إبراهيم محمود - القبضة " مشهد مسرحي "

" لوحة فوتوغرافية كبيرة معلّقة على عمود متصدع لأبنية متداعية وظلال أشباح تحيط بها "



" رجلان ستينيان أشعثا الشعر، وبوجهين مخطوفين: مخرج وكاتب مسرحي "



المخرج: لقد تأخرتَ عن موعدك كثيراً، والقلق قد استبد بي ، فأنا لم أعهدك هكذا..

الكاتب" هازاً رأسه، وكأنه دائخ ": وماالذي يشفع لأبقى كما تتصور؟

المخرج" محاولاً أن يضع راحة يده اليمنى على كتفه اليسرى للتهدئة": ليس إلى هذا الحد!

الكاتب" موجهاً إليه سبابته ": على عاتقك تقع مسئولية ما آل إليه أمرنا .

المخرج" بابتسامة خفيفة": ما فكرتُ يوماً إلا واعتبرتك شريكاً لي يا صاحبي .

الكاتب: هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم المداومين على مشاهدة مسرحياتنا، ألا ترى كيف يتعاملون معنا؟

المخرج: ذلك يزيدنا نشاطاً، وهم يلهموننا بأفكار وطرق إخراج غير مسبوقة، تبصرنا بطريقنا أكثر .

الكاتب: هذا في حال إذا دعونا وشأننا.

المخرج: هذه النبرة جديدة عليّ تماماً.

الكاتب: إنهم يريدون منا أن نضحكهم.. نضحكهم فقط. بماذا نضحكهم؟ كيف نضحكهم ونحن منذ زمان طويل لم نلمح ولو طيف ابتسامة في وجوههم، ألم تلاحظ ذلك؟ لا تقل لي أنك لم تنتبه إلى هذه النقطة، وأنت بينهم مثلي. أكثر من ذلك، ألم تسمع ما يتردد بلسانهم في هذا الجانب؟ إنهم يعتبروننا مسئولين عن ذلك.

المخرج: هدىء من روعك "وهو يلتقط أنفاسه "، وما مسئوليتنا في هذا الذي ذكرته؟ هل منعناهم من الضحك؟ وهل مفتاح الضحك في يدينا؟ ليضحكوا بطريقتهم، ومتى شاؤوا، وأينما أرادوا، هل يجب طلب الإذن منا ليضحكوا؟ هذا غريب غريب جداً، وفي هذا الذي يوترك دونما سبب ..

الكاتب" هازاً رأسه ": إنهم يريدون منا أن نضحكهم بالصيغة التي ينسون ضحكاتهم. الضحك الذي يشعِرهم أنهم يستطيعون النظر هنا وهناك، ويتنفسون بعمق .

المخرج:ولكننا لم ندّخر جهداً في هذا المجال .

الكاتب: إنهم يريدون جديداً، وكأن المطلوب منا أن نؤمّن لهم ما يشتهون وما افتقدوه . يا لهم من غريبي الأطوار، من غرس أوهاماً كهذه في نفوسهم؟ ليضحكوا إذا كان لديهم القابلية في الضحك تجاه ما يعيشونه.

المخرج: هنا يكون المشكل، ويبدأ المشكل .

الكاتب: وهو..

المخرج: إنهم يراهنون علينا، ومن منطلق الثقة بنا، وبمعاييرهم بالتأكيد..

الكاتب: يا لها من نكتة سخيفة، سخيفة بالفعل! ومنذ متى منحونا آذاناً صاغية؟ منذ متى تجاوبوا معنا؟ إنهم يريدون منا أن نضحكهم.. هكذا فقط، أن نضحكهم ، ليس الضحك الذي يمكّنهم من رؤية الأشياء كما هي، إنما الضحك الذي يضحك ولا يتعدى حدود مجرد الضحك .

المخرج: بدأتَ تفلسف الأمور..

الكاتب: هم من يجعلوننا هكذا يا صاحبي..لا يمكننا أن نزيل تلك الغشاوات عن أعينهم، وقد سدّوها من الداخل، وكما يتطلب الأمر..

المخرج: والحل..الحل الحل..

الكاتب: الحل: هو أن أنسى أنني كنت كاتباً، وكاتب مسرحيات ذات يوم، وأنا وسط أكف تصفّق، على ما لا يمكن التصفيق عليه، التصفيق أكثر من الكلام ومن النظر، أنسى أنني كنت أتنفس الكتابة، وثمة روح تواكبني..سألازم بيتي.. أنا أستسلم .

المخرج: هممم.. يا لسذاجتك" ثم بعد صمت ، وبنبرة أعلى " أو تعتقد أنهم سيتركونك وكأن شيئاً لم يكن؟

الكاتب" وقد اتسعت عيناه ": وماذا يمكنهم أن يفعلوا ؟

المخرج: غريب أمرك يا أخي.. كأنك لم تعش واقعاً، لم تعش بينهم، لم تنظر في أمورهم: كيف يأكلون ويشربون، كيف يتثائبون، كيف يتكلمون ، كيف يعملون، كيف ينامون ويستيقظون، ويقضون أوقاتهم..

الكاتب: وآخر هذا الكلام ؟

المخرج: نحن الآن في قبضتهم..هكذا، وبالحرف الواحد..إنهم... إنهم لا يرون سوانا ، حتى وإن كنا نضحكهم قليلاً، أو نثير ضحكاتهم، أو وهم يصفقون لنا..لأننا كنا الجهة الواحدة التي يمكنهم التواجد فيها، لقد أدمنوا علينا.. نعم، أصبحنا" أنا وأنت ،وطوال هذا العمر المديد، وهمهم الذي به يشعرون بوجودهم، وربما وسيلتهم ليشعروا أن هناك عالماً من حولهم، مهما كان نوعه..تصور في الحالة هذه، في أي موقف سنكون، ولا يُحسد عليه ..

الكاتب: لقد أصبحتَ واعظاً.

المخرج: وفي هذه أعاتبك العتاب الذي يناسبك تماماً ، لا بل وأنتقدك..الواعظ كما ترى، هنا وهناك أصبح البوصلة النفسية والفكرية لهم، كأنك لم تهتم بمتغيرات الأحداث فيما بيننا ووسائطنا المزعومة....

الكاتب:هل سيحاكموننا، كما تقول؟

المخرج: الجميع سيصبح ضدنا.

الكاتب: هناك ما تخفيه عني..ماذا دهاك؟

المخرج: لا شيء سوى ما سمّيته لك..لقد دخلنا حمّامهم يا صديقي.. وخروجنا منه ليس كما نرغب..لا أسهل من أن يلبسّونا أكثر من تهمة.. ولا أسهل من أن ينقلبوا علينا، وهناك من يديرون اللعبة ..

الكاتب: لقد شططتَ كثيراً..

المخرج: نحن في العراء .. اسمعها جيداً..إذ بما أننا حاولنا إشغالهم بما لدينا، بأن المسرح يسمح لنا بالتفاعل مع محيطنا، والتكيف مع الحياة، ورؤية بعضنا بعضاً أكثر، وتجاوبوا معنا تالياً، ليس لأنهم صدقوا ما أردنا قوله وتفعيل أثره. هل اعتقدت يوماً أنه في هذه البلاد يمكن الحديث عن مسرح، مسرح فعلي في مجتمع يتكتم على أخطائه، وعلى أسراره، وينبش في أسرار غيره وتضخيمه؟ صدقوا تلك الصورة التي تشكلت وهم يتابعوننا، ليزدادوا تكتماً على ما لديهم، ويضحكون ضحك سخرية مما نقول ونفعل..

الكاتب: تجعلني أكثر إلحاحاً على ما أريد القيام به ..

المخرج: كما قلت لك، حتى أنا بالذات سأحاول منعك مما تنحو نحوه.

الكاتب" بنبرة عصبية ": أهذا تهديد؟

المخرج: وكيف أهدد من أرى مصيري وإياه واحداً..ثق تماماً.. ما أقوله لك هو ما تلمسته فيهم، خصوصاً وأنه قد مضى بعض وقت لافت، لم نقدّم أي عرض لهم.. ذلك يثير الريبة في نفوسهم .

الكاتب:أهذا ما علّمتك تجربتك المسرحية ؟

المخرج: بل تجربتي الحياتي مع من لم يتحرروا من قبضة واقعهم المزري، ومن أوهامهم .

الكاتب: إنك تخيفني بمنطقك هذا..

المخرج: التجارب الحياتية تعلّم.:. تصور كيف يمكن في أقل من دقيقة، أن تتشكل صورة عنا خلاف ما نحن عليه.

الكاتب: يعني..

المخرج: هناك حلان..

الكاتب: وهما..

المخرج: إمّا أن نلازم بيوتنا..حينها توّقع النهاية الوخيمة لنا معاً. أو نستمر في تقديم ما اعتدناه..سنحاول إضحاكهم قدْر ما نستطيع.. إنما في قرارة أنفسنا سيكونون مصدر ضحكنا.. هكذا يمكن الاستمرار...ولا بد أن يأتي أحدهم، ذات يوم، وهو يتحرى حقيقة ما يجري، لينصفنا في الذي اخترنا وعشناه حتى النهاية .

" يتبادلان النظرات وفي وجهيهما علامات الحيرة والقلق "

" النهاية "





تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى