العيباري عبدالمجيد (شيخ الملحون) - ما هو الملحون؟

الملحون شعر عاميّ مغربي موزون مقفّى، يقوم على دوائر موسيقية متوارثة، وينتظم في أشكال بنيوية محددة استقرّ العمل بها في تقاليد هذا الفن عبر القرون.
وقد نشأ الملحون وتطوّر في البيئة المغربية ضمن سياق شفهي وموسيقي ارتبط بالإنشاد والأداء الجماعي، وانتقل بالتلقين والمشافهة بين الشعراء والمنشدين جيلاً بعد جيل، مما أسهم في ترسيخ قواعده الفنية واستقرار بنيته الإيقاعية.
ويُعدّ الملحون شعرًا كامل المقومات من حيث البناء الفني؛ إذ يجمع بين الصورة البلاغية والخيال الشعري والانفعال الوجداني، ويعبّر عن التجربة الإنسانية بلغة مغربية عامية مهذبة، صقلتها الممارسة الفنية والتراكم التاريخي حتى أصبحت لسانًا أدبيًا قادرًا على حمل المعاني الدقيقة والتجارب الشعورية العميقة.
وهو عاميّ من جهة لسانه، لأنه يُنظم باللغة الدارجة المغربية، غير أن هذه العامية ليست خطابًا يوميًا عابرًا، بل لغة أدبية مهذبة تشكّلت داخل بيئة فنية خاصة، واكتسبت معجمًا تعبيريًا غنيًا مكّنها من أداء الوظيفة الشعرية بكفاءة وجمال.
أما من جهة بنائه الإيقاعي، فإن شعر الملحون يقوم على نظام وزني منضبط، تحكمه قياسات متوارثة ودوائر موسيقية متعارف عليها بين أهل هذا الفن. ويتجلّى هذا الوزن في انتظام الحركات والسواكن داخل بنية الشطر، وفي اندراج الأشطار ضمن دائرة لحنية تحفظ للقصيدة توازنها الإيقاعي ووحدة أدائها.
كما يعتمد الملحون نظامًا قافويًا يضبط نهايات الأشطار ويمنح القصيدة تماسكها الصوتي، مما يجعل القافية عنصرًا أساسيًا في بنية القول الملحوني وفي تحقيق انسجامه السمعي.
وقد استقرّ شعر الملحون في أربعة أشكال رئيسية متعارف عليها عند أهله وروّاده، وهي:
العمودي
المكسور الجناح
السوسي
السربا
وتمثل هذه الأشكال الأطر البنيوية التي ينتظم داخلها الإنتاج الشعري في هذا الفن، حيث يخضع كل شكل منها لقياسه الإيقاعي الخاص وبنيته اللحنية المميزة.
ويُعدّ الشكل العمودي الأساس الذي تُفهم في ضوئه بقية الأشكال، إذ يمثل النموذج البنيوي الأول لبناء القصيدة الملحونية، والمرجعية التي تُقاس عليها باقي الصيغ.
وينطلق شاعر الملحون في نظم قصيدته من اختيار الغرض الشعري، غير أن القياس الذي تُبنى عليه القصيدة لا يُستحدث استحداثًا فرديًا، بل يُختار من القياسات المتوارثة التي استقر العمل بها في تقاليد هذا الفن، والتي حفظتها الذاكرة الفنية بالتلقين والسماع عبر الأجيال.
وعلى هذا الأساس، يكون مجال الإبداع في شعر الملحون قائمًا على ابتكار المعاني والصور والأساليب داخل الأطر الإيقاعية الموروثة، لا في استحداث أوزان جديدة أو الخروج عن الدوائر المعتمدة.
وبذلك يظل الملحون نظامًا شعريًا متكاملًا، يجمع بين ثبات البنية الإيقاعية واتساع المجال التعبيري، محافظًا على أصوله الفنية، ومتجددًا في مضامينه عبر العصور.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى