إبراهيم محمود - رمضان TV " مسرحية، في فصل واحد وسبعة مشاهد "

1773484342488.png


" ديوان كبير كبير وعال ٍ ذو هيبة، في أعلاه، في الواجهة، لوحتان مزخرفتان، تحمل الأولى عبارة " لا إله إلا الله " والثانية في الطرف المقابل عبارة " محمد رسول الله "

" المشهد الأول "

" مستشار والي المدينة والمحتسب وشهبندر التجار والدفتر دار" مسئول المالية "
شهبندر التجار: سعادة المستشار، سمعنا أن والينا تغيَّر، وحل محله وال ٍ جديد .
مستشار الوالي: هو ما سمعتم.
" يطرق شهبندر التجار ملياً "
مستشار الوالي: ماذا يجري يا شهبندر التجار؟
شهبندر التجار: هناك ما سمعتُه وأخشى التطرق إليه .
" ينظر إليه الدفتر دار ، ومن ثم المستشار ":
مستشار الوالي: لا أسرار بيننا يا شهبندر التجار، مصلحتنا واحدة.
شهبندر التجار" وهو يتنفس بعمق": نُقِل إلينا أن والينا الجديد حازم كثيراً .
مستشار الوالي: نعم، هذا صحيح، لقد فكرت في ذلك كثيراً، على النقيض تماماً من والينا الذي عيّن والياً في مدينة أخرى.
الدفتردار: وهذا يؤثر سلباً على بيت المال و..
مستشار الوالي" ينظر إليه مبتسماً ": أكملْها يا جناب الدفتردار بـ" وعلى جيوبنا "!
الدفتردار" بنصف ابتسامة ": لكن الأهم مصلحة البلاد..
مستشار الوالي" مبتسماً ": سنجد لذلك حلاً كغيره جهة المعضلات الكثيرة التي عشناها.
شهبندر التجار" بغمزة جانبية جهته " : وأنتم دائماً أملنا وطوق النجاة بالنسبة إلينا و..حيث تعلمون جميعاً أننا لا نبخل في تقديركم وإرضائكم..
مستشار الوالي: نقدّر ذلك.. اطمئنوا من هذه الناحية .

" المشهد الثاني "

" الوالي ومستشاره والمحتسب " مسئول الأمن والنظام " "
الوالي" مخاطباً إياهما " علينا أن نكون يقظين حريصين على ضبط الأمن في المدينة، أهلاً لثقة لمولانا السلطان الأعظم.
المستشار: سيكون ذلك نصْب أعيننا سعادة الوالي.
المحتسب: ذلك واجبنا سعادة الوالي.
الوالي" بعد صمت وتفكير": لا بد أنكما تفطنان إلى ما أرمي إليه من ناحية الأمن ؟
" الاثنان يهزان رأسيهما، علامة الموافقة "
الوالي: بمعرفتي الشخصية، كان هناك تسيّب كبير، وحتى فساد إداري، وهذا ما يجب قطْع دابره.
" يتبادل المستشار والمحتسب النظرات "
المستشار: سنتصرف بالطريقة التي تخططونها سعادتكم.
المحتسب: ولن تجدوا سوى ما يريحكم.
الوالي: الأهم ، ما يريح عامة الناس.
المستشار: نعرف سعادتكم عن قرب ، ولا بد أنكم بسيرتكم الحسنة، ومكانتكم المعتبَرة عند مولانا السلطان الأعظم، قادرون على ذلك، وسوف نكون رهن إشارتكم .
المحتسب: ومن ناحيتي سوف أتتبع كل ما يجري وقال بهذا الصدد في المدينة ..
الوالي " صادماً إياهما ": لقد وقفتُ عن قرب على كل صغيرة وكبيرة في المدينة..جهة الأسعار، وكيفية التعامل مع الناس.. هناك فساد كبير، لا بد من تطويقه .
المحتسب " متلعثماً في البداية ": و..هذا يمنحنا عزيمة أكبر في أداء واجباتنا.
الوالي: هذا شهر رمضان.. يجب أن تخفض الأسعار.. هناك فقراء كثيرون لا يستطيعون تأمين حتى حاجياتهم اليومية، فكيف بسواها، عليكم أن تُشعِروا من حولكم أن هذا الشهر شهر فضيل بنوعيته، وليس عبر التلاعب بالأسعار، أو إلهاء الناس والدفع بهم إلى الفساد أكثر وأكثر ..
المستشار: بالتأكيد .. بالتأكيد.. هذا فرمان سوف يجري تعميمه ..

" المشهد الثالث "

" الوالي وزوجته "
الوالي" غاضباً ": أي مصيبة جلبتها علي وأنت تفتحين باب القصر لكل من هب ودب ؟
الزوجة: وهل أردُّهم؟ إنهم يأتون لنا بهدايا، عبارة عن تهنئة لك بالذات بمناسبة تنصيبك والياً على المدينة؟
الوالي " مستمراً في غضبه ": وهل كانوا يأتون بها لولا هذا المنصب؟ هل حسبتها إلى الآخر؟ ماذا وراء كل هذا الذي تسمينه بالهدية وغيرها ؟
الزوجة" وهي تظهِر ابتسامة مصطنعة ": هكذا كان الوالي الذي قبلك، وهكذا تصرفت زوجته، ماذا يحصل لو أنني أوصدت الباب في وجوههم ؟
الوالي" بنبرة غضب، وهو يوجه سبابته إليها " اسمعي يا امرأة، لقد أقسمت بيني وبين نفسي، أنني لا آخذ لقاء عملي سوى ما خصصه مولانا السلطان لي؟ وأي عار سيلحق بي، إذا حنثت بقسمي، وكيف سأواجه ربي، إذا سمحت للفساد أن يستفحل أمام سمعي وبصري؟
الزوجة" وهي تحتد ": وأنا أقولها لمصلحتك.. أتظن أنك ستفلح بطريقتك هذه ؟
الوالي: لا يهم.. ما يهم، هو أن أقوم بواجبي، وأحمي الناس من شرور الفساد وفِتنه.

" المشهد الرابع "

"مستشار الوالي، شهبندر التجار، المحتسب، والدفتر دار "
شهبندر التجار: سوف نتعرض لكارثة يا جناب المستشار ..
الدفترار دار: تصورْ أنه أصدر أمراً بعدم إقامة حفلات في الهواء الطلق بعد الإفطار ورؤية الإماء الجميلات معروضات هنا وهناك، والسماح للناس بممارسة هواياتهم والترويح عن أنفسهم، بزعم أن هناك خلاعة، وهذه لا تجوز، وخاصة في شهر رمضان ..
المحتسب: لقد لاحظت ذلك. إننا جميعاً خاضعون لمراقبته، فما العمل ؟
مستشار الوالي: لقد أخبرتُه أن ذلك بمثابة عُرْف اعتدناه منذ عقود طويلة، وأن ولاة كثيرين ممن كانوا قبلك، كانوا أمناء على هذا العرف، والأكثر من ذلك أعلمته أن الذين تشير إليهم بالفقراء، حين سمعوا بذلك، كانوا أول المحتجين، لأن أغلبهم رأوا أنهم بقدر ما يجهدون أنفسهم، ينالون ثواباً، وما يرونه من مظاهر لهو ومتع في حفلات ما بعد الإفطار، عبارة عن مكافئات مقدَّمة لهم ويستحقونها، فهم يعتبرونها تذكيراً بالمتع الكبرى في الجنة التي تنتظرهم.
المحتسب: هناك بلبلة في المدينة، وقد وضعتُ الوالي في صورة الجاري، وهو يشدد على ضرورة تنفيذ التعليمات بحذافيرها .
مستشار الوالي: حاولت مراراً أن ألفت نظره إلى أنه من الصعب أو المستحيل تغيير ما اعتاده الناس، حتى لو من أجل مصلحتهم، وقد ترسّخ كل ذلك في نفوسهم دون جدوى.
الدفتردار: لقد توقف تدفق الأموال التي كانت ترد إلى بيت المال في هذا الشهر بالذات، كما أننا نحن أنفسنا أصبحنا في وضع " حيص بيص ".
المحتسب: إنه حازم، ودقيق، ومؤمن ، كما أنه مخلص للسلطان، ومولانا السلطان يقدّره لخدماته الكثيرة، ولكن ذلك لا يعني أن ينسف قناعات الناس بالذات ..

" المشهد الخامس "

" الوالي ومستشاره "
الوالي: هناك لغط كبير في المدينة يا مستشار، ألم تضعوا حداً لما يجري؟
المستشار: هو ما أشرتَ إليه سعادتكم، ولكن الدفع بالناس لئن يغيروا ما في نفوسهم، يتطلب ليس وقتاً فحسب، وإنما الكثير من الصبر والتضحيات وتوقع ما لا يحمَد عقباه.
الوالي" وهو يضيّق زاوية عينيه ": ماذا تقصد بالتضحيات يا مستشار ؟
المستشار:هي أنكم بإجرائكم هذا سعادة الوالي، تفتحون جبهات معهم، ليس لأن الذي تريدون تحقيقه في غير محله، وإنما لأن هؤلاء الناس، وقد اعتادوا حياة كالتي ترونها سعادتكم، يرون أن إجراءكم هذا يهددهم حتى في إيمانهم بالذات، عدا عن ذلك يواجههم بفقرهم أنفسهم، والنتيجة لن تكون لمصلحة المدينة بالذات..
الوالي: وكيف أُبعدهم عن إيمانهم ؟
المستشار: هناك أخطر من ذلك يا سعادة الوالي!
الوالي: قلها سريعاً يا مستشار، فأنا أحب الصراحة ولو على نفسي.
المستشار: إنهم يقولون... يقولون.. يقولون أن ما يقوم به الوالي" وأنقلها إليك سعادة الوالي، وناقل الكفر ليس بكافر " عبارة عن بدعة.. وسعادتهم تعلمون ما تعنيه هذه !
الوالي: كيف لهم أن يكونوا خصوماً لما يكون في مصلحتهم، ومن أجلهم ؟
المستشار" متردداً ": ثمة ما هو أخطر من ذلك، يا سعادة الوالي..
الوالي" وقد اتسعت عيناه ": ما هذا الأخطر الذي تعلم به ولا أحاط به علماً ؟
المستشار: لأنني على احتكاك مباشر بكل مفاصل الحركة في المدينة..هناك من أوصلوا شكاوى بهذا الصدد إلى مولانا السلطان..
الوالي" وهو ينظر يميناً وشمالاً " : أإلى هذه الدرجة يصبح الفساد منشوداً ؟ يا للعار !

" المشهد السادس "

" مستشار الوالي، شهبندر التجار، المحتسب "
المستشار: ما آخر الأخبار يا شهبندر التجار ؟
شهبندر التجار: لقد وصلت هدايا كثيرة إلى قصر مولانا السلطان الأعظم ..
المستشار: ثم ماذا ؟
شهبندر التجار: وهناك من أعلموا مولانا السلطان بصورة الوضع تماماً.
المحتسب: نِعم التصرف ! ولا علم لنا بما سيحصل.
شهبدر التجار:ماذا تتوقع أن يحصل ؟
المحتسب: مولانا السلطان الأعظم معروف بحزمه وقدرته على رؤية الأمور عن بعد..هناك ما يصعب التنبؤ به: إذا عزله سيكون ذلك تعبيراً عن الاستجابة لحمَلة الشكاوى، وهذا ربما يظهر ضعفاً فيه، وإذا أبقى الوالي في منصبه، فربما كان ذلك مدعاة لأن يتمادى في المستقبل، وربما يكون هناك لا هذا ولا ذاك بفطنته ومكره، كما عهدناه في غيره .
شهبندر التجار: لا بد أن مولانا السلطان الأعظم يعرف الأصلح، وهو ما ننتظره منه.
المستشار: لقد حاولت لفت نظره إلى أنه بتصرفه هذا يسير عكس التيار.. وهو بذلك لن ينال رضى مولانا السلطان نفسه دون جدوى.
المحتسب: أن تؤمّن على الناس، وهو يرون ما يعيشونه حقيقة فعلية، وبدافع إيماني يشدهم دائماً إلى العالم الآخر، أفضل طريقة للتحكم بهم، والحفاظ على أمن المدينة وسلامتها.
شهبندر التجار: وعلينا من جهتنا ألا نقصّر في واجباتنا تجاه خدماتكم الجليلة، وهذا يكون لمصالحة البلاد بدءاً من مولانا السلطان الأعظم، وانتهاء بأصغر فرد من رعيته .

" المشهد السابع "
" السلطان في كامل أبهته ، والوالي بين يديه، ومفتي السلطان على يمينه، ومستشاره على يساره "

السلطان: بلغنا عنك أيها الوالي، أن هناك بلبلة في المدينة، أعلمنا بحقيقة ما يجري .
الوالي" مرفوع الرأس ": بما أنكم منحتموني ثقتكم مولانا السطان الأعظم، فأنا خادمكم المطيع في إحقاق الحق، الحيلولة دون خروج الناس عن جادة الصواب. هناك من لا يريدون ذلك، وإيماني بديني، وبدافع إخلاصي لكم مولانا، حدث ما حدث ..
السلطان" ملتفتاً إلى مفتيه ": ماذا تقول يا مفتينا ؟
المفتي: عفواً مولانا السلطان الأعظم . بما أنكم سمحتم لي بالكلام، سأتكلم.. إن مخالفة الأسلاف، والإتيان بما هو جديد على الناس، لا يعدو أن يكون محدثة، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار ، وما جرى دليل إيمان الناس القوي، فلا يجب علينا طعنهم في إيمانهم، وإقلاق راحتهم، وتعريض أمن البلاد للخطر.
السلطان" ملتفتاً إلى مستشاره ": وأنت ماذا تقول أيها المستشار ؟
المستشار: لا أضيف شيئاً إلى ما قاله مفتينا، وهو فقيه وعالم بأصول الشريعة وديننا الحنيف، وفي شهر رمضان المبارك بالذات، وأرى أن الوالي، وإن كان حريصاً على صلاح المدينة، ألا أنه بطريقته في التعامل، وفي وضع كهذا، يثير من المشاكل أكثر مما يحلها.
السلطان" موجهاً كلامه إلى الوالي ": لا يمكنني أن أتنكر لخدماتك المعتبرة أيها الوالي، في خدمة السلطنة، وحضرتنا..ولكن كان عليك أن تفكّر في الذي أردت القيام به، بمشورة من هم حولك، وبما أن الناس أنفسهم يريدون ذلك، فلماذا توجّههم بما يصدمهم ؟
الوالي: كل ذلك صحيح مولانا السلطان الأعظم، ولكن الذي قمت به كان بدافع إيماني وإخلاصي لديني ولجلالتكم بالذات .
السلطان: قائمة الشكاوى التي رفِعت ضدك كثيرة أيها الوالي .
الوالي:لن أزيد على ما أفصحت عنه لجلالتكم.
السلطان:إليك بالتالي أيها الوالي: إما أن ترجع وتتبع سيرة من كان قبلك، أو سيكون ما لا تتمناه، وأنت تعلم ماذا يعني ذلك؟
" يلتفت الوالي نصف التفاتة، وينظر إلى باب الديوان وكان مغلقاً، وإلى السلطان، وهو يركّز عليه بنظراته منتظراً جوابه، ويصمت "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى