحركاته، وهو ذائع الصيت بجبنه في وسطه. نماذج الوقاحة من هذا النوع كثيرة لدينا.
***
يمارس الرجل، بوصفه الذكَر، طغياناً على المرأة، مرتين، أو من جهتين: تاريخي، عبْر ربطه بنسب مختلَق يستجيب لزعم أنه رجل" كونها من ضلع أعوج " كما هي المرأة التوراتية التي لا تزال تعيش في ذاكرتنا الجماعية كثيراً، وديني اجتماعي، عبْر إلحاقها بالرجل" رب البيت" كل ذلك يمنح هذا الحق لنفسه شرعاً وحتى قانوناً في مجتمعاتنا، ليكون المتبوع، وتبعاته، لتكون الوقاحة المرسومة والمعتبَرة في الحالة هذه، مؤممة، وكأنها طبيعية، لا يُشك فيها.
****
أن يتعامل أحدهم، ومن موقع القوة، مهما كان نوعها، مع فقير، أو بائس، لا يكون وقحاً فحسب، وإنما خسيساً بالمقابل. الوقاحة في التعالي الأجوف، والخسة في دونية النفس طبعاً.
***
الوقاحة تصفية كل مرجعية قيمية مثلى في الشخص، حيث الوقح لا يكتفي بنقل عدواه إلى المجتمع، إلى من حوله، قدر ما يستطيع، إنما يحتكر هذه العدوى، بوصفها مأثرته. ويبتز الآخرين، كقوة تلغي سواها.
***
ما أسهل تحوُّل الإحسان إلى وقاحة رهيبة. إذا كان الإحسان حالة معطوفية وشفقة، واهتماماً بالآخر، من منطلق أخلاقي قويم، فإن إشعار الأخير بالخاصية تلك، وإذلاله، وقاحة نابعة من تشوه خُلَقي في" الفاعل ".
***
كم هو جميل أن ينظر أحدنا إلى الآخر، وبالعكس، إنها حوارية مودة دون كلامات، من خلال سيمياء النظرات. كخاصية المحسن المتحولة، حين يصبح النظر تدخلاً سافراً في " الآخر " وإزعاجاً له، يكون الوقاحة.
***
من وجهة نظري، ليس هناك ما هو أعظم، أجمل، وأسمى من نظرة الرجل إلى المرأة، وبالعكس، كذلك، لما في ذلك من مكنون للحب، ودافع التقارب والإعجاب الروحي تحديداً. ماذا لو حل مفهوم" الاشتهاء" وما له من غريزية مصيدية؟ ومن جهة الرجل غالباً. يكون الآخر موضوعاً فقط، والوقاحة جلية بإيلامها.
***
أحياناً تتطلب الوقاحة في أحدهم، بعضاً من المرونة، وفي وضع معلوم، بالتجاهل، لئلا يشعر الوقح أنه في نزال، هذا التجاهل دواء مباشر وفعال له، وكأنه وجه الضربة القاضية إلى نفسه بنفسه.
***
ما هي قلة الأدب certaine impolitesse ؟ إنها الخروج في لبوس الوقاحة. الأدب هنا، مأثور أخلاقي، بينما قلَّته، فهي فساده، نفاده، أو تدنّيه، كرأسمال قيمي لا يصلح للتبادل. ثمة استفحال لهذا النوع " بيننا"!
***
يمكنني القول، وبوعي هنا، أن الوسيط الإعلامي" المتلفز " وفي قسم الأخبار وحواراتها المختزلة، يقدّم نوعية " ممتازة " ومؤكدة، وكبيرة من الوقحين والوقحات، لأن عملهم الإعلامي يتطلب منهم ذلك، وهم يبتهجون بهذا المطلب، عندما يجرى حوار، أو نقاش على خلفية خبرية ، مثلاً، مع اسم معروف فكرياً، أو ثقافياً، بالكاد يعطي توضيحاً سريعاً بصدد سؤال موجه إليه، فيقاطَع إجمالاً، والأنكى من ذلك، حين يجري بتر حديثه أو التعليق على كلامه، أو إبداء رأي نفيض ما قاله، دون أن يتمكن من الرد، لهذا أتجنب الدخول في علاقات تفتقر إلى هذا النوع من " الإتيكيت "، وفي جو من اللاثقافة، أو الثقافة " المؤطرة " المهانة في اسمها.
***
في الكُردية، وهي لغتي الأم، تعني الوقاحة “ rûşuştin “ والوقْح " rûşuştî ". الكلمة مركَّبة من كلمتين"rû “، أي" الوجه ، و" şuştin "،" الغسيل " ، في الأخرى " şuştî "، أي " المغسول.السؤال: ما علاقة " الوقاحة بكل من الوجه والغسيل أو المغسول، كصفة؟ هناك ما ينتظر التسمية والظهور بمحتواه.ذو الوجه المغسول، هو الذي أظهرَ مكنونه، إنه وجهه الذي ظهر به، وهو في عريه، بهذا يستقيم المعنى: سفوره.
الوقح هو الذي لا يحتاج إضافة، أو إماطة لثام عن حقيقته، ووجه المرء: واجهته، ووجهته، وتوجهه، أي ما يعرَف به، علامته القيمية الفارقة..يا لها من ثقافية تختصر أحدنا في المرئي في وضع لا يحسَد عليه !
***
من يهان، قد يغض الطرْف عن مهينه، لسبب قهري، ينسيه إهانته. في الوقاحة،يختلف الأمر.الوقح لا يهين، إنه يُذِل، ويحتقِر، ويسفِه مقابله،يحاول إلغاءه كقيمة. من الصعب السكوت على معاملة طاغية كهذه.
***
طالما أن الآخرين لا يتدخلون في شئوني ذات الصلة المباشرة بخاصيتي، لهم مني كامل الاحترام والتقدير. ما أن أستشعر أن أحدهم استخف بما أقوم به، من منظور الأعلمية ، لا بد من الرد، كما تتطلب الوقاحة.
***
في المنطق الأرسطوي، ثمة قيم كثيرة، كل منها، وسط بين رذيلتين، كما في حال " الشجاعة" فهي وسط، بين الجبن" التفريط" جهة، جهة التقصيرأو الإهمال، والتهور" الإفراط " جهة الإسراف والزيادة، في الجانب الآخر. في الوقاحة، أين الأفراط والتفريط؟: ربما التلكؤ " تفريطاً " والرعونة " إفراطاً ".
***
التفاخر ثمر الوقاحة الذاتية،مر المذاق،المظهر الحركي المرئي شاهد على ذلك، إنه صنو التعالي على الغير.
***
الوقح لا يُعتدُّ به، لأنه يختزل مجتمعاً بكامله في ذاته، إنه يعدِم المروءة، وهي جوهر المجتمع السوي.
***
قيل عن أن المال فتنة، هذا صحيح، حين يدفع بصاحبه إلى التكبر والغرور، والوقاحة قد تكون ذروتها" أي الفتنة " .
***
احترام الآخر يقوم على فضيلة السر التي تمنحه احتراماً، وخصوصية، الوقح يطوّح بهذا السر، فيعرى سريعاً.
***
الواقح " زاني نفسه "! كيف؟ إنه يهتك سرَّه، وما يطرحه حصيلة هذه العلاقة " السفاحية " الخاصة.
***
الوقح لا يتعلَّم أبداً، لأنه أغلق كل الطرق ذات الصلة بالتعلم بمفهومه الاجتماعي. الوقاحة وباء مجتمعي!
***
كراهية الوقاحة ترتكز إلى عامل صادم، فحواه، أن الوقح أناني إلى درجة تجرّده من كل ما صلة بالإيثار.
***
أن أكون متشدداً بنسبة ما، هشاً بنسبة ما، محل سخرية من الآخر بنسبة ما، أفضل من أكون وقحاً، لا أقيم اعتباراً لأي كان، وما يترتب عليه من إقصائي الكامل عمَّن حولي، ونبذي من الجميع.
***
لا أمدُّ يدي إلى من يريد مصافحتي، وفي يده دبوس. هذه المصافحة تجسيد للوقاحة السائدة هنا وهناك.
***
لكم منحتني الوقاحة يقظة روحية، لأن أبني عالماً روحياً لي، لا ينأى بي عن إنسانيتي، كما قرأتها، وبلغات شتى، وإنما تلك التي تؤمم إقامة في الحياة، وأبعد، وفي مجتمع يقوم على تسويفات في أقوال خلَّبية.
***
في النوم، يمكن للوقح أن يباغت النائم، إنه الكابوس الذي يقلق راحته، ويصيبه في مقتل أحياناً. لهذا، ولمن يريد أن يؤمّن على سلامة نومه، ما عليه إلا أن ينام، وفي نفسه طمأنينة. إنها ترياق النائم في نوم مبهج وحلم يثلج الصدر، وردع ، ضمناً، للوقح.