أشياءٌ موجودة لكن لا نراها أو ليس كمثله شيء؟

انطلاقاً من الجزء الأول من عنوان هذه المقالة، أي "أشياءٌ موجودة لكن لا نراها"، الأشياء الموجودة، أي الملموسة ذهنياً، والتي تخبرنا عن وجودها حواسُّنا الخمسة، التي هي البصر والسمع واللمس والذوق والشمُّ، المرتبطة بالدماغ الذي هو، في الحقيقة، المسئول عن الرؤية والسمع واللمس والذوق والشم.

بعد هذه التَّوضيحات حولَ الحواس الخمس ومسؤولية الدماغ في الوعي بما هو موجودٌ في وسط العيش من أشياء مادية des choses matérielles وظواهر طبيعية des phénomènes naturels وأخرى اجتماعية، اقتصادية، ثقافية… لكن، هل كل الظواهر، الطبيعية منها والاجتماعية والاقتصادية والثقافية… مرئِية أي تُدرك عن طريق حاسة البصر؟

وبعبارة أخرى، هل الإنسان يرى الجاذبية، وهل يرى الكهرباء وهل يرى الحرارةَ وهل يرى الضغط…؟ بالطبع، هذه الظواهر الطبيعية لا ترى لا بالعين المجردة ولا بواسطة أقوى المجاهر. ما هو ملموسٌ ذهنياً، هي نتائجها.

كل جسم، مهما خفَّ وزنُه، إذا غادر سطحَ الأرض، يعود له. كل جسمٍ حي بشري، إذا تعرَّض لشحنة كهربائية قوية، قد يفقد الحياة. وكل جسم حي بشري تعرَّض لحرارة مُفرِطة une température élevée يعرق ويحاول أن يتصدى لهذه الحرارة المُفرِطة. وكل جسم حي بشري يُحِسُّ بالضغط، وخصوصا، إذا كان الجو مشحونا بالرُّطوبة chargé en humidité. كل هذه الظواهر الطبيعية لا تُرى، لكن نتائجَها ملموسة ذهنيا.

هل هناك بشرٌ رأى بأم عينِه الاقتصادَ والثقافة َمجسَّدين في شيء ملموس في واقع الناس؟ بالطبع، لا ثم لا ولا شيءَ غير لا. ما هو ملموسٌ، فكرياً، هي نتائج الاقتصاد والثقافة. الاقتصاد هو تدبيرُ النُّدرة la rareté، وبعبارة أخرى، تدبير الموارد، بمختلف أنواعها، التي يحتاج لها الأنسان في حياته العامة والخاصة، وبالتالي، فالتَّدبير ينظِّم إنتاجَ وتوزيعَ واستهلاكَ هذه الموارد مع إعطاء قيمة نقدية لكل مرحلة من مراحل التَّدبير.

السؤال الذي، من المفترض، أن يروجَ في ذهن القارئ، هو الآتي : "لماذا أعطَيتُ لهذه المقالة عنوانين، "أشياءٌ موجودة لكن لا نراها" و "ليس كمثله شيء"؟

فيما يخصُّ العنوانَ الأولَ، أي "أشياءٌ موجودة لكن لا نراها"، وضَّحتُه بما يكفي في فقرات هذه المقالة المشار إليها أعلاه. أما فيما يخصُّ العنوانَ الثاني، أي "ليس كمثله شيء"؟

بالطبع، الله لا يُرى ولايُسمَع (باستثناء موسى، نبي ورسول الله، عليه السلام، الذي سمع كلامَ الله وهو فوق الأرض) ولا يُلمَس مصداقا لِما جاء في الآية رقم 11 من سورة الشورى، التي نصُّها الكامل هو : "فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ".

ما أريد أن أُثيرَ انتباهَ القارئ إليه، هو أنني عندما أعنوِن مقالاتي بآية من القرآن الكريم أو بجزءٍ من آيةٍ كريمةٍ، فالمقصود من هذا العنوان، ليس تفسيرُ هذه الآية أو هذا الجزء من الآية. لماذا؟

لأن القرآنَ الكريم فيه آياتٌ كثيرة صالِحة لكل زمانٍ ومكانٍ، وفيه آياتٌ لها أسباب نزولِها، وبالتالي، فهي صالِحة للظروف التي نزلت فيها، لأنها تستجيب لحَدَثٍ معيَّن وقع في عهد الرسول (ص)، وكان لا بدَّ من توضيحِه للناس.

ولهذا، إذا عنونتُ مقالاتي بآيات من القرآن الكريم أو بأجزاء من آياتِه، فالمقصود هو تدبُّر هذه الآيات أو أجزاء الآيات لمُحاولة التوصُّلِ إلى ما أراد اللهُ، سبحانه وتعالى، قولَه أو تبليغَه لنا من خلال هذه الآيات أو من خلال أجزاء الآيات. عِلماً أن التَّدبُّرَ لا يأتي من فراغٍ، بل يأتي من الخلفيات المعرفية المُكتسبة، الاجتماعية منها والثقافية.

وما يُثيرُ الانتباهَ، في هذه الآية الكريمة وفي آيات أخرى كثيرة، هو أن كلمة "السماوات" تأتي تقريبا دائماً مُقتَرِنة بكلمة "الأرض". ولهذا الاقتران، على الأقل، سببان.

السبب الأول لهذا الاقتران، هو أنه، عندما تأتي كلمةُ "السماوات" متبوعَة بكلمة "الأرض"، فإنه، سبحانه وتعالى، يُشِير إلى الكون. والسماوات تحتوي على المجرات les galaxies. وكل مجرَّةٍ تحتوي على ملايير النجوم. هذا هو الكون الذي هو من خلقِ الله.

أما السببُ الثاني، يتمثَّل في كون الأرض جزأً من الكون، وأنها هي التي اختارها اللهُ، سبحانه وتعالى، لتحمل الحياةَ، من منظورٍ بيولوجي وبجميع أشكالِها، بما في ذلك، حياة الإنسان، وذلك حسب ما هو وارِدٌ في القرآن الكريم وحسب، كذلك، ما بيَّنه العِلم الحديث.

والعلمُ الحديثُ لم يستطع، إلى يومنا هذا، أن يُفسِّرَ كُنهَ أو جوهرَ الحياة تفسيراً مقنِعاً. بل العلمُ الحديث اكتفى ويكتَفي بتفسير مظاهر الحياة، أي ما تتطلَّبُه لتستمِرَّ. وحتى القرآن الكريم لم يدخلْ في تفاصيل الحياة بالمعنى البيولوجي المُعاصِر. بل قال، سبحانه وتعالى، في هذا الشأن، في الآية رقم 29 من سورة الحجر : "فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ". وحتى القرآن الكريم لم يدخل في تفاصيل "النفخ" و"الروح"، مصداقا لقولِه، سبحانه وتعالى، في الآية رقم 85 من سورة الإسراء : "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً".

وما يُثيرُ الانتباهَ، كذلك، في الآية رقم 11 من سورة الشورى، هو الجزءُ الذي يقول فيه، سبحانه وتعالى : "…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…"، أي إذا اعتبرنا كلَّ الأشياء التي خلقها الله، سبحانه وتعالى، في الكون، فليس هناك ولو شيءٌ واحِدٌ يُشبِه كُنهَ أو جوهرَ الذات الإلهية. وهذا يعني أن العقلَ البشري، بتعدُّدِ خلفياته الفكرية، الاجتماعية والثقافية، ليس مؤهَّلاً لإدراك ماهية الذات الإلهية. لماذا؟

لأن العقلَ البشري لا يستطيع أن يُفكِّرَ إلا داخلَ الزمان والمكان، وبالتالي، ليس لهذا العقل البشري القدرة على تصوُّر الأشياء الأخرى خارج هذين الزمان والمكان، اللذان خُلِق فيهما وتعلَّم التَّفكيرَ داخِلَهما. وإن شئنا، الفكر البشري la pensée humaine مؤطَّر بالزمان والمكان، ونشاطُه رهين بوجودهما. بينما الذات الإلهية مستقِلَّة عن الزمان والمكان. وهذا سرٌّ من أسرار عدم إدراك جوهر هذه الذات.

وبالتالي، العقل البشري لا يمكنه أن يتصوَّرَ إلا الأشياء التي تحيط به في وسطِ عيشه. وحتى إن استطاع هذا العقلُ أن يسبحَ في عالمٍ من الأشياء الخيالية، فإن هذه الأشياء لا تخرج عن نِطاق الزمان والمكان، وبالتالي، فإن هذه الأشياء المُتخيَّلَة لا تشبِه، على الإطلاق، الذاتَ الإلهية. وباختصارٍ، كل ما عرفه ويعرفه وسيعرفُه الإنسانُ، داخلَ الزمان والمكان، لا يشبِه الذاتَ الإلهية.

ولعلَّ أهمَّ آيةٍ قرآنية تبيِّن أنه، سبحانه وتعالى، "…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…"، هي سورة الإخلاص المؤلَّفة من أربعة آياتٍ : "قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) "اللَّهُ الصَّمَدُ" (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ" (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4).

وَالآية المُتقارِبة من حيث المعنى ب"…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…"، هي الآية رقم 4 من سورة الإخلاص (لَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ)، بمعنى أنه لا مثيلَ له أو لا شبيهَ له. ومن ضمن العوائق التي تُبيِّن أنه "…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…"، أذكر ، على سبيل المثال :

-كما سبق الذكر ، عجز العقل البشري أن يُفكِّرَ خارجَ الزمان والمكان.

-الذات الإلهية مُتعالية transcendante عن كل شيء.

-الذات الإلهية لا بدايةَ ولا نهايةََ لها un être infini

-اقتصار قدرة العقل البشري في التفكير في الأمور الدنيوية.

-ارتكاز الإيمان على التَّصديق وليس على أدِلَّة مادية (ملموسة)، كما يفرض ذلك المنطق…

وفي هذا الصدد، ما يُستغرب له، هو أن بعضَ الناس نسوا أن العقلَ البشري محدودٌ مجال تفكيره le champ de la pensée humaine est limité، وبالتالي، لا يمكن أن يفكِّرَ إلا في الأمور الدنيوية التي تدور أطوارُها داخلَ الزمان والمكان. خارِجَ هذا النطاق، فالأمر مُدرَجٌ في علم الغيب. ومن المستغرب له وفيه، كذلك، هو أن بعض الناس المُشكِّكين في وجود الله وفي وحدانيتِه يدَّعون ما يلي : ما دام الله، سبحانه وتعالى، لا يُرى، فإنه غير موجود. هذا مجرَّد تفكيرٌ بشري ويفرِضُه اشتغال العقل البشري داخل الزمان والمكان، علماً أن هذا الاشتغالَ هو شيءٌ فطري une chose innée، أي مجبولٌ عليه العقل البشري. لهؤلاء الناس، أقول : "كيف تؤمنون بظواهر طبيعية لا تُرى ولا تؤمنون بوجود الله الذي هو، كذلك، لا يُرى"؟

وفي نهاية المطاف، الإيمان بالله وبوجوده وبوحدانيتِه son unicité، يعتمِد، فقط وحصرياً، على التصديق الصَّأدر من عمق النفس البشرية، علماُ أن الأمور الدنيوية التي تدعِّم هذا التَّصديق تتمثل في دقة الظواهر الطبيعية وفي تناغم ما يجري بداخلِها، علما أن الإيمانَ يجب أن يكون مُقترِناً بتصديق وجود الله ووحدانيتِه وملائكة ورسله وكُتبه المنزَّلة على الانبياء والرسل من أجل هداية البشر والقدر خيره وشرِّه واليوم الآخِرِ. حينها يكون الإيمانُ ب"…لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ…"، صادراً من أعماق النفس البشرية.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى