علي سيف الرعيني - ذائقةالقارئ!!

لإعادة توجيه القارئ الى كل ماهو مفيد ونافع في حياته لتغذية وإشباع ميوله الثقافي والإنساني كان لابد من الإشارة إلى سؤال عن كيف تتشكل ذائقة القارئ ؟

وكما يبدوا سؤال بسيطا في ظاهره، لكنه في عمقه رحلة طويلة تبدأ منذ اللحظة الأولى التي تلتقط فيها العين كلمة، وتمتد حتى تصبح القراءة موقف من العالم لا مجرد عادة

ذائقة القارئ لا تولد فجأة، بل تتكون بصمت، مثل نهر يشق طريقه عبر طبقات الزمن. تبدأ من الطفولة، من الحكايات الأولى التي تروى قبل النوم، من الكتب المدرسية التي تفرض، ومن النصوص التي تمرر عبر قنوات الإعلام والثقافة. شيئًا فشيئًا، تتراكم هذه التأثيرات لتصنع ذوقا يبدو وكأنه خيار شخصي، بينما هو في حقيقته مزيج من التوجيه والتلقين والتجربة

ومع مرور الوقت، يجد القارئ نفسه محاطا بما يشبه الذوق السائد ذلك الصوت الجماعي الذي يحدد ما ينبغي أن يقرأ، ومن يستحق الاهتمام، وما يُعد عميقا أو سطحيا. هنا تبدأ الإشكالية: هل ما نقرأه يعكسنا حقا، أم يعكس ما قيل لنا إنه يستحق القراءة؟

استعادة حرية الاختيار لا تبدأ برفض كل ما هو شائع، بل بالوعي. أن يسأل القارئ نفسه بصدق: لماذا أعجبني هذا النص؟ هل لأنه لامس شيئًا داخليا، أم لأنه حاز إعجاب الآخرين؟ هذا السؤال البسيط هو أول خطوة نحو التحرر.

ثم تأتي الشجاعة؛ شجاعة أن يقرأ خارج “القوائم المقترحة”، وأن يمنح فرصة لكتب لا تحظى بالضوء، وأن يقبل بأن ذائقته قد تتغير، بل يجب أن تتغير فالثبات في الذوق ليس نضجا دائم بل قد يكون ركودا مقنعا.

القراءة الحرة تعني أيضًا أن ينصت القارئ إلى نفسه أثناء القراءة: إلى ملله، دهشته، رفضه، انجذابه. هذه المشاعر ليست عابرة، بل هي البوصلة الحقيقية. وحين يتعلّم القارئ أن يثق بهذه البوصلة، يبدأ في بناء ذائقته الخاصة، لا تلك المستعارة.

في النهاية، ذائقة القارئ ليست قائمة كتب، بل تجربة حياة. هي مرآة تتبدل كلما تغيّر الداخل. واستعادة الحرية في الاختيار ليست تمردا على العالم، بل عودة هادئة إلى الذات؛ حيث لا يملى عليك ما تقرأ، بل تختار ما يشبهك، وما يضيف إليك، وما يجعلك ترى العالم بعيونك أنت لا بعيون الآخرين!!

إبلاغ •••
  • Like
التفاعلات: علي سيف الرعيني

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى