مصطفى أحمد علي - "موت الجماعة عرس"

هذه حقبة نادرة غير مسبوقة في تاريخ البشرية، توحّدت فيها ساكنة كوكب الأرض،(ربما لأوّل مرّة في تاريخ البشرية؟)، على قلب رجل واحد، وجازت فيها وتوقّفت، عند منعطف تاريخي لم يسبق لها أن اجتازته أو خبرته، فما من أحد إلا وارتقى به الفكر والتأمّل مراقي الرؤية الشاملة الكلية، ذلك أن الجائحة لا حدود لها ولا كوابح ولا مصدّات.. وأننا لم نسمع بجائحة عابرة للاقطار والقارات، تماثل ما نحن بين يديه اليوم من حيث سرعة الانتشار وسهولة العدوى وإثارة الرعب، بفعل التطور المذهل في وسائل التواصل والاتصال ويسر انتقال الاخبار، وطبيعة انتقال العدوى السهلة التي لا تتوفر لفيروس آخر.. قد يكون صحيحا القول بأن عدد الضحايا منخفض نسبياً( حتى الآن فقط!) مقارنة باوبئة أخرى قيدتها وروتهاصفحات التاريخ، لكن هذه الأوبئة، على خلاف "كورونا"، كانت تنحصر في دوائر جغرافية محدودة.
ذلك أن ملاذات التمايز المتوهّمة الخادعة من عرق، ولون، وجنس، ووطن، وقبيلة، وطائفة، وجوازات سفر، وتاشيرات دخول، وحظائر نزوح ولجوء، ومعابر هجرة، وقوارب موتٍ، وعنصرية قميئة قبيحة رديئة بغيضة، ما أورثت البشرية إلا خطايا ومواجع ومظالم وحسرات، آن الأوان لسداد فواتيرها في الدنيا قبل الآخرة...
ذلك أن هذه الملاذات، تكشّفت وانفضحت عن عجز مريع وخداع فظيع وسوء تدبير. وما من شك أن هِزّة عنيفة تتبعها تحوّلاتٌ كبرى ستزلزل العالم، في السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع، وأن سلّم القيم والأولويات سيتغيّر كلياً، وأن الأسئلة الكبرى سوف يعاد طرحها من جديد، بقوّة وعنف، حول مجتمع الرفاه المتخم المنحاز إلى الربح وتراكم الثروات والإنتاجية والتدافع المتوحش والانتخاب الطبيعي وأحقية الأقوى في الحياة وفي البقاء...
سوف يعاد إذن طرح الأسئلة الكبرى، أمام عجز الآليات والخطط والاستراتيجيات والعتاد المعدّ والسلاح المتطوّر الباهظ التكلفة والتكنولوجيا المتطوّرة... وعدم جدوى ذلك كلّه أمام فيروس زهيد الثمن بائس ضئيل، اسمه "كورونا"!
سوف يعاد طرح هذه الأسئلة من جديد، في عالم سوف يولد من جديد، إذا اتّسع الوقت ومُدّت الآجال وبقي "في الكأس فضلٌ لشاربٍ"!
نحن في السودان لا شكّ جزءٌ ممّا يحدث، وسوف نتأذّى منه للأسف بقدر (هل بأكثر من؟) ما يتأذّى منه الآخرون لأسباب معروفة مبذولة لا مندوحة لتفصيلها. وما من شكٍّ في أن مجتمعاتنا الهشّة التي لا تحسن لا التخطيط ولا التدبير، لن تجد ما تلجأ إليه سوى الانكفاء على زهدها وتوكّلها وقدريتها، وحيث إن " موت الجماعة عرس"، فسوف يكون قصارى ما يتمنّاه المرءُ منهم في خاتمة أيّامهِ في هذه الدنيا الفانية، أن يفوز بمن يشيّعه إلى مثواه الأخير، وأن يصلّي عليه الجمع الغفير، ويدعو له بحسن الخاتمة.
د. مصطفى أحمد علي
الرباط، مارس 2020

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى