إبراهيم محمود - صلعة برناردشو "مشهد مسرحي"

" لقاء صحفي يجمع بين كل من برناردشو المتقدم في العمر، وصحفي ذي اهتمامات مسرحية "
الصحفي: شرفٌ كبير لي أن ألتقي بأحد أعظم كتاب القرن، وفي انكلترا بالذات .
برناردشو: شكراً، وجميل أن تعرّف بي هكذا. إنما الأفضل هو أن تضع تعريفاً كهذا جانباً .
الصحفي: لكن ذلك حقك.
برناردشو: وما أدراك بحقي؟
الصحفي: سيرة حياتك الفكرية والأدبية شاهدة هنا!
برناردشو: وأنا أعرف حقي أكثر من غيري، ليكن التعريف هكذا: برناردشو الكاتب فقط.
الصحفي: بالطريقة هذه، ربما يعتبر المتابع أن هذا يثير حفيظته،وما في ذلك من قلة تقدير من جهة محاوِرك، باعتباره قليل الذوق!
برناردشو: وهذه نقطة أخرى. انطلق خارج القوالب، ذلك يكسبك سمعة حسنة، ولو بعد تأخير.
الصحفي: كأنكم تشيرون بذلك إلى جانب من مسيرتكم الحياتية في الكتابة ؟
برناردشو: وهذه نقطة ثالثة. نادني بـ" أنت " لا " أنتم " فلستُ جمعاً هنا، إنما أنا فرد وللفرد شخصيته التي تعنيه وفي مجال الكتابة، ليكون مختلفاً بها.
الصحفي" ببعض مبتسمة، وثمة إحراج يرتسم في ملامح وجهه": يبدو أن هناك نقاطاً كثيرة في الانتظار..
برناردشو: دعك من كل ذلك، لتعيش عفويتك، وتكون لك شخصيتك. انطلق بأفكارك لتبني نفسك .
الصحفي: حسنٌ إذاً. هناك من يشير إليك هكذا" برناردشو الأصلع " لتكون معروفاً مباشرة !
برناردشو" مبتسماً": يا لغباء هؤلاء.. وأنت كيف تنظر إلى رأسي؟
الصحفي: إذا قلتُ ذلك؟
برناردشو:كيف تراني أنت؟
الصحفي: طبعاً هناك صلعة.. صلعة رأس، نعم. هذه بداهة !
برناردشو" بجدّية،وهو يحرك يده اليمنى، ومن خلال سبابته ": أنت تراني أصلع ، أليس كذلك؟
الصحفي: هو كذلك!
برناردشو: يا لوهمك ووهم من أشرت إليهم" ثم مشيراً إلى لبدة شَعره من الخلف ": وهذه ماذا تسمّيها؟
الصحفي" مبتسماً ": إنها شعر بالتأكيد.
برناردشو: وأين هو هذا الشعر؟
الصحفي" ماضياً في ابتسامته ": على الرأس طبعاً.
برناردشو:إذاً هل أنا أصلع ؟
الصحفي" بعد صمت ": هكذا تجري العادة.
برناردشو: إنها مصيبة كبيرة. فيما لو فكرنا فيها، لرأينا مفارقات كثيرة جداً" يلتقط أنفاسه قليلاً" لماذا لا تتحدث عن رأس برناردشو؟ هناك أشياء كثيرة يُنظَر إليها، ويتم التعامل معها هكذا: نقطة سوداء على صفحة بيضاء، تحيل الصفحة كلها إليها. غلطة معينة من أحدهم أحياناً تعرضه لطعن هذا وذاك، موقف ما، قد يكون عادياً، يسيء إلى كامل سمعته. أرأيت.. أرأيت كم هو النظر مخادع، ومنه ما يستند إليه في العلاقة بين هذا وذاك؟!
الصحفي: ألم تعط الموضوع أكثر من حجمه ؟
برناردشو: وفي هذه أيضاً، ما تؤاخَذ عليه، أين الخطأ في هذا؟
الصحفي:لم يكن ما قلتُه إلا عرَضاً.
برناردشو: ليس هناك ما هو عرَضي في الحياة. من وجهة نظرك أو نظري، يمكن أن يكون ذلك، ولكن ماذا عن الآخر، وهو يتلقى ذلك بجدّية، كما في الأمثلة التي ذكرناها؟ ماذا عن قراءة صفحة كاملة، وأنت تستمتع بها، ومن خلال عبارة معينة، ترفضها جملة وتفصيلاً، فقط لأنها لا تعجبك ؟
الصحفي: قد تكون العبارة مؤثرة !
برناردشو: إنما لا تعطيها أكثر من حجمها أليس كذلك.
الصحفي: لا أحد يستطيع مجاراتك، أنت ساخر حتى في حواراتك ومقابلاتك و..
برناردشو" رافعاً يده، مقاطعاً إياه ": من أين جئت بعبارة " ساخر "؟
الصحفي: إنها نصوصك وفي مسرحياتك خاصة!
برناردشو: لست كذلك.. لست كذلك.. أنت جدّي تماماً. وسخريتي لها صلة بالحياة التي أراها وأعيشها. وعلى المرء أن ينطلق منها، ويسمّي مفارقاتها، ففي هذه تبيض السخرية وتفرخ ..
الصحفي" مبتسماً ": ها أنتذا بدأت تسخر..
برناردشو: يا لهذه العادة المغروسة في النفوس، التي أدمنت وتدمن ما يريحها وليس ما هي عليه الحياة.
الصحفي: ولكن السخرية حقيقة حياتية، أليس كذلك؟
برناردشو: ليس لأن أُضحِك، في سخريتي ما هو أبعد منها ظاهراً، إنما لألفت النظر إلى ما هو مأساوي في الحياة، إلى ما يقوله أحدهم عن نفسه متباهياً بها، وهو في علاقاته الفعلية ليس كذلك.
الصحفي:إذاً، لا يجب أن أقول عن أنك كاتب أصلع؟
برناردشو" مبتسماً " : تدفع بي لأن أسخر منك، وكل من يفكر على طريقتك..أثَرنا نقاطاً كثيرة، وأنت ترجع بنا إلى نقطة ما كان عليك الرجوع إليها. عليك أن تبني نفسك ومعها أفكارك بتسلسل منطقي .
الصحفي" ببعض حماس ": أو تعتقد أنك تصرفت في حياتك هكذا؟
برناردشو:حياتي كانت منعطفات، وهي تترجم أفكاري وأي تغير طرأ عليها في كتاباتي.
الصحفي: هناك فراغ لم يُسَد بعد..
برناردشو: الفراغات دائماً موجودة، وهي تعلّمنا كيف ننظر إلى بعضنا بعضنا، وكيف نقرأ لبعضنا بعضاً، وكيف نمارس النقد في بعضنا بعضاً. أما إذا أصررت على أنني كاتب أصلع، يعني هذا أنك في المسار الخاطىء للحياة .
الصحفي: وكيف يمكن الحديث عن السخرية في كتاباتك ومواقفك؟
برناردشو: ذلك يتوقف على قابلية القراءة لديك، ولدى غيرك، وعدم الفصل بين كتاب وآخر، جملة وأخرى. القول بالسخرية وحدها، إنقاص من طبيعة الكتابة. هناك تلازم بين جانبين. علينا مراعاة ذلك. في كل منا كائن سخرية، وكائن مأساة. الضحك والبكاء متلازمان في داخلنا..الفطين هو من يقرأهما معاً.
الصحفي" بابتسامة عابرة": كما الحال في النظر إلى رأسك وكيف يكون في ظاهره ؟
برناردشو: تماماً، ودون التوقف عند المرئي فيه، لأن ذلك يوقع بك في فخ وهْمك البصري. فرأس برناردشو من الداخل لا صلة له بما هو مرئي خارجاً. وشيخوخة برناردشو لا يجب أن تكون بوصلة قراءة وتقويم لشخصية برناردشو، في الكتابة قبل كل شيء..عليكم" أنت وكل المعنيين بأمور لقاءات كهذه، وفي كتاباتكم، ألا تمارسوا خلطاً بين أشياء وأشياء، بين ظاهرها وباطنها"... الاحتراس واجب.
الصحفي: هل هناك موقف لم يمنحك الراحة في حياتك؟
برناردشو: لا أكثر من المواقف التي سلبت مني راحتي النفسية، لبعض الوقت. ولعل آخرها حتى الآن، هذا الموقف الذي جمعني بك. هل سلبتك راحتَك هنا؟
الصحفي: علي أن أفكّر جيداً..
برناردشو" مبتسماً ": ربما تحققَ هنا نوع من التعادل.. لنتوقف هنا..
" النهاية "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى