بقلم: خالد صالح عطية
مارس 2026
في لحظةٍ يتكاثر فيها الحديث عن فرص التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو المشهد عند تفكيكه أبعد ما يكون عن تسوية، وأقرب إلى نمط خاص من الصراع لا يسعى إلى الحسم، بل إلى إدارته ضمن حدود قابلة للاحتواء.
هذا التحول لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تطور سياسي ظرفي، بل يأتي ضمن سياق أوسع كنت قد حاولت مقاربته في نص “عالم بلا مركز”، حيث لم يعد السؤال متعلقًا بمآلات الصراع، بل بطبيعة العالم الذي يسمح لهذا الصراع أن يستمر دون حسم.
فلا توجد مفاوضات مباشرة مكتملة، بل قنوات اتصال غير مباشرة تُدار عبر وسطاء إقليميين ودوليين، من سلطنة عُمان إلى مصر وباكستان وتركيا، هدفها ليس إنتاج اتفاق نهائي، بل ضبط الإيقاع ومنع الانفجار. وهنا لا تكون الدبلوماسية بديلاً عن القوة، بل امتدادًا لها بأدوات مختلفة.
بهذا المعنى، لا يتحرك الطرفان داخل مسار تفاوضي تقليدي، بل داخل بنية صراع تُعاد فيها صياغة التفاوض نفسه بوصفه أداة من أدوات الاشتباك. فالتفاوض لم يعد طريقًا لإنهاء الصراع، بل أحد أشكاله.
غير أن التحول الأعمق لا يظهر في الخطاب السياسي، بل في الجغرافيا.
فقد انتقل مركز الثقل من طاولات التفاوض إلى الممرات البحرية، حيث تحوّل مضيق هرمز من ورقة ضغط محتملة إلى نقطة اختناق فعلية. ومع تراجع حركة الملاحة وارتفاع المخاطر، دخلت الأسواق في حالة اضطراب حاد، انعكس في قفزات سعرية وتقلبات مرتبطة بأي تطور ميداني.
لكن ما يجري هنا لا يمكن اختزاله في “تهديد لإمدادات الطاقة”، بل يشير إلى تحوّل في طبيعة القوة نفسها.
فالممرات البحرية لم تعد مجرد خطوط عبور، بل أصبحت أدوات لإعادة تعريف الفاعلية في النظام الدولي. لم تعد القوة تُمارس فقط عبر السيطرة المباشرة، بل عبر القدرة على تعطيل التدفق. أي أن التأثير لم يعد يُقاس بما تفرضه الدول، بل بما تستطيع منعه.
وهنا نقترب من مفارقة أعمق:
القوة لم تعد تُنتج النظام،
بل باتت قادرة على تهديد شروط عمله دون أن تمتلك بديلاً عنه.
ولا يقف الأمر عند مضيق هرمز. فباب المندب، الذي يمر عبره جزء مهم من تجارة الطاقة، يتحول تدريجيًا إلى امتداد محتمل لهذا الاختناق، ما يخلق قوس ضغط بحري يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
هذا القوس لا يعكس مجرد تصعيد جغرافي، بل يكشف عن نمط جديد من الاشتباك:
حيث تصبح الجغرافيا نفسها بنية للصراع، لا مسرحًا له.
ورغم هذه القدرة، لم تقدم إيران على إغلاق شامل لهذه الممرات، ليس عجزًا بل حسابًا. فالتعطيل الكامل لا يعني تحقيق نصر، بل إدخال النظام العالمي في حالة ارتجاج قد تتجاوز كلفة التحكم بها.
وهنا يظهر تحول آخر في منطق الصراع:
لم يعد الهدف كسر الخصم،
بل إبقاؤه تحت ضغط مستمر دون دفعه إلى حافة الانفجار.
أي أننا أمام ما يمكن تسميته بـ”الاختناق المُدار”،
حيث يُستخدم التهديد بالانهيار دون السماح بحدوثه فعليًا.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة محكومة بمعادلة أكثر تعقيدًا مما يظهر في خطابها. فإلى جانب الحسابات العسكرية، يبرز الداخل الأمريكي كعامل بنيوي في رسم حدود القرار.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتصاعد الجدل حول جدوى الانخراط في مواجهة واسعة، وسط تباينات داخل النخبة السياسية والأمنية حول طبيعة التهديد الإيراني وحدود التعامل معه.
لكن أهمية هذا العامل لا تكمن فقط في تأثيره على القرار، بل في ما يكشفه:
أن “مركز القرار” نفسه لم يعد مركزًا صلبًا.
فالسياسة الخارجية لم تعد تُنتج من موقع واحد متماسك، بل من تفاعل معقد بين مؤسسات وضغوط داخلية وخارجية، ما يجعل القرار أقرب إلى نتيجة توازنات، لا تعبيرًا عن إرادة موحدة.
وهذا بدوره يعيد طرح سؤال أعمق:
إذا كان مركز القوة نفسه غير مستقر،
فكيف يمكن الحديث عن نظام مستقر؟
في هذا السياق، تتداخل الضغوط الخارجية مع الحسابات الداخلية. فإسرائيل تميل إلى رفع سقف التصعيد، سعيًا لإعادة تشكيل ميزان القوة، بينما تحاول واشنطن إدارة هذا الاندفاع ضمن حدود لا تؤدي إلى مواجهة شاملة.
لكن هذا التباين لا يعكس خلافًا تكتيكيًا فقط، بل اختلافًا في تصور طبيعة الصراع نفسه:
هل هو قابل للحسم،
أم محكوم بالإدارة طويلة الأمد؟
وبين هذا وذاك، تعمل قنوات خلفية عبر الوسطاء، لا لإنتاج تسوية، بل لتحديد حدود الاشتباك ومنع تجاوزها.
في هذه المساحة الرمادية، يحتفظ كل طرف بخطابه المتشدد في العلن، مقابل مرونة تكتيكية في الكواليس. وهنا، لا يكون التناقض خللًا، بل شرطًا من شروط استمرار الصراع.
فلسطين خارج المشهد… أم في قلب إعادة تشكيله؟
غير أن ما يظل غائبًا—أو مغيَّبًا—في هذا المشهد المركب، هو موقع فلسطين داخل هذه البنية من الصراع المُدار.
فبينما تتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط، وتُعاد صياغة التوازنات عبر الطاقة والجغرافيا، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تتحرك على هامش هذه المعادلات. لكن هذا الانطباع قد يكون مضلّلًا.
لأن ما يجري فعليًا ليس إخراجًا لفلسطين من الصراع، بل إعادة تعريف موقعها داخله.
فالحروب، كما تُظهر هذه اللحظة، لا تُنتج فقط نتائج عسكرية، بل تعيد رسم خرائط المعنى السياسي للإقليم. وفي هذا المستوى، لا يُطرح السؤال فقط: من ينتصر؟ بل: من ينجح في ترجمة ما يجري إلى موقع داخل النظام الذي يتشكل.
وهنا تظهر مفارقة مركزية:
أن فلسطين، رغم كونها جوهر الصراع تاريخيًا، قد تتحول—إن لم تُعاد صياغة موقعها—إلى نتيجة من نتائجه، لا محدد من محدداته.
ففي حين تسعى إيران إلى تحويل الصمود إلى معادلة ردع، وتحاول الولايات المتحدة وإسرائيل منع هذا التحول من الترسخ، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن لهذا الصراع أن يعيد إدراج فلسطين في قلب التوازنات،
أم أنه سيُعيد إنتاج تهميشها ضمن نظام إقليمي جديد؟
بهذا المعنى، لا تكون المسألة فلسطينية فقط، بل بنيوية:
هل يمتلك الفاعل الفلسطيني القدرة على تحويل حضوره من موقع التأثر إلى موقع التأثير؟
أم أن ما يجري سيُبقيه داخل منطق “الفاعلية التراكمية” دون القدرة على كسر البنية؟
وفي هذا المستوى تحديدًا، لا تعود فلسطين مجرد قضية داخل الصراع،
بل تصبح اختبارًا لقدرة هذا العالم—بكل تحوّلاته—على إنتاج معنى سياسي يتجاوز إدارة الأزمات إلى إعادة تعريفها.
في المحصلة، لا يقف العالم أمام حرب شاملة ولا أمام تسوية قريبة، بل أمام حالة مركبة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الطاقة، والاقتصاد مع السياسة الداخلية، والتصعيد مع التهدئة.
لكن الأهم من ذلك أن ما يتكشف هنا ليس مجرد أزمة عابرة، بل تجلٍ ملموس لتحول أعمق:
عالم لم تعد فيه القوة قادرة على إنتاج نظام،
ولا الصراعات قادرة على أن تنتهي.
وفي هذا المستوى تحديدًا، لا يُعاد رسم ميزان القوة بين الدول فحسب،
بل يُختبر معنى القوة ذاته:
هل ما زالت أداة للحسم،
أم أصبحت—كما تشير هذه اللحظة—أداة لإبقاء العالم على حافة اختناق لا ينفجر… ولا ينتهي؟
مارس 2026
في لحظةٍ يتكاثر فيها الحديث عن فرص التهدئة بين الولايات المتحدة وإيران، يبدو المشهد عند تفكيكه أبعد ما يكون عن تسوية، وأقرب إلى نمط خاص من الصراع لا يسعى إلى الحسم، بل إلى إدارته ضمن حدود قابلة للاحتواء.
هذا التحول لا يمكن فهمه بوصفه مجرد تطور سياسي ظرفي، بل يأتي ضمن سياق أوسع كنت قد حاولت مقاربته في نص “عالم بلا مركز”، حيث لم يعد السؤال متعلقًا بمآلات الصراع، بل بطبيعة العالم الذي يسمح لهذا الصراع أن يستمر دون حسم.
فلا توجد مفاوضات مباشرة مكتملة، بل قنوات اتصال غير مباشرة تُدار عبر وسطاء إقليميين ودوليين، من سلطنة عُمان إلى مصر وباكستان وتركيا، هدفها ليس إنتاج اتفاق نهائي، بل ضبط الإيقاع ومنع الانفجار. وهنا لا تكون الدبلوماسية بديلاً عن القوة، بل امتدادًا لها بأدوات مختلفة.
بهذا المعنى، لا يتحرك الطرفان داخل مسار تفاوضي تقليدي، بل داخل بنية صراع تُعاد فيها صياغة التفاوض نفسه بوصفه أداة من أدوات الاشتباك. فالتفاوض لم يعد طريقًا لإنهاء الصراع، بل أحد أشكاله.
غير أن التحول الأعمق لا يظهر في الخطاب السياسي، بل في الجغرافيا.
فقد انتقل مركز الثقل من طاولات التفاوض إلى الممرات البحرية، حيث تحوّل مضيق هرمز من ورقة ضغط محتملة إلى نقطة اختناق فعلية. ومع تراجع حركة الملاحة وارتفاع المخاطر، دخلت الأسواق في حالة اضطراب حاد، انعكس في قفزات سعرية وتقلبات مرتبطة بأي تطور ميداني.
لكن ما يجري هنا لا يمكن اختزاله في “تهديد لإمدادات الطاقة”، بل يشير إلى تحوّل في طبيعة القوة نفسها.
فالممرات البحرية لم تعد مجرد خطوط عبور، بل أصبحت أدوات لإعادة تعريف الفاعلية في النظام الدولي. لم تعد القوة تُمارس فقط عبر السيطرة المباشرة، بل عبر القدرة على تعطيل التدفق. أي أن التأثير لم يعد يُقاس بما تفرضه الدول، بل بما تستطيع منعه.
وهنا نقترب من مفارقة أعمق:
القوة لم تعد تُنتج النظام،
بل باتت قادرة على تهديد شروط عمله دون أن تمتلك بديلاً عنه.
ولا يقف الأمر عند مضيق هرمز. فباب المندب، الذي يمر عبره جزء مهم من تجارة الطاقة، يتحول تدريجيًا إلى امتداد محتمل لهذا الاختناق، ما يخلق قوس ضغط بحري يمتد من الخليج إلى البحر الأحمر.
هذا القوس لا يعكس مجرد تصعيد جغرافي، بل يكشف عن نمط جديد من الاشتباك:
حيث تصبح الجغرافيا نفسها بنية للصراع، لا مسرحًا له.
ورغم هذه القدرة، لم تقدم إيران على إغلاق شامل لهذه الممرات، ليس عجزًا بل حسابًا. فالتعطيل الكامل لا يعني تحقيق نصر، بل إدخال النظام العالمي في حالة ارتجاج قد تتجاوز كلفة التحكم بها.
وهنا يظهر تحول آخر في منطق الصراع:
لم يعد الهدف كسر الخصم،
بل إبقاؤه تحت ضغط مستمر دون دفعه إلى حافة الانفجار.
أي أننا أمام ما يمكن تسميته بـ”الاختناق المُدار”،
حيث يُستخدم التهديد بالانهيار دون السماح بحدوثه فعليًا.
في المقابل، تبدو الولايات المتحدة محكومة بمعادلة أكثر تعقيدًا مما يظهر في خطابها. فإلى جانب الحسابات العسكرية، يبرز الداخل الأمريكي كعامل بنيوي في رسم حدود القرار.
ومع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، يتصاعد الجدل حول جدوى الانخراط في مواجهة واسعة، وسط تباينات داخل النخبة السياسية والأمنية حول طبيعة التهديد الإيراني وحدود التعامل معه.
لكن أهمية هذا العامل لا تكمن فقط في تأثيره على القرار، بل في ما يكشفه:
أن “مركز القرار” نفسه لم يعد مركزًا صلبًا.
فالسياسة الخارجية لم تعد تُنتج من موقع واحد متماسك، بل من تفاعل معقد بين مؤسسات وضغوط داخلية وخارجية، ما يجعل القرار أقرب إلى نتيجة توازنات، لا تعبيرًا عن إرادة موحدة.
وهذا بدوره يعيد طرح سؤال أعمق:
إذا كان مركز القوة نفسه غير مستقر،
فكيف يمكن الحديث عن نظام مستقر؟
في هذا السياق، تتداخل الضغوط الخارجية مع الحسابات الداخلية. فإسرائيل تميل إلى رفع سقف التصعيد، سعيًا لإعادة تشكيل ميزان القوة، بينما تحاول واشنطن إدارة هذا الاندفاع ضمن حدود لا تؤدي إلى مواجهة شاملة.
لكن هذا التباين لا يعكس خلافًا تكتيكيًا فقط، بل اختلافًا في تصور طبيعة الصراع نفسه:
هل هو قابل للحسم،
أم محكوم بالإدارة طويلة الأمد؟
وبين هذا وذاك، تعمل قنوات خلفية عبر الوسطاء، لا لإنتاج تسوية، بل لتحديد حدود الاشتباك ومنع تجاوزها.
في هذه المساحة الرمادية، يحتفظ كل طرف بخطابه المتشدد في العلن، مقابل مرونة تكتيكية في الكواليس. وهنا، لا يكون التناقض خللًا، بل شرطًا من شروط استمرار الصراع.
فلسطين خارج المشهد… أم في قلب إعادة تشكيله؟
غير أن ما يظل غائبًا—أو مغيَّبًا—في هذا المشهد المركب، هو موقع فلسطين داخل هذه البنية من الصراع المُدار.
فبينما تتحول الممرات البحرية إلى أدوات ضغط، وتُعاد صياغة التوازنات عبر الطاقة والجغرافيا، تبدو القضية الفلسطينية وكأنها تتحرك على هامش هذه المعادلات. لكن هذا الانطباع قد يكون مضلّلًا.
لأن ما يجري فعليًا ليس إخراجًا لفلسطين من الصراع، بل إعادة تعريف موقعها داخله.
فالحروب، كما تُظهر هذه اللحظة، لا تُنتج فقط نتائج عسكرية، بل تعيد رسم خرائط المعنى السياسي للإقليم. وفي هذا المستوى، لا يُطرح السؤال فقط: من ينتصر؟ بل: من ينجح في ترجمة ما يجري إلى موقع داخل النظام الذي يتشكل.
وهنا تظهر مفارقة مركزية:
أن فلسطين، رغم كونها جوهر الصراع تاريخيًا، قد تتحول—إن لم تُعاد صياغة موقعها—إلى نتيجة من نتائجه، لا محدد من محدداته.
ففي حين تسعى إيران إلى تحويل الصمود إلى معادلة ردع، وتحاول الولايات المتحدة وإسرائيل منع هذا التحول من الترسخ، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل يمكن لهذا الصراع أن يعيد إدراج فلسطين في قلب التوازنات،
أم أنه سيُعيد إنتاج تهميشها ضمن نظام إقليمي جديد؟
بهذا المعنى، لا تكون المسألة فلسطينية فقط، بل بنيوية:
هل يمتلك الفاعل الفلسطيني القدرة على تحويل حضوره من موقع التأثر إلى موقع التأثير؟
أم أن ما يجري سيُبقيه داخل منطق “الفاعلية التراكمية” دون القدرة على كسر البنية؟
وفي هذا المستوى تحديدًا، لا تعود فلسطين مجرد قضية داخل الصراع،
بل تصبح اختبارًا لقدرة هذا العالم—بكل تحوّلاته—على إنتاج معنى سياسي يتجاوز إدارة الأزمات إلى إعادة تعريفها.
في المحصلة، لا يقف العالم أمام حرب شاملة ولا أمام تسوية قريبة، بل أمام حالة مركبة تتقاطع فيها الجغرافيا مع الطاقة، والاقتصاد مع السياسة الداخلية، والتصعيد مع التهدئة.
لكن الأهم من ذلك أن ما يتكشف هنا ليس مجرد أزمة عابرة، بل تجلٍ ملموس لتحول أعمق:
عالم لم تعد فيه القوة قادرة على إنتاج نظام،
ولا الصراعات قادرة على أن تنتهي.
وفي هذا المستوى تحديدًا، لا يُعاد رسم ميزان القوة بين الدول فحسب،
بل يُختبر معنى القوة ذاته:
هل ما زالت أداة للحسم،
أم أصبحت—كما تشير هذه اللحظة—أداة لإبقاء العالم على حافة اختناق لا ينفجر… ولا ينتهي؟