المستشار بهاء المري - وجع العدالة.... "خلف الأبواب المُوصَدة"

نسَج الشابُ صاحب الوظيفة المرموقة - سابقا - خيوطَ علاقةٍ سريةٍ ووعد بالزواج مع جارته المعيدة باهرة الجمال. وحينما نبضَ جنينُ الخطيئة في أحشائها، سقطَ القناعُ ليكشفَ عن وجهِ الانتقامِ القبيح، أطلقَ العنانَ للتهديد بنشر صور وفيديوهات فاضحة كانت يومًا أسرارَ العشاق.

ما بدأ همسًا خلف الجدران، انتهى صراخًا مدويًا في محكمة الجنايات. صارت المشاعرُ أدلة إدانة، وأضحت الأبواب الموصَدة شاهدا على سَحق الكرامة تحتَ عجلاتِ الانتقامِ، وتحوّلَ الحب إلى فخٍٍّ مميت.

كانت الجلسةُ سرِّية، كأنَّ الحياءَ يُرتِّلُ آياتِه في صَمت، وكأنَّ التفاصيلَ، إن نُطقت، ستُدمِي آذانَ المدينة. لكن مَن يُخفي الوجَع؟ ومَن يحجبُ ارتعاشَ العيون، وصدى الأسئلةِ التي تتكسَّر بلا أجوبة؟

من أخطأ أولًا؟ أكان الحُسنُ فخًّا؟ أم الوعدُ خديعةً في ثوب مَلاك؟ وأيُّ الدروبِ أظلَم؟ الذي بدأ بالانبهار، أم الذي انتهى بالعار؟

كان الشابُ أمامي، كأنَّ في ملامحه ذكرى لَـمعَانٍ قديم، بهاءٌ مكسور، وجهٌ يُشبه مرآةً سقطتْ من عُلوٍّ شاهق، وكلُّ كسرٍ فيها يروي سقوطه. كان يمكن أن يكون مَنارةً، لكنه اختارَ أن يكون ظِلًّا في دفتر القضايا، ذكرى… لا تُروَى إلا في صالات الانتظار.

أما هيَ، فكانت تنظرُ إلى الأرض، كأنها تَبحثُ عن أنثى تَبعثَرتْ بين بلاط المحكمة، كأنها تَنبشُ عن ذاتٍ أغرقتها دموع الخيبة. لم أُعفُها من مسؤوليةٍ ناعمة، ولم أقدِر أن أُسْلِمها لرحمةٍ تعَجزُ عن اجتراح الغفران.

رأيتُ والدها، يُقاومُ دَمعةً ساخنة، يختبئُ خلف صمتٍ يخنقُ الندم. ورأيتُ أمَّ الشاب، تحضنه كأنها تعيدُه إلى رحمها، تحتمي به من الحكم، أم تحميه منه؟ لكن العدالةَ لا ترتدي وشاحَ القلب، ولا تُصغي لأنينِ الأمهات.

وقفتُ، وقلبي ليس باردًا كمنصة القضاء، بل يرى الوجعَ في كلا الكفَّين، يرى الفتنةَ والسقوط، يرى التراخيَ والخداع، يرى الحُب حين يصيرُ سكينًا، والوعود حين تتحوَّل إلى قضبان.

نطقتُ بالحكم… والصوتُ بيني وبيني كان بكاءً، لكن بيني وبينهم… كان عدلًا، لأنه القانون. أما القلب فقد صاحَ صرخةً صامتة: "ليتني أُعيدُ الزمن، لا أن أعُدَّ سنواتِ الحبس."

لحظةُ الصمت بعد النطق بالحكم لم تكن ثواني، كانت أعمارًا تنكسر، كانت جراحًا لا تُشفَى بالوقت، كانت هواءً أثقلَ من أن يُتنفَّس، وأثقل من أن يُكتَب.

خرجتُ من القاعة، لا يصحبني حُرَّاس، بل صرخةٌ سقطت من عينِ أمّ، وزفرةٌ من صدرِ أب، تتبعني كظلٍّ بلا نهاية. خطواتي لم تطرق الأرض، بل مشَت على جمرِ الأسَى، فما حكمتُ على متهم، بل على قلبَين… على وطنَين انكسرا في حِضن الخيبة.

وحين خَلوتُ إلى وحدتي، لم أجد رفيقًا إلا القلم. فقلت له: يا قلم، كم من مرةٍ نخطُّ بحبرك، ونَنزفُ بدواخلنا؟ كم من حُكمٍ نطقناهُ، وتركنا قلوبنا في قفص الاتهام؟ هل يدري الناس، أن القاضي - أحيانًا - يحكمُ على نفسه… وهو لا يدري؟

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى