طارق حنفي – ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾

خواطر حول قوله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾
[آل عمران: 79]
ــــــــــــــ
أحيانًا، بدافع الحب، وبقصد التعظيم - وكثيرًا ما تكون غوايةً من الشيطان وتضليلًا - ينسب أتباعُ النبيّين والمرسلين إليهم أقوالًا وأفعالًا لا تليق إلا بالله وحده، لا شريك له.
بل قد يبلغ بهم الأمر أن يُعبّروا عن هذا التعظيم بالسجود أو بما يشبهه، وهو مما لا يكون إلا لله سبحانه.
وقد رُوي أن بعض الصحابة - حبًّا وتعظيمًا للنبي ﷺ - أرادوا أن يسجدوا له تكريمًا، بل سألوه الإذن في ذلك، فنزل قول الله تعالى:
﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ... وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾.
………
قال أهل التفسير:
المراد بالربانيين أن يكون الدافع إلى الأفعال طلبَ مرضاة الله، وأن يكون الصارف عنها الخوفَ من عقابه.
وقيل: كونوا منسوبين إلى الرب سبحانه، مخلصين له؛ فالنسبة إلى الشيء إنما تكون لشدّة الاختصاص به.
وذكر الإمام الطبري أقوالًا متعددة، منها: أنهم الحكماء العلماء، الفقهاء البصراء.
وقيل: هم الذين يُربّون الناس؛ فهم عمادهم في العلم والفقه، وفي شؤون الدين والدنيا. والرباني هو الجامع بين العلم والفقه، والبصيرة في السياسة والتدبير، والقيام على مصالح الناس بما يصلح دنياهم وآخرتهم.
………
ويقول الشيخ الشعراوي رحمه الله:
خذوا المنهج من الله، من كتبه، وعلى لسان رسله، وتدبّروا؛ لتربّوا من تحت أيديكم على منهج الله: "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته".
وهذا هو طريق الصلاح، أما الفساد فينشأ حين نحيد عن منهج الله وسننه.
………
ومن هنا نقول:
بقدر ما يُربَّى المربّي في نفسه، وبقدر ما يُزكّي علمه وخلقه، يكون أثره فيمن يُربّي.
فالعالم - على سبيل المثال - يتّسع تأثيره بقدر علمه وعمله، وبقدر صدقه فيما يعلم؛ فكلما ازداد فهمًا وخبرةً، واقترن علمه بالعمل، عظم نفعه واتّسع أثره.
أما محمد ﷺ، فقد ربّاه ربّه، وعلّمه، ونوّر قلبه؛ فكان نورًا ممدودًا بنور الله، ضياؤه لا يخبو، وفطرته سليمة باقية، وخُلُقه القرآن.
فهو أعلم الخلق بربه، وأعرفهم بشرعه ومنهجه، وأشدّهم تحقيقًا لما يريده الله من عباده.
امتلأ قلبه بنور المعرفة، ففاض على قوله وعمله وخلقه، فكان أعظم داعٍ إلى الله، وأكمل مربٍّ للبشر.
وسنّته ﷺ بيانٌ لما يُقرّب إلى الله، ونورٌ يهدي، ومنهجٌ يُربّي ويُعلّم العالمين.
………
اللهم اجعل لنا نورًا موصولًا بنور نبيّك، موصولًا بنورك،
وصلِّ وسلّم وبارك على السراج المنير، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.

طارق حنفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
أعلى