انجاز : الدكتور رشيد هيبا
– المغرب –
التصميم
تقديـــــم
1-العتبات النصية
2-صوفية الذات في مواجهة نزوة البترول
3-السردية النفطية، من حياة الصحراء إلى حياة آبار النفط – رؤى وهواجس-
4-الديبلوماسية الشعرية – رؤية مغايرة –
5-سردية البترول والأزمات الإنسانية
خاتمــــة
لائحة المراجع
تقـــــــــــــديم
إن ديوان قصائد بترولية، شبيه من حيث عوامل صدوره، برواية " مدن الملح" لعبد الرحمن منيف، ذلك أن هذه الرواية تطرقت لأهم التحولات التي عرفتها المجتمعات الخليجية، خاصة بعد اكتشاف البترول، فهي الوثيقة الأدبية الأولى والوحيدة عن حكاية العلاقة بين حياة البداوة وبين النفط، وعن القهر الذي سيهيمن بعد دخول الشركات العالمية الدولية من اجل استغلال هذه الثروة الحيوية. ولقد اكتشف الدكتور مانع سعيد العتيبة أن البترول مادة شعرية جديدة يلزم الانتباه إليها، حيث وجد من خلال هذه الثروة متنفسا ومرونة لفهم مجموعة من العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول، سواء في مراحل الإنتاج أو التسويق أو تحديد الأسعار، ولعل هذا الديوان المائز يعتبر من أهم دواوين الدكتور مانع سعيد العتيبة: لكثرة المعلومات الحقيقية الواردة فيه، ولحضور نفس الشاعر من خلال ترسيخ منظومة من القيم الايجابية القائمة على الحمد والصدق والتصوف وإظهار الفروسية التي تميز بها المجتمع العربي خاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتمسك بقيم الصحراء والبادية، مع إظهار الشجاعة في مواجهة من يحاولون استنزاف ثروات الأمة العربية أو استغلالها، فالديوان يتضمن ثلاثا وعشرين قصيدة: مبنية على وحدة موضوعية وهي قضية البترول وعلاقته بالإنسان والسياسة الاقتصاد وهذه القصائد تتضمن كذلك تصورات وتأملات خاصة بالشاعر، وكأنه يرفض أن يحول هذه القصائد إلى مجرد وثائق تاريخية أو اقتصادية أو سياسية، بل ينزع الشاعر إلى إعطاء معنى متدفق تنبع منه أصالة الإنسان العربي، كما أن هذه القصائد تقدم أمرين أساسيين هما :
الديبلوماسية الشعرية المرتبطة بالدبلوماسية الاقتصادية والسياسية.
هيمنة السردية النفطية في كل القصائد مما استوجب معه أن يكون عنوان هذا الديوان متوازيا مع موضوعاته.
ولهذا ستروم هذه الدراسة البحث في أهم المضامين الشعرية التي تبناها الشاعر، مع تحديد وجهة نظرة في التحولات التي أحدثتها الثورة النفطية في العالم عامة، والمنطقة العربية ودولة الإمارات العربية خاصة.
1/ العتبات النصية
إن العتبات النصية تستلهم أهميتها من قدرتها على مساعدة المتلقي من أجل ولوج أعماق النص، فهي تعد مفتاحا لفهم النص، وفك رموزه والتخلص من الغموض الموجود فيه. فلا يمكن للقارئ أن يتجاهل هذه العتبات لأنها تصبح وسيطا بين النص والقارئ. كما أن هذه العتبات تشكل نظاما إشاريا ومعرفيا لا يقل أهمية عن المتن. فالعتبات في النص هي مجموع اللواحق والمكملات المتممة لنسيج النص الدال، لأنها "خطاب قائم بذاته له ضوابطه وقوانينه، التي تفضي بالقارئ إلى القراءة الحتمية للنص"[ - مدخل إلى عتبات النص : بلال عبد الرزاق : دراسة في مقدمات النقد العربي القديم، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، سنة 2000م، ص 16]، ولعل قراءة ديوان "قصائد بترولية" لفضيلة الدكتور مانع سعيد العتيبة، يستلزم أولا المرور عبر العتبات النصية لهذا الديوان، ومحاولة فهم علاقة هذه العتبات بالمضامين الشعرية. فعتبة الغلاف تؤكد على العلاقة الجدلية والموضوعية لِما يمكن أن تحمله القصائد المبثوثة في الديوان من مضامين فصورة الغلاف تتضمن أولا اسم المؤلف باللغتين العربية والفرنسية إضافة إلى آلة ضخمة تشير إلى مسألة التنقيب عن البترول ضمن نطاق الصحراء، مع وجود هوامش من الألوان ذات التشكل المتموج، وحضوري قوى لألوان متنوعة، لكن اللون الذهبي الأصفر المرتبط بالرمال يظل أكثر حضورا في الغلاف، ويلاحظ من خلال هذا الغلاف حضور أوراق بيضاء مخطوطة، كأنها وثائق مرتبطة بمضمون العنوان والصورة، ويبدو أن عنوان "قصائد بترولية" يلخص حقيقة أسرار هذه الأوراق المبعثرة، غير الواضحة الخطوط، وجاءت الصفحة الأولى بعد الغلاف، مختلفة من حيث الشكل واللون. فقد اقتصرت على اللون الأبيض مع عنوان الديوان وسنة الطبخ 2020 م، وعدد طبعة الديوان (112)، ومدينة الطبع (أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة) وفي الصفحة الثانية يتم إضافة مجموعة من مواقع التواصل الاجتماعي المرتبطة بشكل مباشر بالدكتور مانع سعيد العتيبة. أما بالنسبة لعتبة العنوان فقد جاء عبارة عن مبتدأ وخبر نكرة، وهو من فصيلة العناوين الاسمية الواضحة، لكن المميز في العنوان، أنه توشح بمفهوم مرتبط بمجموعة من السياقات نقديا وأدبيا أو فنيا في نفس الآن. إذ نتساءل في هذا السياق، لِمَ لَمْ يتم تسمية الديوان، "بأشعار بترولية" مثلا؟ ويبدو الجواب واضحا ومرتبطا بالخلفية النقدية والأدبية للدكتور مانع سعيد العتيبة الشاعر والأكاديمية، ذلك أن "فروسية الإبداع" التي تميز بها جعلته قادرا على التمييز بين المصطلحات النقدية، فالقصيدة لها مفهومها النقدي الذي يؤطرها، أما الشعر فله مفهوم آخر مرتبط بالتراث الشعري وبالتجربة والممارسة الشعرية، كما أن ارتباط مفهوم القصيدة بجانب من جوانب الاقتصاد، جعل من العنوان أكثر فرادة وتميزا وبراعة. وبحسب إطلاعي على مدونة الشعر العربي الحديث، لم اعثر على ديوان شاعر اهتم بمسألة البترول سواء في الخليج أو في العالم بأسره، خصوصا وأن هذه المادة كان لها تأثير كبير في تحديد السياسة العالمية، وتحديد نظام العلاقات الدولية، إضافة إلى أن أكثر الحروب المعاصرة، كانت مرتبطة بمناطق وسوق البترول، ومن هنا يكتسي العنوان أهمية بالغة كبوابة ومعبر لفهم مضامين هذا الديوان.
أما بخصوص عتبة التقديم والمقدمة، فإن الدكتور مانع سعيد العتيبة يعتبر سنة 2020 م، هي سنة "الانجازات وأهم أعوام الحصاد"[ - مقدمة ديوان : قصائد بترولية : الدكتور سعيد مانع العتيبة، دار الواحة للاعلام، ابوظبي سنة 2020- ص 01]. هي سنة طباعة سجل العمر، وتوثيق أمين للأحداث والمراحل التي وثقها الدكتور وهي مرتبطة بدولة الإمارات العربية المتحدة خاصة في مرحلة السلطان الشيخ زائد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ويشير فضيلة الدكتور أن سنة 2020 كذلك، كانت سنة إعادة إصدار الدواوين الشعرية الفصيحة والنبطية والتي وصل عددها إلى مائة ديوان، وقد قدم فضيلة الدكتور في هذا التقديم وعدا بالاستمرار في مسيرة العطاء الفنية والفكرية دعما للأجيال القادمة وقد تم تأريخ هذا التقديم الخاص بصاحب الديوان يومه 15/05/2020.
أما على مستوى المقدمة الموجودة في الديوان، فإن الشاعر يذكر بتاريخ صدور ديوان "قصائد بترولية" لأول مرة سنة 1985، ويشرح لنا فضيلة الدكتور سبب جمع هذا الديوان، ففي بداية الأمر لم يكن هناك أي تفكير في جمع ديوان مرتبط بموضوع البترول، وصدوره يرجع أساسا إلى :
الأحداث والمواقف التي مر بها الشاعر هي التي فرضت جمع هذه القصائد.
إن الشاعر يعتبر الشعر كفن هو تجسيد لحالة الشاعر الشعورية"[ - قصائد بترولية : ص 3]، وتعبير عن رؤيته للعالم، كما أنه "تعبير عن وجهة نظر في قضية أو موقف"[ - نفسه : ص 3]
إن كثرة القصائد وتدفقها ووحدتها الموضوعية المرتبطة بغرض "البترول" كلها حوافز ساهمت في جمع هذا الديوان.
إن الديوان جاء بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاما على إنشاء منظمة الأقطار المصدرة للبترول، باللغتين العربية والانجليزية.
فصل القصائد عن الترجمة المرافقة لها في الديوان نفسه، ومن تم فإن هذه الطبعة الأخيرة خالية من الترجمة.
إضافة قصيدة واحدة في بداية الألفية الجديدة مرتبطة بموضوع البترول، بعد صمت استمر بحسب بوح الشاعر، اثني عشر عاما.
إن قصائد هذا الديوان بحسب الدكتور سعيد مانع العتيبة " تلقى الضوء على فترة زمنية هامة مرت بها الصناعة البترولية..."[ - نفسه : ص 6]، ذلك أن الشاعر يؤكد على مسألة الشفافية والوضوح والبوح في مسائل القضايا البترولية المحلية أو الدولية، التي طرحتها المنظمة الدولية " أوبك" في مؤتمراتها الوزارية.
إن الدكتور مانع سعيد العتيبة يؤكد على مسألة نشر هذه القصائد في العديد من الصحف والمجلات العربية والأجنبية، إلا أن مسألة تجميع هذه القصائد البترولية من خلال الديوان له مبرره بحسب الشاعر، فقد جعل هذه القصائد " سجلا تاريخيا وسياسيا يحمل وجهة نظري من خلال معايشتي لتلك الأحداث والتطورات... ومن خلال مشاركتي في صنع قرارات منظمة اوبك..."[ - نفسه : ص 5] بصفة عامة إن مثل هذه العتبات النصية التي التزم بها الشاعر في هذا الديوان ساهمت في إثارة أهم القضايا التي تتضمنها هذه القصائد البترولية، ويبدو أن العنوان وصورة الغلاف، جعلت المتلقي يسرح بخياله لفهم المشترك بين الشعر / الفن وبين الاقتصاد ووحشية العالم المادي، وهذا يزيد الديوان قوة تأثير وترويج، وتعمل هذه العتبات كلها على استفزاز ملكة المتلقي، ليخوض غمار قراءة متأنية وواعية وعيا نقديا، وتاريخيا وسياسيا واقتصاديا، حتى يتمكن من ربط متزن بين دلالة العنوان وبين مضامين القصائد الكثيرة المبثوثة في الديوان.
2/ صوفية الذات في مواجهة نزوة البترول
لقد ربط أرسطو وظيفة الشعر بالطبيعة الإنسانية في بعثها عن المتعة والإحساس بالجمال، فالشعر مرتبط بالطبيعة الإنسانية سواء من خلال المحاكاة، أو من خلال الالتذاذ بالأشياء المحكية..."[ - فن الشعر : أرسطو طاليس : ترجمة متى بن يونس، تح شكري عياد – دار الكتاب – القاهرة : سنة 1967 – ص 36]، وهذا يعني أن هناك خلفيات ثقافية ومعرفية متحكمة ي توجيه الشعر وتحديد وظيفية، وبما أن الشعر لا يصدر إلا من المشاعر، فإن ارتباطه بالقيم هو ارتباط متين وقوي إيجابا وسلبا، "فالشعر هو الذي البس التضحية حللا قشيبة في عيون الأبطال، ووهب في الموت طعما لذيذا، وبعث الأمل يانعا في خواطر اليائسين، وزين البذل والسخاء في نظر الملوك والسلاطين والأمراء وحل مشاكل كانت مستعصية، والشعر أعطى حياة الإنسان معنى إنسانيا لا سبيل إلى التغاضي عنه... والشعر إلى جانب الفلسفة ساهم في بث روح التساؤل عن المصير، ومغزى الوجود على هذا الكوكب والثورة على كل مظاهر التشويه والنقصان والوحشية المادية والمعنوية، وخلق التوتر والقلق الوجودي ولعل مثل هذه التصورات كانت حاضرة في ديوان "قصائد بترولية" فالذات / الشاعر رغم انشغالاته وهمومه الاقتصادية المرتبطة بمادة البترول، إلا أنه يرفض أن ينصهر في أَتُونِ عالم المادة المتوحش، على اعتبار أن البترول قد خلق ثورة اقتصادية رهيبة في العالم بصفة عامة، وفي دول الخليج خاصة، ولعل اختيار الدكتور مانع سعيد العتيبة التعبير عن طريق الشعر هو تأكيد على التمسك بعالم المشاعر المرهفة والكلمة العميقة، فالأشعار هي بوح، والبوح " همسات نفس وخفقات قلب "[ - حوارية البوح واللمح في كتابات الدكتور مانع سعيد العتيبة: عبد الكريم الفرحي – منشورات المركز الأكاديمي للثقافة، والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز- فاس مطبعة انفو-برانت سنة 2023 / ص6] ويبدو أن الخطاب الشعري الصادر من خلال هذا الديوان يسعى إلى الجمع بين ثنائيات مرتبطة بذات الشاعر وبعالم البترول، حيث نجد الخطاب البوحي واللمحي، والذاتي والموضوعي، والتلميحي والتصريحي، والمادي والصوفي... وهذا الخطاب المتنوع ولَّدَ شعرية خاصة، ففي آخر الديوان نعثر على قصيدة تختزل رؤية الشاعر الخاصة، والمتصوفة، ففي قصيدة " الحب قبل النفط"[ - ينظر الديوان : ص 163] ، يبدأ الشاعر بالتحميد وهذا الأمر مرتبط، بتَرسُّخ "شعرية الإحْمَادِ" حيث يعرف الدكتور عبد الكريم الفرحي هذه الظاهرة "بتبيُّن استحقاق الحمد، وشكر المحمود.. وشكر النعمة والإقرار بها للمنعم وحده، من طريق البيان وجارحة اللسان"[ - حوارية البوح واللمح : ص 36-37]، يقول الشاعر[ - قصائد بترولية : ص 157] :
شكرا لرب العالمين أحاطني
شكرا إلهي أنت من أعطيتني
برعاية وحماية موفورة
حب الورى في سائر المعمورة
والحمد عند الشاعر مقترن، بعد شكر الله والثناء عليه، بصحبة الأخيار، والشيخ زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رحمه الله كان يشكل شرفا لكل مصاحبة طيبة[ - نفسه : ص 158].
وأنا بهدي الله سرت إلى العلا
فأبو خليفة كان بدر ظلامنا
مع زايد في رحلة منصورة
لولاه ما مسخ الدجى ديجوره
ويبدوا أن شعرية الإحْماد هي استشفاف روحي، وتسامي تتحقق من خلاله قيم الشكر والصدق والبساطة والوفاء يقول:[ - قصائد بترولية : ص 158]
من زايد حزت البساطة والندى
وكرهت زيف الأنفس المغرورة
إن استهلال الشاعر قصيدته بشعرية الإحْماد، ليس إلا شكرا لله وإقرارا بالحمد للمنعم الواجد الماجد، ومصافاة روحية تعبر عن مقاومة لكل أشكال امتهان الذات في نزوعها نحو عالم المادة والسلطة والمال، والدكتور مانع سعيد العتيبة ينفي مسألة انخراطه في تجارة البترول بطريقة لا تتلائم مع اختياراته وميولاته النفسية والثقافية والاقتصادية لان الشاعر يمتاح من معالم الكون الشعري، ما يجعله متميزا عن الآخرين في تناولهم لقضية البترول، ومعالم هذا الكون الشعري ينطلق لدى الشاعر الإماراتي عموما، والدكتور مانع سعيد العتيبة من قيم الاعتزاز بالفروسية، باعتبارها قدوة في بيئة الصحراء...والتشبث بالعفة والكرامة والحرية... وهي عناصر تشكل تلك الرؤى الصوفية التي كانت تسكن الشاعر يقول :[ - قصائد بترولية : 158 -159]
أنا ما جعلت النفط سلعة مترف
بل شئته خيرا لعالمنا الذي
ناديت طول العمر بالحب الذي
وسلاح إرهاب يصب شروره
ثرواته يا صاحبي مهدورة
يهب الجميع سلامه وسروره
إن التأكيد على قيم الحب، هو أمر نابع من فلسفة الشاعر ونظرته للحياة وللكون، ولأن مكونات الفروسية الأصيلة هي ساكنة في أعماقه، فإن هذا الحب مرتبط بالبساطة يقول في نفس القصيدة.[ - نفسه : ص 160]
إن البساطة لي بساط محبة
الحب قبل النفط كان ولم يزل
وزهور حرفي فوقه منثوره
وأنابه يا صاحبي الاسطوره
فالشاعر يدعو إلى البساطة والحب، ويذل الجهد في تحقيق المثل العليا، من اجل دعم أسس راقية تسمو بالإنسان، وهذه المثل التي يؤمن بها الشاعر هي مثل تستمد خصوصيتها من الأصالة المتينة والحضارة العريقة الضارية في أعماق التاريخ. فالشعر يتجاوز الوظيفة الامتاعية إلى الوظيفة المرتبطة بفروسية النموذج والمثال، رغم أن الشاعر يواجه تلك الصراعات الناجمة عن ما تقرره منظمة الاوبك[ - قصائد بترولية : ص 53] :
الأوبك اليوم وسط اليم مركبها
سيغرق المركب الهيمان في لجج
ولا يلوح له في القرب ميناء
من الشتات وعين الخلق عمياء
لهذا يهرب الشاعر إلى عالم الشعر ليحقق عالم النموذج والمثال:[ - نفسه : ص 53]
ألوذ بالشعر عند الهم أسأله
... وليس للشعر بين الناس مكرمة
أن يستجيب وبحر الشعر معطاء
إن لم يكن فيه للمكنون إبداء
إن الثورة الاقتصادية التي عرفتها دولة الإمارات العربية المتحدة ووجود البترول، قد أسهم في بناء ونهضة الدولة، لكن هذا البترول أضحى نقمة، يجر ويلات وصراعات لا تنتهي. لهذا فإن الشاعر اعتمد على مسألة الإلهام الشعري، لتحويل الجفاف الذي يعرفه هذا الموضوع الاقتصادي إلى خطاب شعري يجمع بين الذات، وسطوة الواقع والآخر:[ - نفسه : ص 106]
حسام شعري لن يفارقني
الشعر مدح للفضائل إنما
فالشعر لو قال الحقيقة يجرح
هل في هوان النفط فضل يمدح
ولعل المشاكل والصعوبات التي كان يواجهها الشاعر أثناء عضويته بمنظمة الأوبك، جعلته أحيانا يدخل في صراع بين ذاته وبين واقع الممارسة المهنية والاقتصادية، فالدكتور مانع سعيد العتيبة ومن منطلق البوح والبساطة، يعبر عن هذا التوتر والصراع النفسي[ - نفسه : ص 60-61]
فتح الشعر كتابه
قلت يا شعر تمهل
خلفها سوق نفط
قال لي الشعر ومالي
خلي للحب صوتا
ودعاني للصبابة
فوق أفراحي سحابه
نشرت فينا الكآبة
أنا بالسوق المصابة
لا كبوم في خرابه
فالشاعر يصنع خطابا شعريا ينبني على الحوار والسرد، من أجل توضيح المعاناة الحقيقية التي يساهم فيها حضور النفط كأداة اقتصادية رهيبة وفعالة فهو يعمل مشاكل الأوبك وبالنفط إلى الشعر ويناجيه[ - نفسه : ص 61]
أوبك اليوم تنادي
ضحك الشعر طويلا
قلت بل جد فهل في
صمت الشعر ولكن
بجهاز للرقابه
قال، هل هذي دعابه
ما ينادون غرابه
كان في الصمت الإجابه
لقد أصبح الشعر يؤدي دورا تحسيسيا وإعلاميا وتسجيليا تاريخيا، لعالم الذهب الأسود، وكانت القيم في حالة صراع بين فروسية الشاعر الأصيلة، وبين وحشية الاقتصاد الجديد، إن الشاعر وهو يتبنى مبدأ الصدق والبساطة، إنما كان يتمثل عمق الذات في معاناتها، خصوصا وأن الصحراء كانت الملاذ الأول للإنسان الخليجي، لكن اكتشاف آبار البترول أدى إلى تحولات عميقة المجتمعات الخليجية، ورغم أن الشاعر مانع سعيد العتيبة كان رجل اقتصاد إلا أن كان يجود بعاطفية الصادقة، انطلاقا من الخطاب الشعري، وهو بهذه العاطفة يقترب أكثر من المتصوفين في عقيدتهم الصوفية، من خلال التأمل واستجلاء المشاعر، فرغم مدنية النفط وتوفر وسائل الإنتاج، إلا أن الحاجة إلى الشعر ضرورية عند الشاعر، لوعيه بأصالة الخطاب الشعري في مواجهة كل التحديات المرتبطة بالعالم المادي.[ - قصائد بترولية : ص 105]
فالشعر يأبى أن يجامل جاهلا
والشعر من وراء الحقيقة يرتوي
والشعر مدح للفضائل إنما
أو عالما بهبوط سعر يسمح
وزهوره في روضها تتفتح
هو في هوان النفط فضل يمدح
3- السردية النفطية :من حياة الصحراء إلى حياة آبار النفط، رؤى وهواجس
لقد أحدث اكتشاف النفط في دول الخليج منذ ثلاثينيات القرن العشرين ثورة عظيمة في كل المجالات. وتحولات المجتمعات القبلية المغلقة الفقيرة إلى مجتمعات غنية ومنفتحة خلال سنوات قليلة، وخرج كثير من الناس من حياة البداوة إلى حياة التمدن، ومن حياة الصحراء إلى حياة المدن الحديثة، وتحول البحث عن اللؤلؤ البحري إلى تكوين اقتصاد قوي، يكون النفط أحد منابعه، مما جعل منطقة الخليج العربي منطقة استقطاب دولي/ أممي.
ويبدو أن الشاعر مانع سعيد العتيبة كان قد شعر بخطورة هذا التحول الجديد في حياة الإماراتيين خاصة، والخليجيين عامة، وهذا التحول ليس مجرد انقلاب اقتصادي فقط، ولكنه تحول في جذور الهوية، ولعل تحمله لحقيبة النفط والثورة منذ سنة 1971، أكسبه تجربة اقتصادية متميزة، إضافة إلى خبرته الإنسانية التي مررها عبر الشعر، يقول : [ - قصائد بترولية : ص 138]
لم نكن قبل اكتشاف النفط أسرى
كانت الصحراء أحلى مسكن
وعلى الواحات شددنا دارنا
لرمال فوقها نشهد عسرا
في خيام تتحدى قصر كسرى
وصنعنا من حياة العسر يسرا
إن الصحراء بالنسبة للشاعر تشكل تجسيدا للوجدان البدوي، حيث أن الافتخار بالانتماء إلى حياة الصحراء، هو تثبيت لقيم العروبة الأصلية، وإظهار جلي لعشق متبادل بين الإنسان الخليجي والصحراء، فهي أحلى مسكن ولو كانت هذه المساكن خياما. لقد كانت حياة الصحراء حياة تنعيم لأهلها، قبل أن يصبح التحول جحيما لذيذا[ - قصائد بترولية : ص 138]:
وصل الحفار يوما حقل باب
بئره الأولى أشارت انه
واكتشفنا عند باب ثروة
وبدأنا الخطوة الأولى على
فوق كثبان ووديان يباب
رب هذا الكون للقوم استجاب
فتحت للخير فينا ألف باب
درب مجد صاعد فوق السحاب
لقد أسهم البترول واكتشافه (الحفار) في تحقيق البناء والنهضة والتنمية، وانصهار المجتمع الخليجي ضمن الدائرة الإقليمية والدولية والكونية في إطار التحول الايجابي نحو ارتياد آفاق التنمية.[ - نفسه : ص 140]
وتوالى بعد هذا الكشف ما
وحمدنا الله مولانا فقد
منَح الشعب سرورا فابتسم
غمر العوم بخيرات النعم
ويتعمق الشاعر في قصيدة "رباعيات البترول" ليصف لنا جوانب كثيرة من هذه التحولات التي أحدثتها الثورة البترولية في دولة الإمارات العربية المتحدة خاصة حيث يشير الشاعر إلى مسألة تدبير وحسن ترشيد هذه الثروة العظيمة، من أجل الانتفاع بها، يقول على لسان القائد زايد آل نهيان:[ - قصائد بترولية : ص 141 ]
صرخ القائد، لا نفط إذا
و بنى مصنع تسْييل لَهُ
ومضى القائد لكن من بنى
ظل هذا الغاز هدرا يحرق
كان كالطوق لغاز يغرق
ظل شمسا كل صبح تشرق
فالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كانت له رؤية ثاقبة بخصوص تأهيل موارد البترول، والحرص على حسن التدبير والحكامة، التي ستساهم بالتأكيد في تحقيق التنمية المجالية محليا وإقليميا ودوليا، ذلك أن هذا البترول ساهم في بناء الدولة سياسيا واقتصادي واجتماعيا:[ - نفسه : ص 143]
في دبي الفتح أعطى خيره
ثم في الشارقة الخير أتى
جمع القائد أركان الحمى
واتحدنا كل في دولة
واكتشفنا بعد حين غيره
وعلى الصجعة ألقى طيره
وإلى الوحدة أذكى سيره
واتحاد القوم أدى دوره
لقد أصبحت الإمارات بفضل رؤية المغفور له زايد بن سلطان آل نهيان، دولة حديثة، حيث أصبحت المدن الجديدة كدبي والشارقة مؤهلة للعب أدوار مهمة خصوصا في مسألة إتحاد الأمة في إطار مشروع دولة الإمارات العربية المتحدة.
لقد أضحت سردية البترول عند الشاعر مانع سعيد العتيبة مرتبطة بمسألة التحولات التي أصبحت تعرفها دول الخليج عامة، ودولة الإمارات خاصة، وهذه السردية قائمة على العناصر الآتية:
الممارسة المهنية المباشرة، وتقلد مناصب وزارية مرتبطة بمجال الاقتصاد عامة، والبترول خاصة.
التحول الذي ساهم فيه اكتشاف النفط، حيث خرجت القبائل العربية المعاصرة من حياة البداوة والصحراء، إلى حياة التمدن والتوسع.
الصراع الذي أحدثه وجود البترول في الدول العربية وبداية أطماع الدول الغربية. وهذا الصراع كان أمرا صعبا، والشاعر لم يجد حرجا أثناء التطرق لهذه القضية المرتبطة بالاستغلال أو محاولة الهيمنة.
إن الشاعر مانع العتيبة يرصد مظاهر الأطماع الذي سادت لدى كثير من الشركات العالمية التي تحاول بسط هيمنتها على هذه الثروة، دون أن يستفيد منها أصحاب الأرض، والمالكون الحقيقيون لهذه الثروة يقول :[ - قصائد بترولية : ص 144]
بدأت معركة التوطين في
أبعدت أبناءنا عن نفطهم
شركات بوعود لم تفي
واستعانت بالغريب المترف
فأبناء الإمارات لم تعد لهم القدرة على الاستفادة المباشرة من هذه الثروة، في ظل توطين شركات مستغلة لهذا النفط، لهذا ينبه القائد زايد بن سلطان آل نهيان، الوزير والشاعر مانع سعيد العتيبة إلى ضرورة اتخاذ إجراءات قوية تسمَحُ بالاستفادة من هذه الثروة دون استغلال.[ - نفسه : ص 144]
قال لي القائد أقدم شاهرا
فتقدمت وحققت المنى
حاولوا أن يبعدوني إنما
سيف حق ولا تكن بالمجحف
وتجلى موطني في موقفي
كان سيف الحق في كفي فما
لكن هذا الصراع يزداد أمام شراهة هذه الشركات العالمية التي تختبئ وراء دولها القوية، حيث يبين لنا الشاعر عن مواجهة ضروس لما يسمى "لوبيات البترول"[ - نفسه : ص 145]
قلت هذا نفطنا لا نفطكم
غير أنَّا قد ملكنا أمره
فأجابوا، جيد أن تحلما
باتفاقات ولن نستسلما
فالشاعر يعتبر أن الاتفاقات التي أبرمتها دولة الإمارات العربية المتحدة مع هذه الشركات، هي التي تحد نوعا ما من سطوة الأطماع والاستغلال البشع لهذه الثروة، وينبهنا الشاعر عبر قصيدة "رباعيات البترول" إلى المؤامرات والدسائس التي تحاك في الخفاء، لكن الشجاعة في المواجهة، وعدم الاستسلام للقوى الاقتصادية، يعطي قدرة هائلة على حماية هذه الثروة[ - نفسه : ص 146].
واستمرت بيننا حرب الكلام
لجأوا للفعل كي يختبروا
خفضوا الإنتاج قلنا، مرحبا
دون أن يجنح قول للسلام
رد فعلي لابتزاز وانتقام
ما لدينا أي نفط والسلام
فحرب البترول تستلزم الاستعانة بالذكاء الاقتصادي، والشجاعة في المبادرة والمواجهة، حيث أن النتيجة كانت كما صورها لنا الشاعر[ - نفسه : ص 146 -147].
عندها عادوا إلى العقل ولم
قلت، خير من صراع ومعارك
يجدوا بدا لتقديم احترام
أن ترونا معكم أقوى مشارك
فالشاعر يختار المشاركة الاقتصادية، بديلا عن الاستغلال والسيطرة، ومحاولة الاستقواء لمجرد أن هذا البترول وجد في الصحراء، فالعربي وإن كان يعيش حياة البداوة، فإنه لن يتخلى عن القيم التي منحته إياها هذه الصحراء العظيمة ولهذا صور الشاعر بلغته الشاعرية، سنوات الكد والكفاح والمعاناة، قبل أن يتم اكتشاف النفط، وهذا التصوير ليس مجرد نقل لوثائق تاريخية، وإنما هو إعادة تمثل كون جديد ينتقل ما بين عالمين مختلفين مرتبطين هما الصحراء / النفط. والخطاب الشعري واكب سردية النفط انطلاقا من سوق النفط وتحولاته، حيث أن الشاعر يرى في هذه السوق، سوق ذئاب:[ - نفسه : ص 60]
قال لي الشعر ومالي
أنا بالسوق المصابة
فالشاعر يرفض أن يخوض في أزمة سوق البترول لكنه يجد نفسه مرغما على الإفصاح والبوح[- نفسه : ص 63 - 64 ]
يا رقيب السوق مهلا
وهو محتاج لحل
نفطنا يشكو ذئابه
لا لطبل أوربا به
والشاعر أكثر واقعية، ذلك أن مشاكل البترول تتجاوز سلطة المشار والعواطف، لأن الأمر مرتبط بعالم المال والاقتصاد الذي يتصارع من أجل الهيمنة قد يتأجج، وتصبح الأمور أكثر صعوبة، فالشاعر في قصيدة "المهمة الصعبة" يعبر عن هذه المخاطر التي خلفتها المضاربات البترولية[ - نفسه : ص 41].
نحن في اخطر جو
بين طهران وبغداد
وقتال مستمر
فيه طيف الموت طائف
وعود وعواصف
ودم الإخوة نازف
ولعل هذا الأمر الخطير، ماهو إلا استشراف من الدكتور الشاعر مانع سعيد العتيبة، نحو المستقبل وما يكتسبه من صعوبات، ففي النهاية وقعت حرب الخليج الثانية سنة 1990، حيث وقع شرخ كبير في الخليج، وأصبحت الأطماع الأجنبية أكثر توغلا في الجغرافية الخليجية.
والنبوءة الشعرية كانت حالة متميزة ومتبصرة دعمت رؤية الاقتصادي والشاعر وهو يطرح قضايا البترول في هذا الديوان النادر.
4- الديبلوماسية الشعرية- رؤية مغايرة -
إن ترسيخ العلاقات بين الأمم، ليس مرتبطا دوما بالعلاقات السياسية والاقتصادية، فيمكن أن تتطور هذه العلاقات عبر مسارات أخرى وجدانية وثقافية، وهذا ما يسمى في الأدبيات الحديثة "بالدبلوماسية الثقافية" أو الديبلوماسية الموازية"، وهي ديبلوماسية تهدف إلى نشر التسامح ونبذ العنف، وتقديم صورة ايجابية عن الأمة وسياساتها، وتركز هذه الديبلوماسية الثقافية على أدوات كالفنون والشعر والموسيقى والسينما، ومراكز الدراسات الإستراتيجية... وقد ركز الدكتور مانع سعيد العتيبة من خلال الشعر على هذه الديبلوماسية الموازية، على اعتبار أنه من أهم الشخصيات التي جمعت ما بين العمل الديبلوماسي والاهتمام الإبداعي. ففي اللحظة التي كان فيها منشغلا بالعمل في مجال السياسة، وفي قطاع البترول، كانت إرادة الإبداع الشعري تعلو وتتطور بالتجربة لتصبح لدى الشاعر ديبلوماسية جديدة، هي ديبلوماسية الشعر والكلمة، خصوصا وأنه جمع بين عالم الصحراء وعالم الحداثة، وبين الهوية العربية الخالصة والاطلاع على الثقافة الغربية، ولهذا يعتبر الشاعر من أوائل المثقفين / الشعراء العرب، والخليجيين، الذين ساهموا في تحويل عالم الاقتصاد والبترول واجتماعات منظمة " أوبك" العالمية، إلى مناخ شعري استثنائي. يقول في قصيدته "همومي مع الكوته" مستلهما أسماء كانت فاعلة في تأثيث مشهد الأوبك، كعلي خليفة الصباح، وكامل المقهور وزير النفط الليبي وامبيرتو وزير النفط الفنزويلي[ - قصائد بترولية : ص 10 - 11]:
علي جاء مقترحا
يوزع ما يروق له
لنا المليون لا يكفي
وذا المقهور أعلنها
وهمبرتو بجولته
يقول سعيت مجتهدا
فلا قوه برغروته
كمن يعطيك بسكوته
ليضمن شعبنا قوته
وكانت فيه مكبوته
له في السر حدوثه
ولم ارجع ببرغوته
فالشاعر يحول تقارير منظمة الأوبك إلى خطاب شعري سلس وسهل وسردي حواري، مبتغيا بذلك تحقيق حدة الصراع بين الدول الموزعة للبترول في العالم، وكذا نسب حصص التوزيع، وهو يستعمل هذا الخطاب المخفف من أجل تمرير خطاب ديبلوماسي لبق وغير حاد، مبتعدا عن كل أشكال الصراع المرير الدائر في كواليس المنظمة، رغم أن الشعر نفسه لا يستطيع أن يتخلص من إشكاليات التسويق المرتبطة بمادة النفط، فقد تولدت لدى الشاعر هموم جراء روتينية الإدارات الدولية لشأن البترول يقول في قصيدة "رسالة مفتوحة إلى وزراء الأوبك"[ - نفسه : ص 13]
أنا والله مهموم
تمر بأزمة كبرى
فسوق النفط راكدة
تنادينا إلى لندن
من الأوبك، ومغموم
وما في الأمر مكتوم
وسعر الخام مسقوم
وجو السوق ملغوم
إن هذه الأزمات المرتبطة بسوق البترول في عالم البورصات الدولية، يستدعي من الشاعر أن يعبر عن وجهة نظره الاقتصادية بشكل ديبلوماسي ينم عن حسن تدبير ودهاء وقدرة على الصمود[ - قصائد بترولية : ص 14] :
وقلنا أيها الأعضاء
إن شئتم شفاء السوق
ضعوا سقفا لإنتاج
إن الحل معلوم
من مخزونها صوموا
فإن الفيض مذموم
لكن تضارب المصالح يجعل الأطراف في حالة صراع وتنافر[ - نفسه : ص 15 ]
وما قلناه معروف
ولكن يصعب التنفيذ
فإن الكل مسكين
لدى الوزراء مفهوم
والإيثار معدوم
وفي التوزيع مظلوم
ويبدو أن هذه الديبلوماسية تصل أحيانا إلى حدود تبادل الاتهامات، فأعضاء الأوبك يوجهون الاتهام إلى "ديكو" وزير النفط النيجيري[ - نفسه : ص 16]
رجونا كلنا ديكو
برفع السعر دولارا
فلم يقبل توسلنا
وقلنا أنت ملزوم
وإلاحاقنا الشؤم
وقال الأمر محسوم
ومثل هذه الحوارات ليست إلا تلخيصات لتقارير منظمة الأوبك، عبر سنوات طويلة من الصراعات فهذه القصائد البترولية بهذا النفس الديبلوماسي الذي ميز شاعرنا، كانت تؤدي دورا إعلاميا تسجيليا تاريخيا في الظاهر، أما باطنيا فإن الشاعر شعر بهوة الانفصام بين فروسية الذات/ الهوية، ووحشية الاقتصاد وسلطة النفط. ويجد الشاعر نفسه متجها نحو جهة الشعر، لإقرار وجهة نظره الديبلوماسية[ - نفسه : ص 27-28-29]
أيها الشعر ناديناك فاستجب
فاشرح همومي إلى الأصحاب مختصر
... لا سكرتير يدير اليوم دفتها
... ما السكرتير سوى راعي سفينتكم
مالي سواك يثير النار في الحطب
ببيت من الشعر عن ألف من الخط
غيري وغير صديقي فاضل الجلبي
في لجة البحر يحميها من العطب
فالشاعر وهو يتقلد مسؤولية تدبير المنظمة، باعتبار انه سكرتيرها الأول، يحاول أن يكون أكثر توازنا واعتدالا وديبلوماسية من اجل تسيير متزن لسفينة المنظمة، لكن الشاعر أحيانا ورغم انه يلوذ بالشعر، إلا أن هذا الشعر لا يسعفه في مواجهة المضاربات البترولية ومشاكلها.[ - قصائد بترولية: ص 54]
ألوذ بالشعر عند الهم اسأله
لكنه اليوم يأبى أن يطاوعني
وليس للشعر بين الناس مكرمة
أن يستجيب وبحر الشعر معطاء
وان يصرخ أين العيب والداء
إن لم يكن فيه للمكنون إرضاء
فالشعر يأبى أن يقدم الحلول للشاعر، لأنه ببساطة ليس من وظيفة الشعر أن يقوم بالخوض في مناقشة عوالم المادة والاقتصاد والثروة ولهذا على الشاعر أن يترك جبة الشاعر، ويلتحف جبة السياسي والاقتصادي والديبلوماسي من اجل تحقيق التوازنات الاقتصادية المطلوبة[ - نفسه : ص 54]
في لجنة السوق كنا مثل شرطتكم
لا تسألوني عن الأسماء إنكم
نقول لا، إنما لا تنفع اللاَّء
تذرون كل الخفايا يا أعزاء
لينتهي الشاعر إلى التأكيد على أهم عوامل الصراع بين الدول المنتجة للبترول، والمتعلقة أساسا بقضية الثمن والسعر[ - نفسه : ص 55].
ولعبة السعر لا تخفى على احد
فهل تظنون أن الناس يخدعهما
لكنها لعبة يا قوم حمقاء
في كل خَفْض لسعر النفط أسماء
ويقدم الشاعر / الاقتصادي، الحل لهذه المعضلة الاقتصادية من خلال مبادراته كمسؤول داخل منظمة الأوبك[ - قصائد بترولية : ص 59]:
وتخفيض سقف لإنتاج وتضحية
هذا القرار عظيم حين تصدره
تزول فيها انتهاكات وأخطاء
فليحترم فيه للأعضاء إمضاء
فهذه الديبلوماسية الشاقة التي كان ينشطها الدكتور مانع سعيد العتيبة، لا تصبح أكثر فاعلية، إلا بتوقيع الدول المنتجة للبترول على القرارات الصادرة من المنظمة، حتى تصبح ملزمة لجميع الأطراف المشاركة في توزيع النفط.
ورغم كل المظاهر الديبلوماسية التي بدت واضحة في جميع قصائد هذا الديوان، فإن الشاعر يتمسك بالمشروع الإنساني وسط كل هذه الأزمات الاقتصادية، بل يعتبر أن الشعر وسيلة لتأسيس كون جديد مختلف عن هذا الضجيج المنبعث من منظمة الأوبك ومشاكل النفط، وهو يؤكد من خلال قصيدته " الشعر لو قال الحقيقة يجرح" أن الكلمة تكتسي معنى الفروسية، فهي تجرح إن قالت الحقيقة.[ - نفسه : ص 103]
وحسام شعري لن يفارق غمده
فالشعر لو قال الحقيقة يجرح
لهذا كانت ثنائية الإخفاء والإفصاح تتراوح بين قصائد هذا الديوان، فتارة يظهر الديبلوماسي والسياسي والاقتصادي، ومن تم يغيب الشاعر، وتارة يصبح الشعر ملاذا للدبلوماسي / المثقف. لأن الشعر بالنسبة لمانع سعيد العتيبة هو عالم من المثل تلتقي فيه كل الأرواح وتذوب في بحر المحبة بعيدا عن ألوان المادة المتوحشة.
5- سردية البترول والأزمات الإنسانية
لا شك أن اكتشاف البترول في العالم بأسره، قد ولد فوارق كبيرة بين الناس، وأصبحت الطبقية الفردية والجماعية أكثر انتشارا، لأن الذهب الأسود أصبح يتحكم في شرايين الاقتصادات العالمية، والشاعر وهو يشتغل ضمن نطاق العمل الاقتصادي / البترول، قد رصد كثيرا من الاختلالات التي ساهمت في تفقير الشعوب.[ - قصائد بترولية: ص 69]
قوت الشعوب محرم تبديده
السوق كلا إنها ألعوبة
ويد المطامع أنهكت أسواقنا
فمن الذي جعل الحرام حلالا
بيد الكبار وترفض استقلالا
جرت عليها نقمة ووبالا
إن الشاعر ينطلق من الوعي بمضامين القصيدة العربية، ومن مسلمات الفروسية التي يؤمن بها الإنسان الخليجي خاصة، ليعبر عن الصفاء والصدق في طرح قضية الظلم والفقر ومعاناة الشعوب العربية على الخصوص، جراء انعدام التوازن والتكافؤ والعدالة الإنسانية القائمة على المساواة[ - نفسه : ص 69].
ويد المطامع أنهكت أسواقنا
اليوم تحتاج الحقيقة فارسا
جرت عليها نقمة ووبالا
لا نافخا في البوق أو طبالا
والفروسية الحقيقية، هي قول الصدق وتبنيه خاصة وأن الشاعر يشتغل في ميدان البترول، وهذا الشعر الذي يقول من خلاله الشاعر الحقيقة، إنما يتلمس من خلاله الوقوف إلى جانب الفقراء والمستضعفين.[ - نفسه : ص 70]
قالوا سنحرمها غدا من نفطها
ونحيل كل بنائها أطلالا
وتزداد نبرة سخط الشاعر، عندما يكتشف نوايا المستثمرين الطامعين، إذ وصلت بهم درجة الاستهانة بالإنسان العربي، واحتقاره أن فكروا في إعادته إلى الأنماط البدائية الأولى (الصحراء – البادية – البداوة ...)
يقول في هذا الصدد[ - نفسه : ص 70 ]
ويعود للصحراء بدو رحل
وليشربوا من بعد ذلك نفطهم
ألِفُوا عليها الحِلَّ والتِّرحالاَ
ويحولوا سُفَنَ الفضاء جمالا
لقد قرأ الشاعر نفسية المستثمر وإطماعه، حيث عبر عن تصور عنصري / استشرافي تنبعث من ثناياه نوايا الغرب الطامع في ثروات الجزيرة العربية، والحل الوحيد في اعتقادهم هو إعادة العرب إلى عالم الصحراء والخيمة والإبل. لكن الشاعر يعبر عن تشبثه بمقومات هذا الصحراء وكل مكوناتها، مبرزا اعتزازه بالانتماء إلى وطنه وهويته.[ - قصائد بترولية : ص 71]
إني أنا البدوي ثوبي ناصع
إن أنكر المتحضرون عبادتي
ما عشت دجالا ولا مختالا
فأنا لها لا اقبل استبدالا
فالشاعر يستهزئ بنوايا هذا الغرب الطامع، عند قوله[ - نفسه : ص 71]:
وليعلموا أن الحضارة لم تقم
في أرضهم لولا نفطنا ما سالا
ويكيل الشاعر الذم لإعلام الغرب المغرق في العنجهية [ - نفسه : ص 71]
فغلام يجحد فضلنا إعلامهم
ونظل نمدح فيهم الأفضالا
فآلة الإعلام الغربية هي آلة قوية ومؤثرة في الرأي العام الدولي، وهذه النزعة الإعلامية قد تصل عند البعض على ترسيخ النزعة النازية العنصرية[- نفسه : ص 72]
يا من يراني دون قدر رقيه
إني لأشهد فيك عودة نزعة
ما أنت من نور خلقت فكلنا
ويريدني متسولا جوالا
نازية واراك زدت ضلال
طين أينكر كبرك الصلصالا
ويؤكد الدكتور مانع سعيد العتيبة أن الإنسان العربي يعبر من خلال بوابة التاريخ عن رقي حضاري وفكري[ - نفسه : ص 72]
إن الحضارة عنك جد بعيدة
وإذا أردت جوارها فتعال
ولهذا يؤكد الشاعر على أهمية ثروة النفط لمواجهة
الأطماع الامبريالية الحديثة.[ - قصائد بترولية : ص 113]
النفط ثروتنا فإن لم نستجب
لن يكتب التاريخ إلا لعنة
لندائه أو نحن أهدَرنَاه
تندى لها عند الحساب جباه
فالنفط ثروة عظيمة، وقوة اقتصادية تساهم في التنمية. والشعوب تنظر إلى هذه الثروة من منظارحل الأزمات الإنسانية وقضايا الفقر.[ - نفسه : ص 117]
هذي شعوب الأرض تنظر نحونا
فإن اختلفنا فالجحيم مصيرنا
لترى الذي للخير قدمناه
وإن اتفقنا يرض عنا الله
وتزداد ملامح التصريح عند الشاعر الذي يرفض هيمنة الشركات النفطية العالمية، عندما يكشف نواياها الاستغلالية.[ - نفسه : ص 121]
شركات النفط كانت دائما
تطلب الربح سريعا
تطمس الحق وما للحق طمس
مسها من عبث الأسواق مس
ويغوص الشاعر في أعماق التراث الشعري القديم، متعلقا بأيقونات القصيدة الغزلية العفيفة، ملمحا إلى تعلق القلب معالم الفروسية الأصيلة[ - نفسه : ص 122]
نحن عشاق وليلى لم تزل
أملا يسعى له في الحب قيس
ولعل تمسك الشاعر بهذه القيم التي عرفتها القصيدة العربية القديمة، هو تأكيد على ضراوة الصراع والتنافس المزمن بين أعضاء منظمة الأوبك، لأن هؤلاء غلبوا كفة السياسة بدلا من كفة الاقتصاد المتوازن، والنفط ببساطة لا يستطيع التخلص من هيمنة السيطرة السياسية.[ - نفسه : ص 134 - 135]
النفط عبد للسياسة تابع
... حرب البسوس هي التي أودت به
يغدو بأمر مزاجها ويروح
دمه على ساحاتها مسفوح
لهذا فإن النفط يجب أن يكون بعيدا عن كل ألوان السياسة لأنه ملك لشعوبه[ - قصائد بترولية : ص 137]
فالنفط ملك شعوبه لا ملك من
يبكي على أنقاضه وينوح
ويعتقد الشاعر، أنه بالرغم من مرحلة التصريح التاريخي لبعض حقائق اجتماعات منظمة الأوبك، وبالرغم من محاولة التوثيق التاريخي، في إطار قيم ايجابية يؤمن بها الشاعر، إلا أنه يؤكد على الصمت.[ - نفسه : ص 137]
لكنني سأعود للصمت الذي
فالنفط تاريخ وأسرار فهل
أحلى عزاء للوفي يتيح
خوض العباب مسموح
خاتمـــــــــــــــــــة :
إن ديوان قصائد بترولية هو ديوان بنكهة توثيقية وتأريخية، فالقصائد تحيل على أهم اجتماعات منظمة الأوبك التي اشتغل داخلها الدكتور مانع سعيد العتيبة عضوا وسكرتيرا ورئيسا، وهذه القصائد تجاوزت هذا البعد التوثيقي، لتصبح مرتبطة بالتأملات والقيم الايجابية التي يدافع عنها الشاعر، انطلاقا من إيمانه الراسخ بالفروسية الأصيلة النابعة من أجواء المجتمع الخليجي عامة والإماراتي خاصة، كما أن هذه القصائد تجمع بين النزعة الصوفية، الاجتماعية، والنزعة الديبلوماسية والنزعة الاجتماعية والاقتصادية، ذلك أن الصراع الشرس والمتوحش الذي ولدته الأطماع الاستعمارية والاستغلالية للعديد من الشركات العالمية، حرضت الشاعر على تبني قيم الصدق والمحبة والاصطفاف إلى جانب الفقراء والبؤساء المحرومين، وما يزيد تمسك الشاعر بهذه المواقف الايجابية، هو اعتزازه بحياة الصحراء والبادية كمكون من مكونات الهوية الخالصة.
لائحـــــــــــة المراجــــــــــــع
ديوان قصائد بترولية: الدكتور سعيد مانع العتيبة، دار الواحة للاعلام أبو ظبي 2020.
حوارية البوح واللمح في كتابات الدكتور مانع سعيد العتيبة، عبد الكريم الفرجي، منشورات المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز – فاس مطبعة انفو- برانت سنة 2023
مدخل إلى عتبات النص : بلال عبد الرزاق – دراسة في مقدمات النقد العربي القديم – إفريقيا الشرق – الدار البيضاء – سنة 2000.
فن الشعر : أرسطو طاليس – ترجمة متى بن يونس وتحقيق شكري عباد – دار الكتاب القاهرة سنة 1967.
الشعرية الإماراتية – فروسية المكونات الدلالية والفنية في الفصيح والنبطي – الدكتور عبد الله بنصر العلوي منشورات مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية الإماراتية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز – فاس- مطبعة انفو – برانت، فاس سنة 2014.
– المغرب –
التصميم
تقديـــــم
1-العتبات النصية
2-صوفية الذات في مواجهة نزوة البترول
3-السردية النفطية، من حياة الصحراء إلى حياة آبار النفط – رؤى وهواجس-
4-الديبلوماسية الشعرية – رؤية مغايرة –
5-سردية البترول والأزمات الإنسانية
خاتمــــة
لائحة المراجع
تقـــــــــــــديم
إن ديوان قصائد بترولية، شبيه من حيث عوامل صدوره، برواية " مدن الملح" لعبد الرحمن منيف، ذلك أن هذه الرواية تطرقت لأهم التحولات التي عرفتها المجتمعات الخليجية، خاصة بعد اكتشاف البترول، فهي الوثيقة الأدبية الأولى والوحيدة عن حكاية العلاقة بين حياة البداوة وبين النفط، وعن القهر الذي سيهيمن بعد دخول الشركات العالمية الدولية من اجل استغلال هذه الثروة الحيوية. ولقد اكتشف الدكتور مانع سعيد العتيبة أن البترول مادة شعرية جديدة يلزم الانتباه إليها، حيث وجد من خلال هذه الثروة متنفسا ومرونة لفهم مجموعة من العلاقات السياسية والاقتصادية بين الدول، سواء في مراحل الإنتاج أو التسويق أو تحديد الأسعار، ولعل هذا الديوان المائز يعتبر من أهم دواوين الدكتور مانع سعيد العتيبة: لكثرة المعلومات الحقيقية الواردة فيه، ولحضور نفس الشاعر من خلال ترسيخ منظومة من القيم الايجابية القائمة على الحمد والصدق والتصوف وإظهار الفروسية التي تميز بها المجتمع العربي خاصة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والتمسك بقيم الصحراء والبادية، مع إظهار الشجاعة في مواجهة من يحاولون استنزاف ثروات الأمة العربية أو استغلالها، فالديوان يتضمن ثلاثا وعشرين قصيدة: مبنية على وحدة موضوعية وهي قضية البترول وعلاقته بالإنسان والسياسة الاقتصاد وهذه القصائد تتضمن كذلك تصورات وتأملات خاصة بالشاعر، وكأنه يرفض أن يحول هذه القصائد إلى مجرد وثائق تاريخية أو اقتصادية أو سياسية، بل ينزع الشاعر إلى إعطاء معنى متدفق تنبع منه أصالة الإنسان العربي، كما أن هذه القصائد تقدم أمرين أساسيين هما :
الديبلوماسية الشعرية المرتبطة بالدبلوماسية الاقتصادية والسياسية.
هيمنة السردية النفطية في كل القصائد مما استوجب معه أن يكون عنوان هذا الديوان متوازيا مع موضوعاته.
ولهذا ستروم هذه الدراسة البحث في أهم المضامين الشعرية التي تبناها الشاعر، مع تحديد وجهة نظرة في التحولات التي أحدثتها الثورة النفطية في العالم عامة، والمنطقة العربية ودولة الإمارات العربية خاصة.
1/ العتبات النصية
إن العتبات النصية تستلهم أهميتها من قدرتها على مساعدة المتلقي من أجل ولوج أعماق النص، فهي تعد مفتاحا لفهم النص، وفك رموزه والتخلص من الغموض الموجود فيه. فلا يمكن للقارئ أن يتجاهل هذه العتبات لأنها تصبح وسيطا بين النص والقارئ. كما أن هذه العتبات تشكل نظاما إشاريا ومعرفيا لا يقل أهمية عن المتن. فالعتبات في النص هي مجموع اللواحق والمكملات المتممة لنسيج النص الدال، لأنها "خطاب قائم بذاته له ضوابطه وقوانينه، التي تفضي بالقارئ إلى القراءة الحتمية للنص"[ - مدخل إلى عتبات النص : بلال عبد الرزاق : دراسة في مقدمات النقد العربي القديم، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، سنة 2000م، ص 16]، ولعل قراءة ديوان "قصائد بترولية" لفضيلة الدكتور مانع سعيد العتيبة، يستلزم أولا المرور عبر العتبات النصية لهذا الديوان، ومحاولة فهم علاقة هذه العتبات بالمضامين الشعرية. فعتبة الغلاف تؤكد على العلاقة الجدلية والموضوعية لِما يمكن أن تحمله القصائد المبثوثة في الديوان من مضامين فصورة الغلاف تتضمن أولا اسم المؤلف باللغتين العربية والفرنسية إضافة إلى آلة ضخمة تشير إلى مسألة التنقيب عن البترول ضمن نطاق الصحراء، مع وجود هوامش من الألوان ذات التشكل المتموج، وحضوري قوى لألوان متنوعة، لكن اللون الذهبي الأصفر المرتبط بالرمال يظل أكثر حضورا في الغلاف، ويلاحظ من خلال هذا الغلاف حضور أوراق بيضاء مخطوطة، كأنها وثائق مرتبطة بمضمون العنوان والصورة، ويبدو أن عنوان "قصائد بترولية" يلخص حقيقة أسرار هذه الأوراق المبعثرة، غير الواضحة الخطوط، وجاءت الصفحة الأولى بعد الغلاف، مختلفة من حيث الشكل واللون. فقد اقتصرت على اللون الأبيض مع عنوان الديوان وسنة الطبخ 2020 م، وعدد طبعة الديوان (112)، ومدينة الطبع (أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة) وفي الصفحة الثانية يتم إضافة مجموعة من مواقع التواصل الاجتماعي المرتبطة بشكل مباشر بالدكتور مانع سعيد العتيبة. أما بالنسبة لعتبة العنوان فقد جاء عبارة عن مبتدأ وخبر نكرة، وهو من فصيلة العناوين الاسمية الواضحة، لكن المميز في العنوان، أنه توشح بمفهوم مرتبط بمجموعة من السياقات نقديا وأدبيا أو فنيا في نفس الآن. إذ نتساءل في هذا السياق، لِمَ لَمْ يتم تسمية الديوان، "بأشعار بترولية" مثلا؟ ويبدو الجواب واضحا ومرتبطا بالخلفية النقدية والأدبية للدكتور مانع سعيد العتيبة الشاعر والأكاديمية، ذلك أن "فروسية الإبداع" التي تميز بها جعلته قادرا على التمييز بين المصطلحات النقدية، فالقصيدة لها مفهومها النقدي الذي يؤطرها، أما الشعر فله مفهوم آخر مرتبط بالتراث الشعري وبالتجربة والممارسة الشعرية، كما أن ارتباط مفهوم القصيدة بجانب من جوانب الاقتصاد، جعل من العنوان أكثر فرادة وتميزا وبراعة. وبحسب إطلاعي على مدونة الشعر العربي الحديث، لم اعثر على ديوان شاعر اهتم بمسألة البترول سواء في الخليج أو في العالم بأسره، خصوصا وأن هذه المادة كان لها تأثير كبير في تحديد السياسة العالمية، وتحديد نظام العلاقات الدولية، إضافة إلى أن أكثر الحروب المعاصرة، كانت مرتبطة بمناطق وسوق البترول، ومن هنا يكتسي العنوان أهمية بالغة كبوابة ومعبر لفهم مضامين هذا الديوان.
أما بخصوص عتبة التقديم والمقدمة، فإن الدكتور مانع سعيد العتيبة يعتبر سنة 2020 م، هي سنة "الانجازات وأهم أعوام الحصاد"[ - مقدمة ديوان : قصائد بترولية : الدكتور سعيد مانع العتيبة، دار الواحة للاعلام، ابوظبي سنة 2020- ص 01]. هي سنة طباعة سجل العمر، وتوثيق أمين للأحداث والمراحل التي وثقها الدكتور وهي مرتبطة بدولة الإمارات العربية المتحدة خاصة في مرحلة السلطان الشيخ زائد بن سلطان آل نهيان رحمه الله، ويشير فضيلة الدكتور أن سنة 2020 كذلك، كانت سنة إعادة إصدار الدواوين الشعرية الفصيحة والنبطية والتي وصل عددها إلى مائة ديوان، وقد قدم فضيلة الدكتور في هذا التقديم وعدا بالاستمرار في مسيرة العطاء الفنية والفكرية دعما للأجيال القادمة وقد تم تأريخ هذا التقديم الخاص بصاحب الديوان يومه 15/05/2020.
أما على مستوى المقدمة الموجودة في الديوان، فإن الشاعر يذكر بتاريخ صدور ديوان "قصائد بترولية" لأول مرة سنة 1985، ويشرح لنا فضيلة الدكتور سبب جمع هذا الديوان، ففي بداية الأمر لم يكن هناك أي تفكير في جمع ديوان مرتبط بموضوع البترول، وصدوره يرجع أساسا إلى :
الأحداث والمواقف التي مر بها الشاعر هي التي فرضت جمع هذه القصائد.
إن الشاعر يعتبر الشعر كفن هو تجسيد لحالة الشاعر الشعورية"[ - قصائد بترولية : ص 3]، وتعبير عن رؤيته للعالم، كما أنه "تعبير عن وجهة نظر في قضية أو موقف"[ - نفسه : ص 3]
إن كثرة القصائد وتدفقها ووحدتها الموضوعية المرتبطة بغرض "البترول" كلها حوافز ساهمت في جمع هذا الديوان.
إن الديوان جاء بمناسبة مرور خمسة وعشرين عاما على إنشاء منظمة الأقطار المصدرة للبترول، باللغتين العربية والانجليزية.
فصل القصائد عن الترجمة المرافقة لها في الديوان نفسه، ومن تم فإن هذه الطبعة الأخيرة خالية من الترجمة.
إضافة قصيدة واحدة في بداية الألفية الجديدة مرتبطة بموضوع البترول، بعد صمت استمر بحسب بوح الشاعر، اثني عشر عاما.
إن قصائد هذا الديوان بحسب الدكتور سعيد مانع العتيبة " تلقى الضوء على فترة زمنية هامة مرت بها الصناعة البترولية..."[ - نفسه : ص 6]، ذلك أن الشاعر يؤكد على مسألة الشفافية والوضوح والبوح في مسائل القضايا البترولية المحلية أو الدولية، التي طرحتها المنظمة الدولية " أوبك" في مؤتمراتها الوزارية.
إن الدكتور مانع سعيد العتيبة يؤكد على مسألة نشر هذه القصائد في العديد من الصحف والمجلات العربية والأجنبية، إلا أن مسألة تجميع هذه القصائد البترولية من خلال الديوان له مبرره بحسب الشاعر، فقد جعل هذه القصائد " سجلا تاريخيا وسياسيا يحمل وجهة نظري من خلال معايشتي لتلك الأحداث والتطورات... ومن خلال مشاركتي في صنع قرارات منظمة اوبك..."[ - نفسه : ص 5] بصفة عامة إن مثل هذه العتبات النصية التي التزم بها الشاعر في هذا الديوان ساهمت في إثارة أهم القضايا التي تتضمنها هذه القصائد البترولية، ويبدو أن العنوان وصورة الغلاف، جعلت المتلقي يسرح بخياله لفهم المشترك بين الشعر / الفن وبين الاقتصاد ووحشية العالم المادي، وهذا يزيد الديوان قوة تأثير وترويج، وتعمل هذه العتبات كلها على استفزاز ملكة المتلقي، ليخوض غمار قراءة متأنية وواعية وعيا نقديا، وتاريخيا وسياسيا واقتصاديا، حتى يتمكن من ربط متزن بين دلالة العنوان وبين مضامين القصائد الكثيرة المبثوثة في الديوان.
2/ صوفية الذات في مواجهة نزوة البترول
لقد ربط أرسطو وظيفة الشعر بالطبيعة الإنسانية في بعثها عن المتعة والإحساس بالجمال، فالشعر مرتبط بالطبيعة الإنسانية سواء من خلال المحاكاة، أو من خلال الالتذاذ بالأشياء المحكية..."[ - فن الشعر : أرسطو طاليس : ترجمة متى بن يونس، تح شكري عياد – دار الكتاب – القاهرة : سنة 1967 – ص 36]، وهذا يعني أن هناك خلفيات ثقافية ومعرفية متحكمة ي توجيه الشعر وتحديد وظيفية، وبما أن الشعر لا يصدر إلا من المشاعر، فإن ارتباطه بالقيم هو ارتباط متين وقوي إيجابا وسلبا، "فالشعر هو الذي البس التضحية حللا قشيبة في عيون الأبطال، ووهب في الموت طعما لذيذا، وبعث الأمل يانعا في خواطر اليائسين، وزين البذل والسخاء في نظر الملوك والسلاطين والأمراء وحل مشاكل كانت مستعصية، والشعر أعطى حياة الإنسان معنى إنسانيا لا سبيل إلى التغاضي عنه... والشعر إلى جانب الفلسفة ساهم في بث روح التساؤل عن المصير، ومغزى الوجود على هذا الكوكب والثورة على كل مظاهر التشويه والنقصان والوحشية المادية والمعنوية، وخلق التوتر والقلق الوجودي ولعل مثل هذه التصورات كانت حاضرة في ديوان "قصائد بترولية" فالذات / الشاعر رغم انشغالاته وهمومه الاقتصادية المرتبطة بمادة البترول، إلا أنه يرفض أن ينصهر في أَتُونِ عالم المادة المتوحش، على اعتبار أن البترول قد خلق ثورة اقتصادية رهيبة في العالم بصفة عامة، وفي دول الخليج خاصة، ولعل اختيار الدكتور مانع سعيد العتيبة التعبير عن طريق الشعر هو تأكيد على التمسك بعالم المشاعر المرهفة والكلمة العميقة، فالأشعار هي بوح، والبوح " همسات نفس وخفقات قلب "[ - حوارية البوح واللمح في كتابات الدكتور مانع سعيد العتيبة: عبد الكريم الفرحي – منشورات المركز الأكاديمي للثقافة، والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز- فاس مطبعة انفو-برانت سنة 2023 / ص6] ويبدو أن الخطاب الشعري الصادر من خلال هذا الديوان يسعى إلى الجمع بين ثنائيات مرتبطة بذات الشاعر وبعالم البترول، حيث نجد الخطاب البوحي واللمحي، والذاتي والموضوعي، والتلميحي والتصريحي، والمادي والصوفي... وهذا الخطاب المتنوع ولَّدَ شعرية خاصة، ففي آخر الديوان نعثر على قصيدة تختزل رؤية الشاعر الخاصة، والمتصوفة، ففي قصيدة " الحب قبل النفط"[ - ينظر الديوان : ص 163] ، يبدأ الشاعر بالتحميد وهذا الأمر مرتبط، بتَرسُّخ "شعرية الإحْمَادِ" حيث يعرف الدكتور عبد الكريم الفرحي هذه الظاهرة "بتبيُّن استحقاق الحمد، وشكر المحمود.. وشكر النعمة والإقرار بها للمنعم وحده، من طريق البيان وجارحة اللسان"[ - حوارية البوح واللمح : ص 36-37]، يقول الشاعر[ - قصائد بترولية : ص 157] :
شكرا لرب العالمين أحاطني
شكرا إلهي أنت من أعطيتني
برعاية وحماية موفورة
حب الورى في سائر المعمورة
والحمد عند الشاعر مقترن، بعد شكر الله والثناء عليه، بصحبة الأخيار، والشيخ زايد رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رحمه الله كان يشكل شرفا لكل مصاحبة طيبة[ - نفسه : ص 158].
وأنا بهدي الله سرت إلى العلا
فأبو خليفة كان بدر ظلامنا
مع زايد في رحلة منصورة
لولاه ما مسخ الدجى ديجوره
ويبدوا أن شعرية الإحْماد هي استشفاف روحي، وتسامي تتحقق من خلاله قيم الشكر والصدق والبساطة والوفاء يقول:[ - قصائد بترولية : ص 158]
من زايد حزت البساطة والندى
وكرهت زيف الأنفس المغرورة
إن استهلال الشاعر قصيدته بشعرية الإحْماد، ليس إلا شكرا لله وإقرارا بالحمد للمنعم الواجد الماجد، ومصافاة روحية تعبر عن مقاومة لكل أشكال امتهان الذات في نزوعها نحو عالم المادة والسلطة والمال، والدكتور مانع سعيد العتيبة ينفي مسألة انخراطه في تجارة البترول بطريقة لا تتلائم مع اختياراته وميولاته النفسية والثقافية والاقتصادية لان الشاعر يمتاح من معالم الكون الشعري، ما يجعله متميزا عن الآخرين في تناولهم لقضية البترول، ومعالم هذا الكون الشعري ينطلق لدى الشاعر الإماراتي عموما، والدكتور مانع سعيد العتيبة من قيم الاعتزاز بالفروسية، باعتبارها قدوة في بيئة الصحراء...والتشبث بالعفة والكرامة والحرية... وهي عناصر تشكل تلك الرؤى الصوفية التي كانت تسكن الشاعر يقول :[ - قصائد بترولية : 158 -159]
أنا ما جعلت النفط سلعة مترف
بل شئته خيرا لعالمنا الذي
ناديت طول العمر بالحب الذي
وسلاح إرهاب يصب شروره
ثرواته يا صاحبي مهدورة
يهب الجميع سلامه وسروره
إن التأكيد على قيم الحب، هو أمر نابع من فلسفة الشاعر ونظرته للحياة وللكون، ولأن مكونات الفروسية الأصيلة هي ساكنة في أعماقه، فإن هذا الحب مرتبط بالبساطة يقول في نفس القصيدة.[ - نفسه : ص 160]
إن البساطة لي بساط محبة
الحب قبل النفط كان ولم يزل
وزهور حرفي فوقه منثوره
وأنابه يا صاحبي الاسطوره
فالشاعر يدعو إلى البساطة والحب، ويذل الجهد في تحقيق المثل العليا، من اجل دعم أسس راقية تسمو بالإنسان، وهذه المثل التي يؤمن بها الشاعر هي مثل تستمد خصوصيتها من الأصالة المتينة والحضارة العريقة الضارية في أعماق التاريخ. فالشعر يتجاوز الوظيفة الامتاعية إلى الوظيفة المرتبطة بفروسية النموذج والمثال، رغم أن الشاعر يواجه تلك الصراعات الناجمة عن ما تقرره منظمة الاوبك[ - قصائد بترولية : ص 53] :
الأوبك اليوم وسط اليم مركبها
سيغرق المركب الهيمان في لجج
ولا يلوح له في القرب ميناء
من الشتات وعين الخلق عمياء
لهذا يهرب الشاعر إلى عالم الشعر ليحقق عالم النموذج والمثال:[ - نفسه : ص 53]
ألوذ بالشعر عند الهم أسأله
... وليس للشعر بين الناس مكرمة
أن يستجيب وبحر الشعر معطاء
إن لم يكن فيه للمكنون إبداء
إن الثورة الاقتصادية التي عرفتها دولة الإمارات العربية المتحدة ووجود البترول، قد أسهم في بناء ونهضة الدولة، لكن هذا البترول أضحى نقمة، يجر ويلات وصراعات لا تنتهي. لهذا فإن الشاعر اعتمد على مسألة الإلهام الشعري، لتحويل الجفاف الذي يعرفه هذا الموضوع الاقتصادي إلى خطاب شعري يجمع بين الذات، وسطوة الواقع والآخر:[ - نفسه : ص 106]
حسام شعري لن يفارقني
الشعر مدح للفضائل إنما
فالشعر لو قال الحقيقة يجرح
هل في هوان النفط فضل يمدح
ولعل المشاكل والصعوبات التي كان يواجهها الشاعر أثناء عضويته بمنظمة الأوبك، جعلته أحيانا يدخل في صراع بين ذاته وبين واقع الممارسة المهنية والاقتصادية، فالدكتور مانع سعيد العتيبة ومن منطلق البوح والبساطة، يعبر عن هذا التوتر والصراع النفسي[ - نفسه : ص 60-61]
فتح الشعر كتابه
قلت يا شعر تمهل
خلفها سوق نفط
قال لي الشعر ومالي
خلي للحب صوتا
ودعاني للصبابة
فوق أفراحي سحابه
نشرت فينا الكآبة
أنا بالسوق المصابة
لا كبوم في خرابه
فالشاعر يصنع خطابا شعريا ينبني على الحوار والسرد، من أجل توضيح المعاناة الحقيقية التي يساهم فيها حضور النفط كأداة اقتصادية رهيبة وفعالة فهو يعمل مشاكل الأوبك وبالنفط إلى الشعر ويناجيه[ - نفسه : ص 61]
أوبك اليوم تنادي
ضحك الشعر طويلا
قلت بل جد فهل في
صمت الشعر ولكن
بجهاز للرقابه
قال، هل هذي دعابه
ما ينادون غرابه
كان في الصمت الإجابه
لقد أصبح الشعر يؤدي دورا تحسيسيا وإعلاميا وتسجيليا تاريخيا، لعالم الذهب الأسود، وكانت القيم في حالة صراع بين فروسية الشاعر الأصيلة، وبين وحشية الاقتصاد الجديد، إن الشاعر وهو يتبنى مبدأ الصدق والبساطة، إنما كان يتمثل عمق الذات في معاناتها، خصوصا وأن الصحراء كانت الملاذ الأول للإنسان الخليجي، لكن اكتشاف آبار البترول أدى إلى تحولات عميقة المجتمعات الخليجية، ورغم أن الشاعر مانع سعيد العتيبة كان رجل اقتصاد إلا أن كان يجود بعاطفية الصادقة، انطلاقا من الخطاب الشعري، وهو بهذه العاطفة يقترب أكثر من المتصوفين في عقيدتهم الصوفية، من خلال التأمل واستجلاء المشاعر، فرغم مدنية النفط وتوفر وسائل الإنتاج، إلا أن الحاجة إلى الشعر ضرورية عند الشاعر، لوعيه بأصالة الخطاب الشعري في مواجهة كل التحديات المرتبطة بالعالم المادي.[ - قصائد بترولية : ص 105]
فالشعر يأبى أن يجامل جاهلا
والشعر من وراء الحقيقة يرتوي
والشعر مدح للفضائل إنما
أو عالما بهبوط سعر يسمح
وزهوره في روضها تتفتح
هو في هوان النفط فضل يمدح
3- السردية النفطية :من حياة الصحراء إلى حياة آبار النفط، رؤى وهواجس
لقد أحدث اكتشاف النفط في دول الخليج منذ ثلاثينيات القرن العشرين ثورة عظيمة في كل المجالات. وتحولات المجتمعات القبلية المغلقة الفقيرة إلى مجتمعات غنية ومنفتحة خلال سنوات قليلة، وخرج كثير من الناس من حياة البداوة إلى حياة التمدن، ومن حياة الصحراء إلى حياة المدن الحديثة، وتحول البحث عن اللؤلؤ البحري إلى تكوين اقتصاد قوي، يكون النفط أحد منابعه، مما جعل منطقة الخليج العربي منطقة استقطاب دولي/ أممي.
ويبدو أن الشاعر مانع سعيد العتيبة كان قد شعر بخطورة هذا التحول الجديد في حياة الإماراتيين خاصة، والخليجيين عامة، وهذا التحول ليس مجرد انقلاب اقتصادي فقط، ولكنه تحول في جذور الهوية، ولعل تحمله لحقيبة النفط والثورة منذ سنة 1971، أكسبه تجربة اقتصادية متميزة، إضافة إلى خبرته الإنسانية التي مررها عبر الشعر، يقول : [ - قصائد بترولية : ص 138]
لم نكن قبل اكتشاف النفط أسرى
كانت الصحراء أحلى مسكن
وعلى الواحات شددنا دارنا
لرمال فوقها نشهد عسرا
في خيام تتحدى قصر كسرى
وصنعنا من حياة العسر يسرا
إن الصحراء بالنسبة للشاعر تشكل تجسيدا للوجدان البدوي، حيث أن الافتخار بالانتماء إلى حياة الصحراء، هو تثبيت لقيم العروبة الأصلية، وإظهار جلي لعشق متبادل بين الإنسان الخليجي والصحراء، فهي أحلى مسكن ولو كانت هذه المساكن خياما. لقد كانت حياة الصحراء حياة تنعيم لأهلها، قبل أن يصبح التحول جحيما لذيذا[ - قصائد بترولية : ص 138]:
وصل الحفار يوما حقل باب
بئره الأولى أشارت انه
واكتشفنا عند باب ثروة
وبدأنا الخطوة الأولى على
فوق كثبان ووديان يباب
رب هذا الكون للقوم استجاب
فتحت للخير فينا ألف باب
درب مجد صاعد فوق السحاب
لقد أسهم البترول واكتشافه (الحفار) في تحقيق البناء والنهضة والتنمية، وانصهار المجتمع الخليجي ضمن الدائرة الإقليمية والدولية والكونية في إطار التحول الايجابي نحو ارتياد آفاق التنمية.[ - نفسه : ص 140]
وتوالى بعد هذا الكشف ما
وحمدنا الله مولانا فقد
منَح الشعب سرورا فابتسم
غمر العوم بخيرات النعم
ويتعمق الشاعر في قصيدة "رباعيات البترول" ليصف لنا جوانب كثيرة من هذه التحولات التي أحدثتها الثورة البترولية في دولة الإمارات العربية المتحدة خاصة حيث يشير الشاعر إلى مسألة تدبير وحسن ترشيد هذه الثروة العظيمة، من أجل الانتفاع بها، يقول على لسان القائد زايد آل نهيان:[ - قصائد بترولية : ص 141 ]
صرخ القائد، لا نفط إذا
و بنى مصنع تسْييل لَهُ
ومضى القائد لكن من بنى
ظل هذا الغاز هدرا يحرق
كان كالطوق لغاز يغرق
ظل شمسا كل صبح تشرق
فالمغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، كانت له رؤية ثاقبة بخصوص تأهيل موارد البترول، والحرص على حسن التدبير والحكامة، التي ستساهم بالتأكيد في تحقيق التنمية المجالية محليا وإقليميا ودوليا، ذلك أن هذا البترول ساهم في بناء الدولة سياسيا واقتصادي واجتماعيا:[ - نفسه : ص 143]
في دبي الفتح أعطى خيره
ثم في الشارقة الخير أتى
جمع القائد أركان الحمى
واتحدنا كل في دولة
واكتشفنا بعد حين غيره
وعلى الصجعة ألقى طيره
وإلى الوحدة أذكى سيره
واتحاد القوم أدى دوره
لقد أصبحت الإمارات بفضل رؤية المغفور له زايد بن سلطان آل نهيان، دولة حديثة، حيث أصبحت المدن الجديدة كدبي والشارقة مؤهلة للعب أدوار مهمة خصوصا في مسألة إتحاد الأمة في إطار مشروع دولة الإمارات العربية المتحدة.
لقد أضحت سردية البترول عند الشاعر مانع سعيد العتيبة مرتبطة بمسألة التحولات التي أصبحت تعرفها دول الخليج عامة، ودولة الإمارات خاصة، وهذه السردية قائمة على العناصر الآتية:
الممارسة المهنية المباشرة، وتقلد مناصب وزارية مرتبطة بمجال الاقتصاد عامة، والبترول خاصة.
التحول الذي ساهم فيه اكتشاف النفط، حيث خرجت القبائل العربية المعاصرة من حياة البداوة والصحراء، إلى حياة التمدن والتوسع.
الصراع الذي أحدثه وجود البترول في الدول العربية وبداية أطماع الدول الغربية. وهذا الصراع كان أمرا صعبا، والشاعر لم يجد حرجا أثناء التطرق لهذه القضية المرتبطة بالاستغلال أو محاولة الهيمنة.
إن الشاعر مانع العتيبة يرصد مظاهر الأطماع الذي سادت لدى كثير من الشركات العالمية التي تحاول بسط هيمنتها على هذه الثروة، دون أن يستفيد منها أصحاب الأرض، والمالكون الحقيقيون لهذه الثروة يقول :[ - قصائد بترولية : ص 144]
بدأت معركة التوطين في
أبعدت أبناءنا عن نفطهم
شركات بوعود لم تفي
واستعانت بالغريب المترف
فأبناء الإمارات لم تعد لهم القدرة على الاستفادة المباشرة من هذه الثروة، في ظل توطين شركات مستغلة لهذا النفط، لهذا ينبه القائد زايد بن سلطان آل نهيان، الوزير والشاعر مانع سعيد العتيبة إلى ضرورة اتخاذ إجراءات قوية تسمَحُ بالاستفادة من هذه الثروة دون استغلال.[ - نفسه : ص 144]
قال لي القائد أقدم شاهرا
فتقدمت وحققت المنى
حاولوا أن يبعدوني إنما
سيف حق ولا تكن بالمجحف
وتجلى موطني في موقفي
كان سيف الحق في كفي فما
لكن هذا الصراع يزداد أمام شراهة هذه الشركات العالمية التي تختبئ وراء دولها القوية، حيث يبين لنا الشاعر عن مواجهة ضروس لما يسمى "لوبيات البترول"[ - نفسه : ص 145]
قلت هذا نفطنا لا نفطكم
غير أنَّا قد ملكنا أمره
فأجابوا، جيد أن تحلما
باتفاقات ولن نستسلما
فالشاعر يعتبر أن الاتفاقات التي أبرمتها دولة الإمارات العربية المتحدة مع هذه الشركات، هي التي تحد نوعا ما من سطوة الأطماع والاستغلال البشع لهذه الثروة، وينبهنا الشاعر عبر قصيدة "رباعيات البترول" إلى المؤامرات والدسائس التي تحاك في الخفاء، لكن الشجاعة في المواجهة، وعدم الاستسلام للقوى الاقتصادية، يعطي قدرة هائلة على حماية هذه الثروة[ - نفسه : ص 146].
واستمرت بيننا حرب الكلام
لجأوا للفعل كي يختبروا
خفضوا الإنتاج قلنا، مرحبا
دون أن يجنح قول للسلام
رد فعلي لابتزاز وانتقام
ما لدينا أي نفط والسلام
فحرب البترول تستلزم الاستعانة بالذكاء الاقتصادي، والشجاعة في المبادرة والمواجهة، حيث أن النتيجة كانت كما صورها لنا الشاعر[ - نفسه : ص 146 -147].
عندها عادوا إلى العقل ولم
قلت، خير من صراع ومعارك
يجدوا بدا لتقديم احترام
أن ترونا معكم أقوى مشارك
فالشاعر يختار المشاركة الاقتصادية، بديلا عن الاستغلال والسيطرة، ومحاولة الاستقواء لمجرد أن هذا البترول وجد في الصحراء، فالعربي وإن كان يعيش حياة البداوة، فإنه لن يتخلى عن القيم التي منحته إياها هذه الصحراء العظيمة ولهذا صور الشاعر بلغته الشاعرية، سنوات الكد والكفاح والمعاناة، قبل أن يتم اكتشاف النفط، وهذا التصوير ليس مجرد نقل لوثائق تاريخية، وإنما هو إعادة تمثل كون جديد ينتقل ما بين عالمين مختلفين مرتبطين هما الصحراء / النفط. والخطاب الشعري واكب سردية النفط انطلاقا من سوق النفط وتحولاته، حيث أن الشاعر يرى في هذه السوق، سوق ذئاب:[ - نفسه : ص 60]
قال لي الشعر ومالي
أنا بالسوق المصابة
فالشاعر يرفض أن يخوض في أزمة سوق البترول لكنه يجد نفسه مرغما على الإفصاح والبوح[- نفسه : ص 63 - 64 ]
يا رقيب السوق مهلا
وهو محتاج لحل
نفطنا يشكو ذئابه
لا لطبل أوربا به
والشاعر أكثر واقعية، ذلك أن مشاكل البترول تتجاوز سلطة المشار والعواطف، لأن الأمر مرتبط بعالم المال والاقتصاد الذي يتصارع من أجل الهيمنة قد يتأجج، وتصبح الأمور أكثر صعوبة، فالشاعر في قصيدة "المهمة الصعبة" يعبر عن هذه المخاطر التي خلفتها المضاربات البترولية[ - نفسه : ص 41].
نحن في اخطر جو
بين طهران وبغداد
وقتال مستمر
فيه طيف الموت طائف
وعود وعواصف
ودم الإخوة نازف
ولعل هذا الأمر الخطير، ماهو إلا استشراف من الدكتور الشاعر مانع سعيد العتيبة، نحو المستقبل وما يكتسبه من صعوبات، ففي النهاية وقعت حرب الخليج الثانية سنة 1990، حيث وقع شرخ كبير في الخليج، وأصبحت الأطماع الأجنبية أكثر توغلا في الجغرافية الخليجية.
والنبوءة الشعرية كانت حالة متميزة ومتبصرة دعمت رؤية الاقتصادي والشاعر وهو يطرح قضايا البترول في هذا الديوان النادر.
4- الديبلوماسية الشعرية- رؤية مغايرة -
إن ترسيخ العلاقات بين الأمم، ليس مرتبطا دوما بالعلاقات السياسية والاقتصادية، فيمكن أن تتطور هذه العلاقات عبر مسارات أخرى وجدانية وثقافية، وهذا ما يسمى في الأدبيات الحديثة "بالدبلوماسية الثقافية" أو الديبلوماسية الموازية"، وهي ديبلوماسية تهدف إلى نشر التسامح ونبذ العنف، وتقديم صورة ايجابية عن الأمة وسياساتها، وتركز هذه الديبلوماسية الثقافية على أدوات كالفنون والشعر والموسيقى والسينما، ومراكز الدراسات الإستراتيجية... وقد ركز الدكتور مانع سعيد العتيبة من خلال الشعر على هذه الديبلوماسية الموازية، على اعتبار أنه من أهم الشخصيات التي جمعت ما بين العمل الديبلوماسي والاهتمام الإبداعي. ففي اللحظة التي كان فيها منشغلا بالعمل في مجال السياسة، وفي قطاع البترول، كانت إرادة الإبداع الشعري تعلو وتتطور بالتجربة لتصبح لدى الشاعر ديبلوماسية جديدة، هي ديبلوماسية الشعر والكلمة، خصوصا وأنه جمع بين عالم الصحراء وعالم الحداثة، وبين الهوية العربية الخالصة والاطلاع على الثقافة الغربية، ولهذا يعتبر الشاعر من أوائل المثقفين / الشعراء العرب، والخليجيين، الذين ساهموا في تحويل عالم الاقتصاد والبترول واجتماعات منظمة " أوبك" العالمية، إلى مناخ شعري استثنائي. يقول في قصيدته "همومي مع الكوته" مستلهما أسماء كانت فاعلة في تأثيث مشهد الأوبك، كعلي خليفة الصباح، وكامل المقهور وزير النفط الليبي وامبيرتو وزير النفط الفنزويلي[ - قصائد بترولية : ص 10 - 11]:
علي جاء مقترحا
يوزع ما يروق له
لنا المليون لا يكفي
وذا المقهور أعلنها
وهمبرتو بجولته
يقول سعيت مجتهدا
فلا قوه برغروته
كمن يعطيك بسكوته
ليضمن شعبنا قوته
وكانت فيه مكبوته
له في السر حدوثه
ولم ارجع ببرغوته
فالشاعر يحول تقارير منظمة الأوبك إلى خطاب شعري سلس وسهل وسردي حواري، مبتغيا بذلك تحقيق حدة الصراع بين الدول الموزعة للبترول في العالم، وكذا نسب حصص التوزيع، وهو يستعمل هذا الخطاب المخفف من أجل تمرير خطاب ديبلوماسي لبق وغير حاد، مبتعدا عن كل أشكال الصراع المرير الدائر في كواليس المنظمة، رغم أن الشعر نفسه لا يستطيع أن يتخلص من إشكاليات التسويق المرتبطة بمادة النفط، فقد تولدت لدى الشاعر هموم جراء روتينية الإدارات الدولية لشأن البترول يقول في قصيدة "رسالة مفتوحة إلى وزراء الأوبك"[ - نفسه : ص 13]
أنا والله مهموم
تمر بأزمة كبرى
فسوق النفط راكدة
تنادينا إلى لندن
من الأوبك، ومغموم
وما في الأمر مكتوم
وسعر الخام مسقوم
وجو السوق ملغوم
إن هذه الأزمات المرتبطة بسوق البترول في عالم البورصات الدولية، يستدعي من الشاعر أن يعبر عن وجهة نظره الاقتصادية بشكل ديبلوماسي ينم عن حسن تدبير ودهاء وقدرة على الصمود[ - قصائد بترولية : ص 14] :
وقلنا أيها الأعضاء
إن شئتم شفاء السوق
ضعوا سقفا لإنتاج
إن الحل معلوم
من مخزونها صوموا
فإن الفيض مذموم
لكن تضارب المصالح يجعل الأطراف في حالة صراع وتنافر[ - نفسه : ص 15 ]
وما قلناه معروف
ولكن يصعب التنفيذ
فإن الكل مسكين
لدى الوزراء مفهوم
والإيثار معدوم
وفي التوزيع مظلوم
ويبدو أن هذه الديبلوماسية تصل أحيانا إلى حدود تبادل الاتهامات، فأعضاء الأوبك يوجهون الاتهام إلى "ديكو" وزير النفط النيجيري[ - نفسه : ص 16]
رجونا كلنا ديكو
برفع السعر دولارا
فلم يقبل توسلنا
وقلنا أنت ملزوم
وإلاحاقنا الشؤم
وقال الأمر محسوم
ومثل هذه الحوارات ليست إلا تلخيصات لتقارير منظمة الأوبك، عبر سنوات طويلة من الصراعات فهذه القصائد البترولية بهذا النفس الديبلوماسي الذي ميز شاعرنا، كانت تؤدي دورا إعلاميا تسجيليا تاريخيا في الظاهر، أما باطنيا فإن الشاعر شعر بهوة الانفصام بين فروسية الذات/ الهوية، ووحشية الاقتصاد وسلطة النفط. ويجد الشاعر نفسه متجها نحو جهة الشعر، لإقرار وجهة نظره الديبلوماسية[ - نفسه : ص 27-28-29]
أيها الشعر ناديناك فاستجب
فاشرح همومي إلى الأصحاب مختصر
... لا سكرتير يدير اليوم دفتها
... ما السكرتير سوى راعي سفينتكم
مالي سواك يثير النار في الحطب
ببيت من الشعر عن ألف من الخط
غيري وغير صديقي فاضل الجلبي
في لجة البحر يحميها من العطب
فالشاعر وهو يتقلد مسؤولية تدبير المنظمة، باعتبار انه سكرتيرها الأول، يحاول أن يكون أكثر توازنا واعتدالا وديبلوماسية من اجل تسيير متزن لسفينة المنظمة، لكن الشاعر أحيانا ورغم انه يلوذ بالشعر، إلا أن هذا الشعر لا يسعفه في مواجهة المضاربات البترولية ومشاكلها.[ - قصائد بترولية: ص 54]
ألوذ بالشعر عند الهم اسأله
لكنه اليوم يأبى أن يطاوعني
وليس للشعر بين الناس مكرمة
أن يستجيب وبحر الشعر معطاء
وان يصرخ أين العيب والداء
إن لم يكن فيه للمكنون إرضاء
فالشعر يأبى أن يقدم الحلول للشاعر، لأنه ببساطة ليس من وظيفة الشعر أن يقوم بالخوض في مناقشة عوالم المادة والاقتصاد والثروة ولهذا على الشاعر أن يترك جبة الشاعر، ويلتحف جبة السياسي والاقتصادي والديبلوماسي من اجل تحقيق التوازنات الاقتصادية المطلوبة[ - نفسه : ص 54]
في لجنة السوق كنا مثل شرطتكم
لا تسألوني عن الأسماء إنكم
نقول لا، إنما لا تنفع اللاَّء
تذرون كل الخفايا يا أعزاء
لينتهي الشاعر إلى التأكيد على أهم عوامل الصراع بين الدول المنتجة للبترول، والمتعلقة أساسا بقضية الثمن والسعر[ - نفسه : ص 55].
ولعبة السعر لا تخفى على احد
فهل تظنون أن الناس يخدعهما
لكنها لعبة يا قوم حمقاء
في كل خَفْض لسعر النفط أسماء
ويقدم الشاعر / الاقتصادي، الحل لهذه المعضلة الاقتصادية من خلال مبادراته كمسؤول داخل منظمة الأوبك[ - قصائد بترولية : ص 59]:
وتخفيض سقف لإنتاج وتضحية
هذا القرار عظيم حين تصدره
تزول فيها انتهاكات وأخطاء
فليحترم فيه للأعضاء إمضاء
فهذه الديبلوماسية الشاقة التي كان ينشطها الدكتور مانع سعيد العتيبة، لا تصبح أكثر فاعلية، إلا بتوقيع الدول المنتجة للبترول على القرارات الصادرة من المنظمة، حتى تصبح ملزمة لجميع الأطراف المشاركة في توزيع النفط.
ورغم كل المظاهر الديبلوماسية التي بدت واضحة في جميع قصائد هذا الديوان، فإن الشاعر يتمسك بالمشروع الإنساني وسط كل هذه الأزمات الاقتصادية، بل يعتبر أن الشعر وسيلة لتأسيس كون جديد مختلف عن هذا الضجيج المنبعث من منظمة الأوبك ومشاكل النفط، وهو يؤكد من خلال قصيدته " الشعر لو قال الحقيقة يجرح" أن الكلمة تكتسي معنى الفروسية، فهي تجرح إن قالت الحقيقة.[ - نفسه : ص 103]
وحسام شعري لن يفارق غمده
فالشعر لو قال الحقيقة يجرح
لهذا كانت ثنائية الإخفاء والإفصاح تتراوح بين قصائد هذا الديوان، فتارة يظهر الديبلوماسي والسياسي والاقتصادي، ومن تم يغيب الشاعر، وتارة يصبح الشعر ملاذا للدبلوماسي / المثقف. لأن الشعر بالنسبة لمانع سعيد العتيبة هو عالم من المثل تلتقي فيه كل الأرواح وتذوب في بحر المحبة بعيدا عن ألوان المادة المتوحشة.
5- سردية البترول والأزمات الإنسانية
لا شك أن اكتشاف البترول في العالم بأسره، قد ولد فوارق كبيرة بين الناس، وأصبحت الطبقية الفردية والجماعية أكثر انتشارا، لأن الذهب الأسود أصبح يتحكم في شرايين الاقتصادات العالمية، والشاعر وهو يشتغل ضمن نطاق العمل الاقتصادي / البترول، قد رصد كثيرا من الاختلالات التي ساهمت في تفقير الشعوب.[ - قصائد بترولية: ص 69]
قوت الشعوب محرم تبديده
السوق كلا إنها ألعوبة
ويد المطامع أنهكت أسواقنا
فمن الذي جعل الحرام حلالا
بيد الكبار وترفض استقلالا
جرت عليها نقمة ووبالا
إن الشاعر ينطلق من الوعي بمضامين القصيدة العربية، ومن مسلمات الفروسية التي يؤمن بها الإنسان الخليجي خاصة، ليعبر عن الصفاء والصدق في طرح قضية الظلم والفقر ومعاناة الشعوب العربية على الخصوص، جراء انعدام التوازن والتكافؤ والعدالة الإنسانية القائمة على المساواة[ - نفسه : ص 69].
ويد المطامع أنهكت أسواقنا
اليوم تحتاج الحقيقة فارسا
جرت عليها نقمة ووبالا
لا نافخا في البوق أو طبالا
والفروسية الحقيقية، هي قول الصدق وتبنيه خاصة وأن الشاعر يشتغل في ميدان البترول، وهذا الشعر الذي يقول من خلاله الشاعر الحقيقة، إنما يتلمس من خلاله الوقوف إلى جانب الفقراء والمستضعفين.[ - نفسه : ص 70]
قالوا سنحرمها غدا من نفطها
ونحيل كل بنائها أطلالا
وتزداد نبرة سخط الشاعر، عندما يكتشف نوايا المستثمرين الطامعين، إذ وصلت بهم درجة الاستهانة بالإنسان العربي، واحتقاره أن فكروا في إعادته إلى الأنماط البدائية الأولى (الصحراء – البادية – البداوة ...)
يقول في هذا الصدد[ - نفسه : ص 70 ]
ويعود للصحراء بدو رحل
وليشربوا من بعد ذلك نفطهم
ألِفُوا عليها الحِلَّ والتِّرحالاَ
ويحولوا سُفَنَ الفضاء جمالا
لقد قرأ الشاعر نفسية المستثمر وإطماعه، حيث عبر عن تصور عنصري / استشرافي تنبعث من ثناياه نوايا الغرب الطامع في ثروات الجزيرة العربية، والحل الوحيد في اعتقادهم هو إعادة العرب إلى عالم الصحراء والخيمة والإبل. لكن الشاعر يعبر عن تشبثه بمقومات هذا الصحراء وكل مكوناتها، مبرزا اعتزازه بالانتماء إلى وطنه وهويته.[ - قصائد بترولية : ص 71]
إني أنا البدوي ثوبي ناصع
إن أنكر المتحضرون عبادتي
ما عشت دجالا ولا مختالا
فأنا لها لا اقبل استبدالا
فالشاعر يستهزئ بنوايا هذا الغرب الطامع، عند قوله[ - نفسه : ص 71]:
وليعلموا أن الحضارة لم تقم
في أرضهم لولا نفطنا ما سالا
ويكيل الشاعر الذم لإعلام الغرب المغرق في العنجهية [ - نفسه : ص 71]
فغلام يجحد فضلنا إعلامهم
ونظل نمدح فيهم الأفضالا
فآلة الإعلام الغربية هي آلة قوية ومؤثرة في الرأي العام الدولي، وهذه النزعة الإعلامية قد تصل عند البعض على ترسيخ النزعة النازية العنصرية[- نفسه : ص 72]
يا من يراني دون قدر رقيه
إني لأشهد فيك عودة نزعة
ما أنت من نور خلقت فكلنا
ويريدني متسولا جوالا
نازية واراك زدت ضلال
طين أينكر كبرك الصلصالا
ويؤكد الدكتور مانع سعيد العتيبة أن الإنسان العربي يعبر من خلال بوابة التاريخ عن رقي حضاري وفكري[ - نفسه : ص 72]
إن الحضارة عنك جد بعيدة
وإذا أردت جوارها فتعال
ولهذا يؤكد الشاعر على أهمية ثروة النفط لمواجهة
الأطماع الامبريالية الحديثة.[ - قصائد بترولية : ص 113]
النفط ثروتنا فإن لم نستجب
لن يكتب التاريخ إلا لعنة
لندائه أو نحن أهدَرنَاه
تندى لها عند الحساب جباه
فالنفط ثروة عظيمة، وقوة اقتصادية تساهم في التنمية. والشعوب تنظر إلى هذه الثروة من منظارحل الأزمات الإنسانية وقضايا الفقر.[ - نفسه : ص 117]
هذي شعوب الأرض تنظر نحونا
فإن اختلفنا فالجحيم مصيرنا
لترى الذي للخير قدمناه
وإن اتفقنا يرض عنا الله
وتزداد ملامح التصريح عند الشاعر الذي يرفض هيمنة الشركات النفطية العالمية، عندما يكشف نواياها الاستغلالية.[ - نفسه : ص 121]
شركات النفط كانت دائما
تطلب الربح سريعا
تطمس الحق وما للحق طمس
مسها من عبث الأسواق مس
ويغوص الشاعر في أعماق التراث الشعري القديم، متعلقا بأيقونات القصيدة الغزلية العفيفة، ملمحا إلى تعلق القلب معالم الفروسية الأصيلة[ - نفسه : ص 122]
نحن عشاق وليلى لم تزل
أملا يسعى له في الحب قيس
ولعل تمسك الشاعر بهذه القيم التي عرفتها القصيدة العربية القديمة، هو تأكيد على ضراوة الصراع والتنافس المزمن بين أعضاء منظمة الأوبك، لأن هؤلاء غلبوا كفة السياسة بدلا من كفة الاقتصاد المتوازن، والنفط ببساطة لا يستطيع التخلص من هيمنة السيطرة السياسية.[ - نفسه : ص 134 - 135]
النفط عبد للسياسة تابع
... حرب البسوس هي التي أودت به
يغدو بأمر مزاجها ويروح
دمه على ساحاتها مسفوح
لهذا فإن النفط يجب أن يكون بعيدا عن كل ألوان السياسة لأنه ملك لشعوبه[ - قصائد بترولية : ص 137]
فالنفط ملك شعوبه لا ملك من
يبكي على أنقاضه وينوح
ويعتقد الشاعر، أنه بالرغم من مرحلة التصريح التاريخي لبعض حقائق اجتماعات منظمة الأوبك، وبالرغم من محاولة التوثيق التاريخي، في إطار قيم ايجابية يؤمن بها الشاعر، إلا أنه يؤكد على الصمت.[ - نفسه : ص 137]
لكنني سأعود للصمت الذي
فالنفط تاريخ وأسرار فهل
أحلى عزاء للوفي يتيح
خوض العباب مسموح
خاتمـــــــــــــــــــة :
إن ديوان قصائد بترولية هو ديوان بنكهة توثيقية وتأريخية، فالقصائد تحيل على أهم اجتماعات منظمة الأوبك التي اشتغل داخلها الدكتور مانع سعيد العتيبة عضوا وسكرتيرا ورئيسا، وهذه القصائد تجاوزت هذا البعد التوثيقي، لتصبح مرتبطة بالتأملات والقيم الايجابية التي يدافع عنها الشاعر، انطلاقا من إيمانه الراسخ بالفروسية الأصيلة النابعة من أجواء المجتمع الخليجي عامة والإماراتي خاصة، كما أن هذه القصائد تجمع بين النزعة الصوفية، الاجتماعية، والنزعة الديبلوماسية والنزعة الاجتماعية والاقتصادية، ذلك أن الصراع الشرس والمتوحش الذي ولدته الأطماع الاستعمارية والاستغلالية للعديد من الشركات العالمية، حرضت الشاعر على تبني قيم الصدق والمحبة والاصطفاف إلى جانب الفقراء والبؤساء المحرومين، وما يزيد تمسك الشاعر بهذه المواقف الايجابية، هو اعتزازه بحياة الصحراء والبادية كمكون من مكونات الهوية الخالصة.
لائحـــــــــــة المراجــــــــــــع
ديوان قصائد بترولية: الدكتور سعيد مانع العتيبة، دار الواحة للاعلام أبو ظبي 2020.
حوارية البوح واللمح في كتابات الدكتور مانع سعيد العتيبة، عبد الكريم الفرجي، منشورات المركز الأكاديمي للثقافة والدراسات المغاربية والشرق أوسطية والخليجية – كلية الآداب والعلوم الإنسانية – ظهر المهراز – فاس مطبعة انفو- برانت سنة 2023
مدخل إلى عتبات النص : بلال عبد الرزاق – دراسة في مقدمات النقد العربي القديم – إفريقيا الشرق – الدار البيضاء – سنة 2000.
فن الشعر : أرسطو طاليس – ترجمة متى بن يونس وتحقيق شكري عباد – دار الكتاب القاهرة سنة 1967.
الشعرية الإماراتية – فروسية المكونات الدلالية والفنية في الفصيح والنبطي – الدكتور عبد الله بنصر العلوي منشورات مجموعة البحث في الإبداع والدراسات المغربية الإماراتية، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، ظهر المهراز – فاس- مطبعة انفو – برانت، فاس سنة 2014.