كتاب كامل لا تخافا… حين يكون الله مع المظلومين: تأملات إيمانية في آية

تأملات إيمانية في قوله تعالى:

﴿قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ ۝ قَالَ لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ طه: 45–46]


ليست العظمة في هذه الآية أنها تتحدث عن نبيين كريمين يواجهان طاغيةً عاتيًا فحسب، بل في أنها تكشف لنا حقيقةً إنسانية وإيمانية خالدة: أن الخوف قد يدخل حتى قلوب الكبار، لكن الإيمان الحق لا يلغي الخوف، بل يهذبه، ويضبطه، ويمنعه من أن يتحول إلى هزيمة.

لقد قال موسى وهارون عليهما السلام بصدق العبد الذي يعرف حجم الخطر: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ﴾. وهنا تتجلى روعة القرآن؛ فهو لا يصنع من الإيمان صورةً جامدة خالية من المشاعر، ولا يطلب من الإنسان أن يكون حجرًا لا يرتجف، بل يعترف بأن الخوف جزء من الطبيعة البشرية، خاصة حين يكون الإنسان مقبلًا على مواجهة طاغية مثل فرعون، الذي جمع البطش والسلطان والتجبر، وأحاط نفسه بالسحرة والجنود وأسباب القوة وأدوات الإرهاب.

كان موسى وهارون يخافان أن يعاجلهما فرعون بالأذى قبل أن يسمع منهما، أو أن يتمادى أكثر في طغيانه حين يواجه دعوة الحق. وهو خوف مفهوم، بل مشروع، لأنهما يواجهان واحدًا من أشد نماذج الاستبداد في التاريخ. لكن الجواب الإلهي جاء سريعًا، حاسمًا، دافئًا، مطمئنًا: ﴿لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. ما أعمق هذا الجواب. لم يقل الله لهما فقط: سأحفظكما. ولم يقل فقط: سأهلك عدوكما. بل قال ما هو أعظم من كل ذلك: أنا معكما. وما دام الله مع العبد، فماذا عليه أن يخشى؟ وما دام الله يسمع ويرى، فكيف يضيع حق، أو يغيب ظلم، أو يختفي أنين مظلوم؟

إن معية الله هنا ليست مجرد وعد بالنصر في نهاية الطريق، بل هي سكينة أثناء الطريق، وثبات في قلب الاضطراب، ونور في لحظة الخوف، وطمأنينة حين يبدو أن كل شيء في ظاهر الدنيا منحاز إلى الباطل. إنها معية تردّ القلب من النظر إلى قوة الطاغية إلى النظر في قدرة الله، ومن حسابات الأرض إلى يقين السماء.

وفي هذه الآية درس عظيم لكل من يعيش زمنًا يرى فيه الباطل منتفخًا، والظلم متجبرًا، والطغاة يملكون أدوات القهر والتخويف. ففي كل عصر يوجد “فرعون” بصور مختلفة: قد يكون فردًا، أو نظامًا، أو مؤسسة ظلم، أو آلة بطش، أو خطابًا متكبرًا، أو قوةً تظن أنها فوق الحساب. وقد يملك هذا الفرعون المعاصر ما يملك من جند، وإعلام، وأجهزة، ومكر، وترهيب، حتى يظن الناس أن مواجهته ضرب من المستحيل، وأن المستضعفين لا حيلة لهم إلا الصمت أو الهروب أو الانكسار.

لكن القرآن يضع ميزانًا آخر للقوة. فالناس يرون ظاهر العدة والعدد، أما الله فيعلّم عباده أن القوة ليست فيما يُرى فقط، بل فيما لا يُرى أيضًا. ليست القوة في الجبروت إذا جُرّد من الحق، ولا في الصخب إذا خلا من العدل، ولا في النفوذ إذا كان قائمًا على الظلم. القوة الحقيقية أن تكون مع الله، وأن يكون الله معك.

ولذلك، فإن هذه الآية لا تقص علينا حدثًا تاريخيًا مضى وانقضى، بل تبني في داخلنا قانونًا إيمانيًا ممتدًا: قد تبدأ المعركة لصالح الطغاة، وقد يبدو أن الكفة تميل إليهم، وقد تشتد المحنة على أهل الحق، لكن ذلك كله لا يعني أن النهاية لهم. كم من جبارٍ ظن أنه أحكم قبضته على الناس، ثم سقط في اللحظة التي لم يتوقعها. وكم من ضعفاء حاصرهم الخوف من كل جانب، ثم جاءهم فرج الله من حيث لم يحتسبوا. فالبدايات كثيرًا ما تخدع الأبصار، لكن النهايات يكتبها الله وحده.

إن أجمل ما في هذه الآية أنها تعلمنا أن الخوف لا يُعالج بإنكار وجوده، وإنما يُعالج بحضور الله في القلب. فالإنسان حين ينظر إلى الظالم وحده يزداد رعبًا، وحين ينظر إلى الله يثبت. وحين يحدق في سطوة الطغيان يضطرب، وحين يتأمل معية الرحمن يهدأ. إن الفرق بين قلبٍ ينهار وقلبٍ يصمد ليس غياب الخوف من الأول وحضوره في الثاني، بل الفرق الحقيقي هو: من الذي يملأ القلب أكثر؟ التهديد أم اليقين؟ البشر أم الله؟ الطغيان أم المعية؟

ومن هنا نفهم أن قوله تعالى: ﴿أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ ليس مجرد إخبار عن صفة، بل هو تضميد للجراح قبل أن تنزف، وإحياء للثقة قبل أن تضعف. الله يسمع ما يقوله الطاغية، ويسمع ما يقوله المظلوم، ويسمع دعاء المرتجف، ويسمع نبض القلب إذا عجز اللسان.
ويرى جبروت المتكبر، ويرى ضعف المستضعف، ويرى الحيلة والمكر، ويرى الصدق والثبات، ويرى ما لا يراه الناس من خفايا النفوس ومآلات الأمور. فإذا كان رب العالمين يسمع ويرى، فليس بعد ذلك موضعٌ ليأسٍ قاتل، ولا لقنوطٍ يهدم الروح. ومع ذلك، فإن القصة تعلمنا معنى آخر لا يقل أهمية: أن سقوط الطاغية لا يكفي وحده لصلاح الأمة. فقد نجّى الله موسى وهارون ومن معهما، وأغرق فرعون وجنوده، ومع هذا لم تستقم بنو إسرائيل بعد النجاة كما ينبغي. وكأن القرآن يريد أن يقول لنا إن التحرر من الظلم الخارجي لا يكتمل إلا بالتحرر من الاضطراب الداخلي، ومن ضعف النفس، ومن التردد في حمل أمانة الحق.
فالخروج من قبضة فرعون معجزة، لكن الاستقامة بعد النجاة امتحان آخر.

وهذا من أعظم الدروس في الحياة: ليس المهم فقط أن يسقط الظالم، بل المهم ماذا يفعل الناس بعد سقوطه. وليس النصر مجرد نهاية عدو، بل بداية مسؤولية. فكم من أمةٍ نجت من الطغيان، لكنها لم تُحسن بناء نفسها بعد النجاة. وكم من جماعةٍ صبرت حتى رفع الله عنها البلاء، ثم عادت إلى الضعف والتفرق وفساد البصيرة. لذلك، فإن هذه الآية لا تعلمنا فقط الشجاعة أمام الظلم، بل تعلمنا أيضًا أن نربط الشجاعة بالطاعة، والثبات بالاستقامة، والنجاة بالشكر، والنصر بالإصلاح.

إن المؤمن وهو يقرأ: ﴿لَا تَخَافَا ۖ إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾ يشعر أن الآية لم تُكتب لموسى وهارون وحدهما، بل لكل قلبٍ صادق يرتجف في مواجهة باطل أكبر من قدرته، ولكل مظلومٍ ضاقت به السبل، ولكل صاحب حقٍ خذله الناس، ولكل من ظن لحظةً أن الطغاة إذا علت أصواتهم صاروا أكبر من أن يُغلبوا.

كلا. الطاغية ليس كبيرًا إلا في أعين الخائفين منه. أما في ميزان الله، فهو عبدٌ ضعيف، مهما بلغ من البطش. وقد يمهله الله، لكن لا يهمله. وقد يترك له مساحةً من الحركة، لكن لا يترك له الأرض أبدًا. وقد يبدو منتصرًا في فصلٍ من القصة، لكن القصة كلها ليست له.

هكذا تعلمنا الآية أن المؤمن لا ينبغي أن يستسلم للخوف من الطغاة، لأن الله مع عباده المظلومين، كما كان مع موسى وهارون.
وقد تكون البداية لصالح أهل الباطل، وقد يتفاخرون بما عندهم من أدوات القوة، وقد يظنون أن الناس قد خضعوا لهم إلى الأبد، لكن النهاية ليست بما يملكونه، بل بما يقضي الله به. والله إذا كان مع الحق، فلا بد للحق أن ينهض، ولو بعد حين.

خاتمة
ما أعظم هذه الكلمات الأربع في قلب الشدة: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ﴾. إنها ليست آية تُقرأ فحسب، بل زادٌ روحي لكل من يواجه ظلمًا، ولكل من يخشى بطشًا، ولكل من يظن أن الباطل قد استحكم. فإذا خفت، فتذكر أن موسى خاف. وإذا اضطربت، فتذكر أن الله طمأن. وإذا رأيت الطغيان عاليًا، فتذكر أن فرعون كان أعلى صوتًا في زمنه، ثم صار آيةً على الهلاك. وإذا شعرت أنك ضعيف، فتذكر أن الضعف مع الله قوة، وأن القوة بغير الله وهمٌ زائل. فلا تخف من الطغاة خوف من ينسى ربه، بل خف على قلبك أن يضعف يقينه، وتمسك بوعد الله، فإنه سبحانه إذا قال لعباده: لا تخافوا جعل في هذه الكلمة من النور ما يكفي لعبور البحر، ومن اليقين ما يكفي لهزيمة فرعون.

ا.د. محمد لبيب سالم
أستاذ علم المناعة – كلية العلوم جامعة طنطا – مصر
وكاتب وروائي وعضو اتحاد كتاب مصر
[email protected]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى