نجيب طلال - إشكالية الإخـــراج في مسرحية - نغـزة وآتاي –

مبدئيا عمل " نغـزة وآتاي" ذكرتنا بسرعة برق بالعديد من الأعمال التي كان فضاؤها العام وفضاء أحداثها " المقهى" وخاصة الأعمال العـربية هي التي ركزت على المقهى، بشكل مطلق: مثل"مقهى الشرق" – لعلي عقلة عرسان و"قهوة الشعب" لفرقة المركب الفلسطينية و"مقهى السلام" لمحمد بن قطاف و "المقهى الزجاجي" لسعد الله ونوس و"المقهى" للفرقة الوطنية للتمثيل العراقية، من توقيع "تحرير الأسدي"وهذا العمل شاهده العديد من المسرحيين المغاربة في مهرجان الهيئة العربية في دورته (السابعة /2015) واللائحة طويلة، طبعا لكل عرض ميزته ومنطلقاته ، ولذلك فالتشابه ليس في «المقهى» كديكور، بل في وظيفته الدرامية كفضاء مسرحي دالّ ، ولكن فما هـو الخـيط الرابط بينهم ؟
بكل بساطة ( المقهى) فضاء مغلق/مفتوح على المجتمع؛ باعتباره مكان يومي عادي، يتحول إلى مرآة للواقع المعاش وللواقع النفسي لرواد المقهى وزوارها. ولاسيما حينما تتقاطع فيه الشخصيات، لتتكشف فيه العلاقات، ومن ثمة تنعكس من خلالها قضايا المجتمع والإنسان والسلطة والذاكرة، لأن روّاده يمثلون شرائح وأصواتا متنوعة، وما يدور بينهم من حوار وصراع وسخرية ، ليكتشف" المتلقي/ الجمهور: ما هو أبعد من المكان نفسه.
فهذا الخيط هل يتخندق فيه عمل " نغـزة وآتاي" التي قدمته فرقة[ميشكال كاليدوسكوب] كتابة للفنان" صلاح الدين بنموسى" ودراماتورجيا" حسن هموش، والإشراف العام للمكافح قبل الفنان" الحسن النفالي"
طبيعي أن تكون الإجابة (ب): نعم ولا في آنٍ واحد. فالمقهى فضاء مفتوح يوميًا على نماذج بشرية وشرائح مجتمعية مختلفة، بالتأكيد هو مرآة لدينامية ولسلوك أفراده وتناقضاتهم. لذلك، فمن الطبيعي أن يتقاطع العـرض مع تجارب وأعمال مسرحية سابقة استثمرت هذا الفضاء بوصفه (ميكرومجتمع) وبالتالي ما يميز عرض" نغـزة وآتاي" هو التركيب الدرامي الذي منح للمقهى وظيفة تتجاوز اختيار الفضاء في حد ذاته، ليتم تحويله من مجرد ديكور اجتماعي إلى عنصر فاعل في إنتاج الصراع وتطوره. هنا فالمقهى التي تقدم لنا بدون اسم سوى أنها مقهى شعبي، سأسميها مقهى « أبَالعربي »نسبة لأسم صاحبها[ العـربي] ولهذا الاسم دلالة قـوية في سياق المعنى العام للعـرض(؟) حيث صاحب المقهى هنا لا يستقبل الصراع فقط، بل يساهم في صناعته وتصعيده بين الزيناء، وكشف أبعاده الاجتماعية والإنسانية. نتيجة توظيف الكوميديا السوداء والعَـبث بمفهوميه الواقعي و المسرحي، وهذا تجلى أساسا في الملابس والسينوغرافيا وخاصة [ منضدة المقهى الأمامية / le comptoir ] التي وضعت المتلقي في حالة من الحيرة والالتباس: هل نحن شركاء في مقهى «العـربي»، أم في حانة «نوارة» نادلة المقهى التي لا ترتدي بذلة نادلة، ولكنها تصدح بين الحين والحين بمقاطع غنائية؟ أم نحن في يخـت «صفاء»، المهووسة بالروتين اليومي؟
وهكذا يجد المشاهد نفسه أمام احتمالات مضاعفة: هل هـو داخل مقهى حقيقي، أم أمام مستشفى للمجانين، من خلال شخصية( صلاح: الأستاذ والفيلسوف) لكن وضع "باروكة" شبيهة بالتي كان يرتديها رجال الدين والقضاة والمحامون في بريطانيا في عهد الفيكتوري، خلق تشويشا، رغم عبثية (صلاح) الذي أداه الفنان " عبد الله شيشة" الذي أبان عن انسجام تشخيصي متميز ومنضبط للعملية الإخراجية ، التي قيدت شخصيته بين الطاولة والجريدة( الكلمات المتقاطعة) فعن طريق فك ( الكلمات) كان بالإمكان فتح حوار متفاعل جماهيريا، ونفس العملية لو تمت مع ( معاذ) النموذج المولوع أو المهووس بلعـب الرهانات( الخيل/ الكلب/...) الذي نجده في أغلب المقاهي، والذي شخـصه الفنان " مصطفى اهـنيني"الذي أضفى حيوية على شخصيته بتحريك كل جوارحه، يداه وقدميه موازاة مع حركية العَـين التي توحي بشخصية فوضوية،
ولاسيما المقطع الجميل بينه وبين ( صلاح) الذي يكشف حقيقة اعتقاله من أجل البطاقة الوطنية وليس من أجل الرأي العام كما يدعي أنه ( سياسي)
لهذا فالبحث عن أرقام الرهان والكلمات المتقاطعة، كانت ستساهم ببعـد حميمي خلاق في القاعة التي كانت حاشدة، وهذا يطرح علينا سؤالا ( ؟)
وبالتأكيد سيعطي إيقاعا آخر ويساهم في مساعـدة تكسيره من لدن ( النادلة - نوارة) التي شخصتها الممثلة" هاجر الشركي" التي كانت سيدة المقهى بتكافؤ مع صاحبها" العـربي" إلا أن المقاطع الغنائية التي أدتها، رغم روعتها كروعة صاحبها " الفنان " محمد الدرهم"كانت تحتاج لصقل فني أكثر تشويقا، وعلى ذكر المقاطع، فلو استغل المخرج بداية العـرض بالمقطع الأولي بركـح خال من الممثلين، مع تلاعب الإضاءة على الطاولات ، لأعطى لعـرض" نـغزة وآتاي"تشويقا فنيا وما أحوجنا إليه ( الآن)
وبالعـودة إلى ( الباروكة) التي فرضت سؤالا هل نحن في جناح الأمراض العصابية،أم في «سوق الدلالة»؟ وهي احتمالات يعبّر عنها «العربي» نفسه، مامرة وبانفعالات حادة، حين ينفي لفظيـا أننا أمام مقهى حقيقي، وفي لحظة التجاذب والتقاطب بين الزبناء الأمر الذي يزعزع ثبات الفضاء المسرحي ويفتحه على دلالات وتأويلات متعـددة.
وهنا أستوقف قليلًا عند «العـربي» ـ عبد اللطيف الخمولي- الذي يظل سيد الركح بامتياز، تشخيصا وأداءً. فحضوره الجسدي ليس مجرد حركة مرفقة بكلام، بل هو لغة قائمة بذاتها، تتلوّن بحسب الموقف وتمنحه كثافته الدرامية. ولعـل مشهد استرجاع ذكريات الملاكمة من أكثر اللحظات التي كشفت عن طاقة هذا الجسد وقدرته على استعادة الماضي فوق الخشبة.مما ظلت طاقته: للأسف، أكبر من المعالجة الإخراجية التي احتضنتها. فالمشهد كان سيتيح للمخرج توظيف إمكانات جمالية وإيقاعية وتقنية جد هائلة، لكنه مرّ دون أن يستثمر بما يكفي. حتى الإضاءة ظلت مفتوحة، وكأن المشهد لم ينتقل فعليا من الحاضر إلى فضاء الذاكرة. أما اختباء الممثلين تحت الطاولات، فلم ينجح في بناء دلالة مسرحية مقنعة للخوف من «العـربي» بوصفه ملاكم زمانه؛ ونفس المطب سقـط فيه الإخراج وبشكل أكثر إيلاما، لحظة تذكّر «العـربي» لوالدته. هنا فالفلاش باك؛ ليس مجرد انتقال حكائي إلى الماضي، وإنما في الأصل" هو" بناء مسرحي له منطقه البصري والإيقاعي والضوئي. فاستعادة الذاكرة تحتاج إلى أن تُنتزع من زمن العـرض،أي يساهم في كسر الزمن، لخلق تشويق وإثارة مضاعفة في سياق الأحداث الجارية ، وخاصة لغة الإضاءة التي تفرض استبدال درجاتها واللون المناسب لتحصر حضورها في المشهد المؤدي للزمن الماضي. لكي تُمنح علاماتها المسرحية الخاصة، حتى يشعـر المتلقي بأنه أمام ذاكرة تُستعاد لا أمام حكاية تُروى. تجعـل من الملتقى أن يندمج كليا، وإن كـنا لا نتفق عن الاندماج الكلي الذي يسلب للجمهور أحقية السؤال والتأويل؛ ، لكن في لحظة " الأم" هناك خطاب وجداني حميمي عاطفي، يستحق معاملة إخراجية أكثر حساسية وعمقًا؛ لأنها ليست مجرد معلومة من ماضي «العـربي»، بل لحظة وجدانية حميمة، يتقاطع فيها الرجل بالملاكم، والحاضر بالماضي، والذاكرة بالفقد.
وهنا أستبعد بأن النص الذي أنجزه المسرحي " صلاح الدين بنموسى" لم يفكر في هذا، ليس بحكم تجربته الممارساتية، بل طبيعة وتقنية "الفلاش باك" أو "الاسترجاع الفني": يفرض ذلك، لكن نحـن أمام " دراماتورجيا وإخراج" كان بالإمكان أن يصنع واحدة من أقوى لحظات العـرض، لكنه ترك المادة العاطفية والجسدية التي يوفرها الممثل تعمل بقدرتها الذاتية، بدل أن يضاعفها بأدوات الركح: الضوء، الإيقاع، الفراغ، الصمت، والصورة. لذلك يبدو الخلل في هذه اللحظات ليس في المادة الدرامية ولا في أداء الممثل، وإنما في عجز الرؤية الإخراجية عن تحويل الإمكانات الكامنة في المشهد إلى فعل مسرحي مكتمل. وهذا يجرنا أن العملية الإخراجية التي لم تستغـل طاقة التشخيص لشخصية (صفاء) تلك الفتاة المهووسة بالروتيني اليومي، والتي أدتها الشابة (ريم مرمري) التي أبانت عن طاقة إبداعية خلاقة، لكن أوكد بأن الإخراج لم يستغـل طاقتها التعبيرية، لتفجير ما تشعـر هي به كفتاة زمانها أمام فيديوهات"روتيني اليومي" اندماجا بالشخصية التي أدتها،التي تندرج في سياق ثقافة هذا الجيل، الذي نسعى ألا ينساق وراء ما من شأنه "تافه"وبالتالي سيعـطينا ضمنيا ماهية العنوان" نغـزة" ضد التفاهة التي سارت في " الروتيني"
إضافة أن "الظرف البريدي" الذي يعد عقدة" نغـزة وآتاي" لم تعـط له أحقية حضوره الفاعل في فضاء المقهى بما يليق به وما يخفيه، وهنا الإشكالية ليست في الإخراج بل في الكتابة النصية، التي ركزت على الشخصيات وأغفلت أهمية (الظرف البريدي) الذي سيفجر انوجاد الفضاء وشخصياته، وفي هذا الباب فشخوص " المقاهي" كثر ومتنوعين، فلو فكر السينوغرافي ومصميمي الملابس( صفاء كريت / نادية ظهر الصديقي) إضافة شخصيتين أو ثلاث بواسطة الدمى فـوق الركح، كدلالة رمزية بأن فضاء المقهى ليس لشرب "آتاي" وكفى ! بل يصبح رمزا للانتظار وللعجز السياسي وللعـبث بشتى تجلياته وكذا فضاء للترصد السلبي لتحولات الزمن. و"الدمى" يمكن أن تعـبر عن ذلك ضمنيا. وفي نفس اللحظة يتم استغلالهم من لدن الممثلين بعد فتح (الظرف البريدي) الذي يعلن عن هدم " المقهى" إسوة بالهدم الذي تعـرفه جل المدن بدعوى" المصلحة العامة" وهاته العقدة هي المسألة الجديدة أمام كل الأعمال التي تناولت المقهى كفضاء للعـب.
ففي لحظة انهيار العربي" ووقوف شخصية ( صلاح/ معاذ/ نوارة) مؤازرين إياه، تظهر الدمى كقوة مساندة. ليتحقق دور انوجادها في فضاء المقهى.
طبعا هاته الورقة بالإمكان اعتبارها مقاربة أولية، ارتباطا بأن عـرض" نـغزة وآتاي" بدوره عرض أولي، وطبيعي أنه سيسقط في عـدة أخطاء وهفوات وسيترك فجوات فنية تحتاج للترميم وإعادة النظر في العرض الثاني وما بعده، علما أن أي عرض مسرحي مهما كان طاقمه الفني فلن يكون عرضا نموذجيا، ولكن الحضور الجماهيري لمشاهدة العـرض، سيغـطى على الرؤية النقدية،كيف يمكن للعرض المسرحي أن يحقق إبداعيته....

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى