( خشبة المسرح عارية من كل شيء ، سوى من ضوء خافت قليلاً، وموسيقى لها طابع جنائزي)
" المشهد الأول "
( شخصان جالسان متقدمان في العمر بزاوية مائلة مقابل النظّارة ، وهما بلباسهما العادي، حيث الموسقى يخفت صوتها أكثر )
الأول: هاقد التقينا ثانية!
الثاني: لماذا لا تقلْها عاشرة وأكثر؟ أتذكر عدد المرات التي التقينا فيها معاً بهذا الشأن؟
الأول: أقصد بالثانية، أكثر من مجرد ثانية، كما نقول في اللغة المحكية، وليس بالمفهوم العددي حصرياً.
الثاني: أحياناً يحتاج أحدنا إلى إيضاح الفكرة، لأنها لا تقتصر عليه وحده.
الأول: قد أوافقك هنا، ورغم ذلك، لا يجب على المرء في الحالة هذه أن يقول دائماً ما يعتبره الفكرة المطلوبُ توضيحها، لأن الآخر يريدها أو ينتظرها هكذا، وكأنه يستهين به.
الثاني:وأنا أصرٌّ على رأيي.
الأول: لا بأس.. لا بأس ، ها نحن نلتقي مجدداً.
الثاني : ليكون ذلك مفهوماً أكثر .
الأول: حسنٌ، قلنا سنبدأ من هنا، وفي خضم الأحداث الجارية، ليس هناك ما هو أكثر من الموضوعات التي يمكن إثارتها.
الثاني: مع عدم نسيان أننا في وضع يشترط علينا مراعاته في خصوصيته.
الأول" هازاً رأسه ": أنا معك .
الثاني: هات ما لديك !
الأول: من أين نبدأ؟ ( وهو ينظر إلى النظارة ) لا بد أنهم ينتظروننا!
الثاني: ونحن لم نسمّ عرضنا المسرحي بعد.
الأول: لا بد من إثارة معينة بالتأكيد .
الثاني: أسمَعْني ما يمكن أن يكون مثيراً.
الأول: يقول أرسطو...
الثاني: سحقاً لأرسطو..لنخرج من زمان أرسطو ومكانه .
الأول" مبتسماً ": ولكنه أرسطو، وعلينا ألا نقلل من مكانته ..
الثاني: هناك أسماء أخرى أكثر إثارة، أكثر قرباً منا، طالما أنك تتحدث عن المثير..
الأول: حسن، يقول شكسبير..
الثاني: حتى شكسبير نفسه، رغم عظمته، لكن لنقترب أكثر..ودعك من الاقتباسات..
الأول: أتعتقد أن الاقتراب هو الاستشهاد بمن يعاصرنا؟
الثاني" هازاً رأسه " ليس هذا ما قصدت، وإنما لوجود ما يشركنا به معه أكثر.
صوت من النظارة" مقاطعاً إياهما ": حتى الآن لا نعرف ماذا يجري..لماذا جئتما بنا، ومن أنتما، لنعرف كيف نركّز ونميّز؟
الأول: أرأيت؟ إنه محق!
الثاني: إذاً لنبدأ!
الأول: لقد بدأنا من لحظة توجيه الدعوة إلى حضور عرضنا المسرحي.
الثاني" ضاحكاً بصوت منخفض ": يا لك من خبيث .
الأول: أنا مؤلف النص المسرحي وزميلي الذي هو مقابلي يكون المخرج .
" وهما يقفان لينحنيا للجمهور "
المؤلف: نرحب بكم كامل الترحيب في عرضنا المسرحي هذا..
صوت من النظارة: أي عرْض؟ أنتما لم تذكرا عنوانه..
المخرج: أنت محق، نحن دائماً نعيش حالة التمثيل، وقد اتفقنا على أن نقدّم ما هو مختلف، ومعكم أنتم بالذات، وثقتنا كبيرة بكم، في أن لديكم ما يغْني ما نستعد له.
صوت من النظارة: إذاً وما فائدتكما هنا؟
المخرج: نحن مجرد صلة وصل بينكم وبين ما يشغلكم ونحن من بينكم.
صوت آخر من النظارة: لا بد أن هناك ما يثير كما فهمتُ الآن..
المؤلف: أرأيتَ.. أرأيت ؟
المخرج: رأيتُ رأيت ..
الأول:حسن، لا بد أن نسمّي موضوعنا ليكون له العنوان المناسب .
المخرج" موجهاً يده إليه " : هات ما لديك، فأنت المؤلف..
المؤلف:كونك خبيراً، لماذا لا تبادر أنت في اختيار العنوان ؟
المخرج: لعلّي لم أتهيأ تماماً لمثل هذا الموضوع، أنت المعنيّ هنا .
المؤلف:ورغم ذلك، فأنا على قناعة أنه في عالم اليوم، وبالنسبة للمخرج، الذي قد يكون هو نفسه مؤلفاً، لديه من الأفكار، ما يبز به أي مؤلف من خلال تجاربه الحياتية أحياناً.
المخرج: كما قلتُ، أترك الموضوع لك.
صوت من النظارة" بصوت مرتفع " خلصونا.. مضى الكثير من الوقت.. لا يمكننا الانتظار كما تريدان ..
المؤلف: معك حق" ثم متوجهاً إلى مقابله ": ليكون العرض متعلقاً بموضوع حياتي ساخن..
المخرج: وهل هناك ما ليس ساخناً في حياتنا، وراهناً أكثر؟
المؤلف: ليكن الموضوع متمحوراً حول الموت !
المخرج" بسخرية لافتة":يرضى عليك..دعك من الموت.. لنتحرر من كابوس الموت الذي نعيشه هنا وهناك ..
المؤلف: أرأيتَ، أنت لم تستوعب ما أرمي إليه.
المخرج:وماذا تقصد بذلك؟
المؤلف: الموت الذي نعيشه داخلنا ونحن أحياء، وليس الموت المعهود ..
المخرج: من أين نبدأ، وكيف؟
المؤلف: لنترك المجال مفتوحاً للنظارة.. فربما لديهم ما يتجاوز حدود ما خططنا له مبدئياً.
صوت من النظارة: ستبدأ البلبلة.. إذا أراد كل واحد أن يعبّر عن فكرة تشغله، فعلينا الاستمرار لساعات وهذا ليس مسرحاً كما تعرفان .
المخرج" مخاطباً مقابله "لا يمكننا إلزامهم بما نريد..لقد اعتادوا على ذلك ..
المؤلف: كما قلت، موضوع الموت بالطريقة التي أشرت إليها. إنه موضوع يمكن أن ننتظر فيه مفاجآت لا نتوقعها.
المخرج: إنما انتبه..لا تخطط كما تريد.. احسب لي حساباً دائماً، ومن ينتظروننا كذلك.
المؤلف" هازاً رأسه علامة الموافقة ، وهما يخرجان، مع عودة صوت الموسيقى الجنائزية هادئاً قليلاً "
" المشهد الثاني "
( وهما نفساهما، كما هما بهيئتهما، إنما يتوقفان في منتصف المسرح )
المؤلف: لأنني المؤلف، أو كاتب النص، كما يقال، اتفقنا وبعد تداولات، على أن أن يكون العنوان هو " الاحتجاز "..
صوت من النظارة" بصوت مرتفع وفيه نبرة انفعال": ولماذا الاحتجاز؟
المخرج: لا بأس.. لا بأس..الاحتجاز بالمعنى الواسع، فهناك أشياء كثيرة نعيشها ونتفاعل معها، وكأننا محتجزون داخلها.. محتجزون داخل فكرة، أو حالة، أو واقعة معينة..
المؤلف: ذلك يجعل الموضوع واسعاً ومثيراً لنا جميعاً.
المخرج" متوجهاً إلى النظارة" لا بد أن كلاً منكم الآن يفكر بينه وبين نفسه في الذي جعلناه عنواناً لعرضنا المسرحي المشترك..نعم، فأنتم شركاؤنا فيه، وليس لدينا دور استثنائي لنقدّم كلَّ ما نعتبره مطلوباً كما نريد .
صوت من النظارة: صرنا نشعر بالملل.. فحتى الآن لم نر شيئاً..
صوت آخر : لا بد أنهما يقولان على أن العرض المسرحي بدأ مذ ولدنا" وهو يضحك "
صوت آخر" يضحك مثله " هذا صحيح تماماً، وهذا استخفاف وحتى قرف ..
المؤلف: نعم، من لحظة ولادتنا نعيش فكرة الموت، ونحن أحياء، وخاصة الآن.
المخرج: ذلك صحيح، وأنا أضيف: ومن منا لا تشغله فكرة الموت راهناً؟ أعني وهو ينظر ويسمع ما يجري حوله.. أهو الموت، أم التفكير في الحياة، وماذا حل فيها؟
المؤلف: وهذا ما نريد طرحه بصورة أفضل قدر ما نستطيع و..
" يدخل أربعة أشخاص ملثمون، وهم يحملون أسلحة مصوبة إلى كل من المؤلف والمخرج، ومن ثم بحركة سريعة إلى النظارة "
أحد المسلحين: إياكم والقيام بأي حركة، أنتم محتجزون.
" صياح في القاعة، وتململ "
المؤلف: " وهو يرتجف لمرأى المسلحين ": مهـ..مهلاً مهلاً..
المخرج: هدوء.. هدوء..
أحد المسلحين: أي حركة من أي كان، ستكون عاقبتها وخيمة. " ثم يتوجه إلى كل من المؤلف والمخرج " حتى أنتما أيضاً إياكما بأي حركة عنترية.. نحن لا نمزح.
" صمت يخيّم على القاعة "
المؤلف" بصوت مرتعش ": إنما مهـ..مهلاً..
المخرج: أرأيت ما جرى ..
أحد المسلحين: احذرا من القيام بأي حركة جانبية . حتى أنتما محتجزان..ونحن من يقرر متى ندعكم وشأنكم جميعاً .
المخرج: مواجهاً المؤلف " : فصّلها إذاً.
المؤلف" محاولاً ضبط نفسه ": لا بد أن خطأ ما قد حصل..
أحد المسلحين" مهدداً إياه ":لقد حذرناكم ، أنتم.. أنتم جميعاً محتجزون إلى إشعار آخر ..
" يخرج المسلحون ثم المؤلف والمخرج في أعقابهم، وصوت الموسيقى الجنائزية صاخب قليلاً "
" المشهد الثالث "
( يدخل المؤلف والمخرج )
المؤلف: نبلّغكم أن ما جرى كان فصلاً من عرضنا المسرحي.. يمكنكم أن تلزموا أماكنكم بهدوء.
أحد النظارة: هذا غير ممكن.. إنها جريمة.. جريمة كاملة تحاسَبان عليها.
المؤلف: كما قلنا منذ البداية، أن ما سنقوم به هو عرض مسرحي.
أحد النظارة: ولكن ليس بالطريقة هذه .
المخرج: نعم، كان علينا أن نكون أكثر دقة في اختيار الموضوع والتمهيد له..
المؤلف: ولكن الفكرة تنبع من هنا.. فنحن جميعاً نمثّل في حياتنا، وما يجري في أكثر الحالات صخباً وعنفاً، لا يبتعد عن كونه مسرحاً حقيقياً..
المخرج: لقد جعلتنا في متاهة، و..
المؤلف" وهو يوجه يديه إلى النظارة، ثم إلى المخرج ": أرأيتَ، أرأيت، كيف خافوا.. ونحن في أول العرض المسرحي..؟ فكيف يعيشون الحياة في الواقع؟ و..
المخرج" مقاطعاً إياه بإشارة من يده ": رويدك.. رويدك يا صاحبي..لقد ذهبتَ بعيداً.. أنت تقلل ممن تراهم أمامك وهم النظارة، كما وصفتهم..
المؤلف: ولا زلت أؤكد..
المخرج" بابتسامة سخرية" سبحان الله..هل فكرت في نفسك، لو كان هناك مصور حي، ورجع بنا إلى لحظة دخول المسلحين، وكيف ارتعدت فرائصك أنت قبل أي كان ..
المؤلف: كنت أمثلُ.. وأنت نفسك أيضاً كنت ترتجف ..
المخرج: لا تبرىء نفسك مما جرى، لا أخفيك أنني أرتعب لمرأى السلاح ، لمرأى أي مسلح..
" أصوات من القاعة "
صوت" بنبرة حادة ": يا لكما من متجاهلين لحقيقة ما يجري.. أإلهذه الدرجة تستهينون بنا، وبما يجري..؟
صوت آخر: نعم.. نعم ..
صوت ثالث: هذا صحيح.. هذا صحيح ..
الصوت الأول:كأنكما لستما من الواقع" ثم مركّزاً على المؤلف " وأنت بالذات يا حضرة المؤلف، لا تستطيع أن تقنعنا أنك لم تخف.. بالعكس.. رأيناك وأنت ترتجف..فحسبناها حقيقة..أنت المسئول الأول عما جرى، وبعدها زميلك المخرج .. ثم هناك ما هو مهم ويخصنا جميعاً، وهو: لماذا لا نخاف؟ لماذا لا نخاف حيث يكون الموت دائماً أمامنا وخلفنا، وفي جلوسنا وقيامنا؟" وهو يلتقط أنفاسه ":نحن جميعاً محتجزون من لحظة ولادتنا.. وعليكما أن تعلما بذلك..ولدْنا ورأينا العالم من حولنا، وكان ولا يزال هناك المسلحون أنّى اتجهنا..فكيف لا نخاف على حياتنا وحياة أهلنا وصغارنا..نحن محتجزون حقاً، لكن ليس كما تذهبان إليه... محتجزون حيث نعيش، حيث نأكل ونشرب، نتحدث ونفكّر، ونحن في بيوتنا وخارجها، وحتى عندما نموت بطريقة قاهرة..وكيف لا يتملكنا الخوف على حياتنا، ولا نشعر أننا رهن الموت.. والمسلحون يحيطون بنا، بسلاحهم الحي، أو حيث يحمل أحدهم سلاحه بلباسه المموه أو المدني، كما يقال، يتواجدون بيننا ويحيطون بنا أكثر ممن يكونون على الحدود أو الجبهة..؟!
صوت آخر: والله هذا صحيح..وعندما نصرخ من الخوف، أو نشعر به، وفي مثل هذه الحالة، فلسنا ملومين، إنما لنا الحق في ذلك، وخاصة خوفنا على أطفالنا..والأكثر من ذلك، ما الضمان على أن هذا الذي يحمل السلاح، يمثّل؟ كم مرة، رأينا أشخاصاً وهم يحملون أسلحة، وفجأة انقلبوا إلى قتلة، وهم يهددون من حولهم ، وينالون منهم كما يريدون..؟
المؤلف:لا بد أن هناك خطأ ما.
صوت من النظارة: إن وجد فهو خطأكم. خطأ المؤلف نفسه" وهو يشي إليه " وكأنك يا أستاذ لست منا، كأنك لست من هذا الواقع الذي تعيش فيه.. راجع نفسك .
" يخرجان، بصحبة صوت منخفض للموسيقى الجنائزية "
"المشهد الرابع "
( المؤلف والمخرج وهم يتقدمان من النظارة، وقد أصبحا على حافة خشبة المسرح )
المخرج:لقد عشنا مأساة.. كان عليك أن تحسبها جيداً.
المؤلف: أإلى هذه الدرجة كنتُ مغالياً في فكرتي؟
المخرج: انظر إلى الجمهور.. دقق في العيون وكيف تنظر إلينا، وإليك أنت بالذات..وأنت نفسك قبل أي كان..هلا فكرت بالذي جرى .؟
المؤلف: ألستَ شريكاً لي فيه؟
المخرج:شريكك بنسبة ما، ولست مشاركك بفكرتك كما تعتقد تماماً.. كان علينا في الحالة هذه النظر إلى من يشاهدوننا وكيف يتفاعلون معنا، وأن نكون أكثر وعياً للفكرة .
المؤلف: ولكنها فكرة لم تخل من إثارة ..
المخرج: قل من مغامرة كدنا نذهب ضحايا لها ، وفي المقدمة أنا وأنت ..لقد أثرنا في الجمهور ما يعيشونه، ونسينا أنفسنا، كأن الحياة لم تعلّمنا بعد ما علينا القيام به بصورة أكثر قرباً منها، وتفاعلاً معها .
المؤلف:وهل أذنبتُ بالذي تقدمت به ؟
المخرج: انظر ثانية إلى الجمهور.. وكيف ينظر إلينا، لم نراع مشاعره كما ينبغي..
المؤلف: أوليست مهمتنا تكمن في كيفية تفجيرها، كما رأينا بداية ؟
المخرج: ربما كان هناك نقص في الطريقة، ولا بد أن الأمر كذلك .
أحد النظارة: يلزمكما الكثير لتعيشا وتفكرا مثلنا
" ينظر كل من المؤلف والمخرج إليه، ثم وهما يمارسان مسحاً للوجوه في العتمة الخفيفة للقاعة، ثم ينظران في وجهيْ بعضهما بعضاً، وملؤهما قلق وتساؤل، وصوت الموسيقى الجنائزية يتصاعد"
" النهاية "