د. سدي علي ماءالعينين - أكتبُ لأرتاح.. أم أتوقفُ لأريح؟ (بلاغُ الانتصار)

قبل ان اصمت لابد من كلمة أخيرة :
بينما يختار الكثيرون المشي بجوار الحائط اتقاء للرياح، اخترت أن أكون أنا الريح التي تنفض الغبار عن المسكوت عنه. وحين يكون ثمن الحقيقة هو الرجم الرقمي، فإني أقبل هذا الرجم وساماً، فما رميت بشجر إلا لأن ثمره نضج واستعصى على الفهم.
عندما كتبت عن جراح أطفال غزة، لم أستطع أن أغمض عيني عن الحقيقة المرة؛ حملت قسطاً من المسؤولية لتنظيم حماس، وذكرتهم بوقائع 2007 وكيف طرد الإسرائيليون لتسكن غزة سلطة انشقت عن الصف الفلسطيني بعد إلغاء نتائج انتخابات فازت بها حماس.
فماذا كان الرد؟
لم يكن نقاشاً، بل كان صك اتهام جاهز:
صهيوني ومعادي للمقاومة.
وحين ذكرتهم بأن البرنامج النووي الإيراني بدأ برعاية إسرائيلية أمريكية في عهد الشاه، ولم يجرؤ أحد يومها على التساؤل ضد من طالما الحاضن هو إسرائيل..
واليوم، حين خرج هذا البرنامج عن الطوع وصارت إيران تقصف دولاً إسلامية، يحرم عليك الاعتراض!
فإما أن تصفق لسياساتهم، أو تلحق فوراً بـ بني صهيون.
وعلى جبهة الهوية، قلت إن المغرب لا يطبع؛ لأن التطبيع مصطلح يطلق على من لا علاقة له باليهود،
بينما اليهودي في المغرب جزء أصيل من هويتنا وتاريخنا قبل الإسلام بقرون.
ربطنا العلاقات مع مليون ونصف المليون مغربي يهودي هو ربط صلة رحم وتاريخ، لا يعني أبداً الانحناء للإبادة أو التخلي عن ثوابتنا في الملف الفلسطيني.
ومع ذلك، يصرون على إلقاء روايتك في البحر، ويوسمونك بـ المطبع ليريحوا ضمائرهم المثقوبة.
لم يسلم التاريخ أيضاً من مقصلتهم.
ذكرت الشعب الجزائري بجريمة المسيرة الكحلة التي ارتكبها بومدين في حق 350 ألف مغربي شردوا صبيحة العيد.. فنهشني ذبابهم، ولمت لأني خضت فيما لا يجب.
وعندما عرضت روايات قبائل الصحراء وفندتها بالحجة انتصاراً للحق، تطاولوا بالسب على جدي الشيخ ماءالعينين. والمفارقة الموجعة أن أبناء العمومة -بدل الانتصار للحق- انتصروا للمصاهرة والمصاحبة، وصمتوا عن سب جدهم العظيم، ووجدوا ضالتهم في لومي لأني نبشت في التاريخ.. وكأن الحقيقة عندهم صارت جريمة!
ويوم قرر الأمين العام لحزب ألا يغير قانون حزبه، واكتفى بولايتين محترماً بذلك تعاقده الأخلاقي، بادرت بالتنويه بهذه الخطوة لرمزيتها ودلالاتها العميقة في مشهدنا السياسي، بغض النظر عن خلفياتها الضيقة.
لكن، وبدلاً من قراءة الرمزية، اجتمع المنتسبون وأصحاب الولاية الثالثة والرابعة ليرجموني بتهمة التملق، فقط لأن ما قلته يخدش صورتهم التي ألفوا فيها تمديد الكراسي، وكأن قول الحق في وجه التأبيد صار نفاقاً في عرفهم.
ويوم قلت بلسان أكاديمي إن الحكم الذاتي لكي يتم تنزيله واقعاً لابد له من استفتاء واستشارة من الطرفين، قامت القيامة ولم تقعد! اتهموني بتبخيس المبادرة الوطنية،
مع أن مبدأ الاستفتاء والاستشارة الشعبية هو بند أصيل ووارد في المقترح المغربي نفسه.
لكن في زمننا هذا، ممنوع عليك أن تنطق بما هو مكتوب، وممنوع عليك أن تشرح ما هو مقترح، وإلا أصبحت مارقاً في نظر من لا يقرؤون.
تماماً كما أكدنا بجرأة الباحث أن الحكم الذاتي مبدئياً سيشمل المناطق المتنازع عليها تاريخياً وليس كل الصحراء، فثارت في وجهي جحافل من الذباب الإلكتروني تعتبرني مسيئاً لغير الداخلين في مناطق النزاع،
وكأني أنا من صنع هذا الشرخ الجغرافي والسياسي ولست واصفاً لواقع صنعه البوليسارييو منذ عقود.
وعندما ثارت ثائرة الجمهور مما حدث في نهائي كأس إفريقيا وبدأت الاتهامات تتقاذف يميناً وشمالاً، جاءت مبادرتي بإصدار كتاب مشترك مع أديب سينغالي حول العلاقات التاريخية العميقة بين المغرب والسينغال، كجسر للوصل في زمن القطيعة.
فماذا وجدت؟
ثار في وجهي المنفعلون والمتأثرون بحمى الكرة، وكادوا يكفرونني لأنني انتصرت لعمق التاريخ المشترك، ولم أنسق خلف هيجان الكرة العابر.
وحتى حين زار خالد العليان المؤثر السعودي دولة الجزائر بطلب منهم، بعد نجاح زيارته للمغرب، وبدلاً من حملات التخوين والسب والشتم ضده، تناولت الموضوع لأذكر الناس أن الرجل لا يعمل بوكالة إعلانات مغربية، بل هو إنسان له فلسفته وهويته وحر في اختياراته وأسفاره..
فما كان الجزاء إلا أن انهالت علي الشتائم ممن رأوا في كلامي دعماً ودفاعاً عن خالد الذي أسموه خائناً!
ولم يقف الأمر عند السياسة والتاريخ، بل وصل إلى محراب الصلاة؛ فعندما تداول المغاربة موضوع القبض والسدل، باشرت البحث والتنقيب بمسؤولية الباحث، حتى جئت بالنصوص التي لا تحتمل التأويل فيما يقوله المذهب المالكي في الموضوع وانتصاراً لهوية المغاربة الفقهية.
فما كان من أنصار القبض إلا أن واجهوني بالسب والشتم، واتهموني بأني متطفل على الدين.
امش جنب الحائط..
هكذا يريدونك، وهكذا يتصورونك، ولا يهم كيف تتصور أنت نفسك.
هم لا يبدعون، ولا يكتبون، وكثير منهم قليلاً ما يقرؤون، ومنهم من لا يفهمون أصلاً ما يقرأ.
وإذا أنت كتبت ما لا يروق ضيق أفقهم، أصبحوا فجأة كتاباً ونقاداً يتفنون في صنوف التجريح بمداد من سب وشتم.
يقولون لك: اكتب عما ليس حوله اختلاف، ولا تكتب ما يأتي بعده نقاش!..
وفي قرارة أنفسهم يتمنون: يا ليتك لا تكتب أصلاً!
فهل هو تكميم أفواه؟
أم هو حسد يصرفه كل واحد على هواه؟
وليعلم هؤلاء جميعاً، أن حمل اسم ماءالعينين هو شرف ومسؤولية؛ ولم ولن يكون يوماً قيداً أو حبل مشنقة يغرقني في منطق واجب التحفظ الموهوم حتى يهلكني ويرمي بي في غيابات الصمت.
إن هذا الانتساب العظيم هو مصدر طاقتي، وعزتي، ونخوتي، وهو المحرك الذي يدفعني لقول الحق لا للتستر خلفه.
فمن ظن أن الاسم سيقيد القلم، فقد جهل معدن الأجداد وعزم الأحفاد.
في الأخير.. كنت أكتب لأرتاح، وعلي الآن التوقف عن الكتابة لأريحهم من وخز الحقيقة..
ويا ليتهم بعد ذلك يرتاحون!
لكنني أعلنها بلاغ انتصار:
سأظل أكتب بجرأتي، وبذات اليراع الذي يستمد قوته من تاريخه،
فالحقيقة لا تموت بصراخ الذباب الالكتروني ولا القراية المسكونة بالغرابة !!!؟
فهل تعتبرون ؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى